تقارير وتحقيقات

الطريق إلى القمة

مروح

20060107093-(1)
سلسلة ( الطريق إلى القمة ) دراسة بحثية شاملة لرحلة الرحالة فيلبي إلى فيفاء أواخرعام 1355هـ

                                                                                    يكتبها :أ / موسى جبران المشنوي

 

مروح 784

مروح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله               وبعد

فإن منطقة فيفاء وما جاورها قد بقيت ردحا من الزمن مغيبة تغييبا شبه تام إلا من نتف يسيرة في سياقات شعرية أو تاريخية وإن المتتبع لتاريخ المنطقة ليجد صعوبة كبيرة وذلك لشح المصادر والمراجع ويعزى السبب في ذلك إلى وعورة المنطقة وصعوبة مسالكها مما جعل النفوس تنفر من اقتحام تلك الجبال وذلك ما ابقى سكانها في عزلة تامة وحافظ لهم على الكثير من تراثهم ولغتهم وتقاليدهم ولعل كتابات الرحالة ( هاري سانت جون فيلبي ) هي أول تاريخ حقيقي يدون عن المنطقة وتراثها وأهلها من حيث الدقة والوفرة المعلوماتية وذلك كان خلال زيارته لفيفاء أثناء بعثته من قبل الملك عبد العزيز لترسيم الحدود السعودية اليمنية أواخر عام 1355هـ وسأقوم بإذن الله خلال سلسلة من الحلقات التي أسميتها ( سلسلة الطريق إلى القمة ) بتسليط الضوء على تلك الرحلة التي قام بها للمنطقة . مراعيا النقاط التالية .                                                                                    1- المرجع . كتاب ( مرتفعات الجزيرة العربية ) للرحالة فيلبي . راجعه وعلق عليه  أ.د غيثان الجريس. الطبعة الأولى 1426 . الناشر . مكتبة العبيكان .       2- أكتفي بالنص الأصلي للرحالة فيلبي بنقله حرفيا كما هو وارد في الكتاب من ص 901 إلى ص 936 من حين مغادرته لجازان إلى حين انتقاله من فيفاء لضيافة بني مالك . مع حذف بعض النصوص الغير مهمة للتخفيف ومن أراد النص الكامل فيرجع للكتاب والصفحات الآنفة الذكر.                                                  3- لم أورد شيئا من تعليقات الدكتور ( الجريس ) وكل ما سيرد في هذه السلسلة محصورا بين قوسين أو مرقما في الهوامش فهو من تعليقاتي .                                                4- أود التنبيه إلى أن كلام ( فيلبي ) فيما يتعلق بالأنساب والتقسيمات القبلية فإنه لا يعتد به ولا يعول عليه كثيرا كونه لا علم له ولا خبرة سابقة بأهل فيفاء وأنسابهم وإنما يستقي المعلومات من مرافقيه ومن يقابلهم من مشايخ أو أعيان أي أنه يأخذ برأي الآحاد واحتمالية الخطأ في ذلك واضحة جلية مع أنه لا ينفي كونه قد يصيب أحيانا . بعكس ما يتعلق بالأحياء والجيولوجيا والوصف الجغرافي  فإن آراءه ونظرياته تعد مرجعا مهما لكل دارس لتأريخ المنطقة من تلك النواحي كونها مبنية على أسس علمية وخبرة كبيرة في تلك المجالات تتضح للقارئ من خلال مطالعة أبحاثه وكتاباته .

وأما الآن فدعونا نرجع ثمانية عقود للوراء إلى عام 1355هـ لنرى المنطقة جغرافيا وبشريا من خلا ل عيني فيلبي انطلاقا من حين مغادرته جازان متوجها إلى فيفا حيث يقول :                                                                          ثم طلبنا الإذن بالسماح لنا بالمغادرة من كل من محمد بن ماضي ( 1 ) ومن الموظفين الاخرين الذين كانوا قد دعوا معنا للفطور وعدنا لنضع اللمسات الأخيرة للاستعداد للمغادرة إلى فيفاء. وضع الأمير شاحنة وسيارة تحت تصرفنا للمرحلة الأولى من الرحلة حتى السفوح التلية لقرية العيدابي حيث تمت الترتيبات هناك بتجهيز الحمير والجمال لبقية الرحلة.( حيث ان طريق السيارات كان يصل فقط إلى مدخل قرية العيدابي مما يلي صبيا )

تتبعنا الطريق الرئيس حتى صبيا وكنا نأخذ الأمور على علاتها ونتوقف مرارا لمراجعة اتجاهات البوصلة السابقة ولذلك فقد استغرق وصولنا إلى منزل بن غنيم ساعتين كاملتين وواصلنا سيرناعلى طريق الحسينية حتى مسجد الخواجية ( 2 )فيما يلي مفترق صبيا الجديدة  ثم استدرنا مباشرة على طريق السيارات إلى اليمين وهو يمتد فوق صحراء عارية إلا من عشب الثمام ناحية النهاية الشمالية لقرية الحسيني وهي مجموعة معتبرة من العشش على هيئة خلايا النحل وتغطي مساحة ميل مربع ثم انحدرنا تدريجيا فيما يلي هذه إلى أرض صعبة ناحية الضفة اليمنى لوادي صبيا (الضفة اليمنى للوادي باعتبار اتجاه جريان الماء من الشمال للجنوب وباعتبار اتجاه سيرهم فهي الضفة اليسرى للوادي )وتتبعناه خلال الأشجار الكثيفة من العلب والطلح والأراك والطرفاد ( 3 ) وغيرة من الغطاء النباتي البري . كان هناك الكثير من مزارع الدخن على جانبي المجرى الكثيف الأشجار والذي بدا لنا أحيانا كأنه غابة وليس مسيلا للوادي .( 4 )

وصلنا دون تأخير كثير إلى قرية الجخيرة التي انتثرت عششها بين أجمة أشجار الدوم المتعرجة وقد رأيت كتلا من أعواد الدخن مكدسة في وسطها .

واتصلت حافة حقل الحمم البركانية لعكوة( 5 ) مع حافة القرية عبر الأزمان على شكل جلمود ارتفاعه عشرون قدما يمتد من الشرق إلى الغرب وقد تراكم الكثير من الطمي بينهما وبين الضفة اليمنى للوادي ، ينحني الجلمود سريعا ناحية الشمال مرورا بقرية صغيرة تدعى جر مسعود( 6 ) في وسط الكثير من الروابي الطينية التي يكسوها الغطاء النموذجي . وصلنا في النهاية إلى موقع ملتقى مجاري سيل يسمى المجمع غالبا وقد سمي بذلك لأنه تجتمع فيه أودية صبيا ودامس وقصي وتكون مجرى واحدا ( 7 ) ثم صعدنا في جهد إلى أعلى البطن الحصوي لوادي قصي بعد أن عبرنا موقع اللقاء ثم خرجنا منه إلى ضفته اليمنى لنشق طريقنا من خلال أرض شجرية تكسوها أجمات الأراك وتعترضها حقول متفرقة ذات مدرجات وسدود للدخن .

بدأ سطح الأرض يرتفع تدريجيا الآن وكان السير فوقه أصعب بكثير مما سبق فوق الحصى كان أول سلسلة السفوح التلية التي علينا صعودها غير معروف ويغلب على الظن أنه جبل المشاف الذي كانت قمته المنخفضة حوالي 600 قدم فوق سطح البحر لم نعد نرى وادي صبيا الذي دخل السفوح التالية إلى الغرب منا ويقع منبعه فيما يعتقد في مكان ما على جانبي جبل الريث . ( 8 )

بدأنا نمر بقطعان الضأن على ضفة لحجة عضد الكثيف الأشجار, الذي تتبعناه لبعض المسافة وكان ذلك بشيرا لنا بأن المناطق المأهولة ليست ببعيدة عنا وقد تأخر الوقت كثيرا . لاحظت أن العديد من أشجار الطلح قد أصيبت بنموات غزيرة لنبات الهدال الطفيلي ( 9 ) . ثم وصلنا سريعا لمزارع العيدابي وحقول الدخن الصغيرة , وقد تلاحقت المدرجات فيها جزئيا عند السفوح السفلى وجزئيا في أحواض صغيرة عند القاعدة . وتتكون القرية نفسها التي ترتفع إلى ( 900 ) قدم فوق سطح البحروهو تقريبا نفس ارتفاع الحقو من ثلاث مجموعات منفصلة من  أعشاش مصنوعة من الأعواد وقد استقر بنا المقام إلى جوار واحدة منها كانت تتكون من ثمان عشش صغيرة محاطة بسور من أعواد ومن عشة واحدة منفردة تقع إلى خارج السور – لقضاء الليل . ويسكن القرية جماعة صغيرة من آل بلغازي وهم قسم من خولان الذين يسكنون كذلك قرية الحناية الأكبر حجما ويبدو أنهم يرتبطون بنسب مع اليهانية ( خولان ) قسم من فيفاء ( 10 ) كان اسم الرجل العجوز الذي أشرف على ارشادنا من صبيا هو عبدالله خباش من الجخيرة . لم تكن معرفته بالبلاد كبيرة لكنه غطى النقص الخطير . كان قد أخضرلي قطعة من صخر أسود وذكر لي أنه  يوجد في جيوب صغيرة بين سلسلة الحباطة ويطلق عليه محليا اسم ( كحل ) ويستخدم في تجميل العيون , لقد بدا لي هذا الصخر كأنه المغنيزيوم .(11).

مروح

 

مروح

 

جبل عكوة البركان الخامد

لا تزال آثار الحمم البركانية واضحة للعيان في المناطق المحيطة

 

======

 

 

(1)   محمد بن عبد العزيز الماضي من أهل روضة سدير ببريدة تولى الإمارة خلفا لعبدالله بن عقيل مابين عامي ( 1355- 1359) هـ وخلفه الأمير خالد السديري ثم محمد السديري ثم سليمان بن جبرين ثم تركي السديري ثم محمد بن تركي السديري من عام ( 1397- 1422) هـ حيث تولى الأمير الحالي محمد بن ناصر بن عبدالعزيز .

(2)   الحسينية معروفة إلى اليوم وهي غير الحسيني وأما مسجد الخواجية فيبدوأنه لم يعد له وجود وقد سألت بعض سكان المنطقة ولم يفيدوني حيال ذلك بشيء  .

(3)   سأفرد مبحثا خاصا عن النباتات والطيور والحيوانات التي أوردها فيلبي أثناء رحلته إن شاء الله وذلك لكثرتها وأهميتها .  

(4)   يبدو أن تغيرات بيئية هائلة حصلت في الثمانين عاما التي تلت رحلة فيلبي ويظهر ذلك من خلال  مقارنة الحياة الفطرية والبيئية التي أوردها فيلبي ووصفها وصفا دقيقا من طيور ونباتات ومسايل كل من أودية صبيا وقصي وجوراء وضمد وهذا يستدعي وقفة لمعرفة الأسباب والمحافظة على ما تبقى .

(5)   عكوة بركان خامد منذ عشرة ملايين سنة حسب تقديرات علماء الجيولوجيا . ويربط البعض هذا الجبل بقصة النبي خالد بن سنان العبسي الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم ( ذاك نبي ضيعه قومه ) وأن بركان عكوة هي نار الحرة التي أراد النبي خالد العبسي عليه السلام إخمادها ومن أولئك الذين تحدثوا عن تلك القصة القاضي علي قاسم حفظه الله  كما ذكر في كتابه ( الحكم القبلي في فيفاء قبل الحكم السعودي ) أن فيفاء قد تكون مركزا لقبيلة عبس المنتسبة لعبس بن خولان بدليل تسمية حصن من حصونها باسمه ( حصن العبسية ).      

(6)   الجر الأعلى حاليا . وله  لوحة على الشارع العام قبل الدخول إلى جخيرة .

(7)   موقع معروف وهو على مسافة كيلو ونصف الكيلو عن الطريق الرئيسي

(8)   بينت في بحث سابق عن الأودية المحيطة بفيفاء خطأ هذا الاعتقاد من قبل فيلبي وأن وادي صبياء ينبع من  السلاسل الجبلية المحيطة بمركز هروب كجبل منجد وجبال الصهاليل  وأنها تفصل بينه وبين جبل الريمروحث سلاسل جبلية معترضة وأن جبل الريث تنصرف مسايله غربا إلى جهة بيش .

(9)   المسمى عندنا ( يد امواردة )

(10)  ذكرت سابقا عدم الأخذ بآراء فيلبي فيما يخص الأنساب  مع إمكانية إصابته أحيانا .

(11)  نرى هنا وفيما يأتي لاحقا معرفة فيلبي بالصخور وخصائصها وأنواعها ولا يستبعد أن يكون أحد الأهداف الثانوية لتلك الرحلة هو البحث عن الأحجار الكريمة بدليل قوله عندما مر من وادي جوراء بعد نزوله من فيفاء قال : ولا أرى أي نشاط لتجارة الأحجار الكريمة كما هو حاصل في اليمن ( يعني تجارة العقيق )ولعله قال ذلك عندما رأى أن البيئة قد تكون مواتية لتشكل شيء منها .                                                                     

 

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: