مراجعات نقدية في الموسوعة الميساء

مراجعات نقدية في الموسوعة الميساء (١٠)

محمد-مسعود-الفيفي
قراءة في حلقات       يكتبها/ محمد بن مسعود الفيفي                   الحلقة العاشرة والأخيرة

٤- قبيلة “آل شراحيل” .

••قلتُ: لاشك في أن الطريق الذي سلكه الباحث لإيصال نسب آل شراحيل بمذحج لم يكن صعبا وشائكا كالذي سلكه من أجل تذحيج آل الصلت، فعثر على ضالته عند بعض الباحثين من منطقة جازان!! لكن يبدو أن الحياء الشديد منعه أن يذكر اسمه أو يحيل  لبحثه، لذلك لا وجود لأي إحالة تفسر الغموض وتجلي ما استتر وهي ظاهرة تتكرر في الميساء بشكل ملفت.

فقال المؤلف :

(قبيلة آل شراحيل ويطلق عليهم ( الشراحيلي) ٨٦

قلتُ: صحة العبارة أن تكون ( قبيلة آل شراحيل، والنسبة إليها : الشراحيلي) فليس دقيقا هذا التعرف الذي ساقه  المؤلف أعلاه مهما تغاضينا، أو سلكنا أوسع المناهج  تفريطا وتساهلا.
ثم يأتي معللا التسمية لما يعرف بالقيستين فقال :

(ويقصد بالقيستين أي المتكافئتين في القوة وما شابه أو المتقايستان. ويظهر لي بأن ذلك المسمى ما هو إلا حلف كبير تم بين قبائل آل عبيد وقبيلة آل شراحيل)ح٨٦

قلتُ: مهما اقترب في التعريف فإن الدلالة الأدق لهذه التسمية تعني أنهما وحدة واحدة .. لكن الباحث اعتاد أن يمر (مطهللا) هكذا فيعبر المنعطفات الحادة والوعرة، ويقفز الحواجز العالية محلقا لا يأبه للتفاصيل، ثم يعتقد مطمئنا أنه أبلى بلاء حسنا .. وأنه ليس في الإمكان افضل مما كان.
ولو تمهل قليلا وتأمل اللفظ وقرأه في بيئته اللسانية ثم حكم عليه بعد الفحص والتأمل لوافق الصواب.
دعوني أجري اختبارا للكلمة ثم نرى هل (يقصد بالقيستين أي المتكافئتين في القوة وما شابه أو المتقايستان) ؟؟ بحسب تعريفه لننظر :
إذن فالقيستان : اسم يطلق على قبيلتي آل عبيد وآل شراحيل معا، بصيغة التثنية، وتاء التأنيث للقبيلة، ولم يسمع في حالة الإفراد؛ إطلاقه على أي من هاتين القبيلتين .. مع أن صيغة المفرد ستأتي على وزن ( فعْلَة) (قيسة) فهل الاسم جاء عن الجذر (قَيَسَ)؟  الذي منه قاس، يقيس،مقيسا، وقياسا، ومقايسة، أم يعود للجذر (قَوَسَ) الذي منه القوس والقسي؟ لنرى!!.
فإذن برجوعنا للسان العرب، يسعفنا بالمعنى الذي يطابق اللفظ تماما وهو (القيس) بمعنى الشديد، وإذا أطلقناه صفة لقبيلتين، نعتناهما بـ (القيستين) أي الشديدتين. ونخلص إلى أن التسميتين بينهما فارق دقيق يجب التنبه له، وطالما وجدناه بخلاف المضاهاة والمقايسة والمفاضلة، تيقنا أنه عبارة عن تسمية لوحدة واحدة غير مجزأة.

وقال المؤلف :
(وبما أن شراحيل فيفا لهم رابط كبير مع شراحيل الحرث فإن بعض الباحثين من منطقة جازان ينسبون شراحيل الحرث إلى شخص يقال له نافع بن شراحيل بن كعب بن عبس بن الخمخم بن عوف بن سفيان بن سلهم بن الحكم بن سعد العشيرة) وعلق في الحاشية رقم ٣ : ( أي أن شراحيل فيفا يعودون إلى الحكم بن سعد العشيرة بن مذحج)٢٠٣.

قلتُ: نعم فالرابط وجود مجموعة مهاجرة من آل امجغمي ربما تجاوز عددهم  الآن خمسين شخصا بحسب رواية الأخ أحمد بن حسن الشراحيلي الفيفي وهم في عداد قبيلة آل شراحيل التابعة لمجموعة قبائل الحرث.
وقال بأن قبيلة آل شراحيل لا يعرفون إلا أنهم من خولان يهانية ولم يسمعو ببني مذحج بسلامتهم الذين ذكرهم الباحث.
ولهذا فإن نسبتهم لمذحج بناء على هذا الرابط ليس منهجيا وإنما المنهجي هو  الأخذ بما يرويه أهل الشأن من القبيلة نفسها فما أدلوا به فهو الصواب.

وقال الباحث:
(فلا زال لدينا في قبيلة آل شراحيل جبل مهجور يطلق عليه جبل امردم ويطلق على ساكنيه أهل امردم فهذا المسمى وبشكل كبير  ما هو إلا نسبة إلى موقعة الردم (الرزم) الشهيرة) ١٣٧

قلتُ: سيتساءل القارئ عن هذه العلاقة التي ظهرت للباحث وما مدى اتساقها مع الحوادث، والتاريخ، والجغرافيا؟ لكن قبل ذلك لنقترب أكثر من عبارته هذه حيث سنعثر لديه على تناقض غريب عجيب .. فالجبل كما قرر الباحث : مهجور أي قفرة، ومع ذلك يؤكد أن التسمية التي تطلق على ساكنية هي ( أهل امردم) فكيف يمكننا الجمع بين الضدين ؟.. يأتي هذا مع اسلوب المعالجة الضعيفة التي قد تحمل القارئ إلى اتهام المؤلف بتعمد المغالطات لوصفه نقاط جغرافية واضحة بخلاف ما هي عليه،كإطلاقه مسمى جبل على تلة صغيرة أو نتوء جغرافي واهن، لا يكاد يُرى على الخارطة، ومن لديه أدنى فكرة عن جغرافية المكان سيتعجب من مجازفة الباحث التي قد تنال من دقته وحياده وهو يسوق استنتاجات تتعارض مع حقيقة المكان.
والباحث يتكلف بشكل غريب إيجاد العلاقات بين المسميات والحوادث، وهذا من حقه طبعا .. وإنما وفق منهج بحثي متسق، يُظهر فيه الصرامة والشدة والحياد .. وهو مالم نره في منهج الباحث الذي يقش ما صادفه أمامه من لغة ومسميات .. ولولا الأمانة العلمية لما وقفت لدى هذه المباحث التي تقصر تماما عن طفولة التصنيف والتأليف المبكرة في حياة الأمم وقبل تطور الفكر البشري.. فلولا هذه الأمانة التي تقتضي مثل هذا النفس الطويل والصبر على البلاء لما تصديت لها.

ويقول أيضا:
(وكذلك يوجد موقع استراتيجي في ديار آل شراحيل يقال له الرزم …. كان سوقا قديما وبه طريق قديم جدا للقوافل…. وهو نفس مسمى تلك المعركة (يوم الرزم) وهذه نقطة جديرة بالاهتمام ، وما الغريب في أن يكون لأهل الردم والزم بعض التواجد في جبال فيفا)١٣٧.

قلتُ:  المعركة دارت رحاها في وسط الربع الخالي، على بعد مئات الأميال من فيفا، وهذا أمر مفروغ منه، فلا يوجد أدنى علاقة بين التسميتين، ولا بين النقطتين الجغرافتن، ولو اقترب المؤلف من دلالتي المفردتين في بيئتين لسانيتين مختلفين لعيثر بينهما على فروق دقيقة، رغم أن اللغة مشاعة بين العرب أجمع، وهذا لا يجعلنا نخلط في الحوادث، ونتصرف في الجغرافيا، لمجرد عثورنا على اسماء متطابقة . ويتطلب الجمع بين هذه القرائن التي اجتهد فيها المؤلف جهدا جبارا وتكلفا شديدا دون أن تنقلنا لشيء، أو تفضي بنا لعلم.

وفي مناسبة مختلفة لها صلة بما نحن في صدده، وجدناد يقول صفحة ١٦٣ مانصه :ب
(فنحن نقول في فيفا نيد أي نجد) ونقلب الكاف شينا في بعض حروف الكاف) .

قلتُ:  لا اعتراض يهم على قضية قلب الكاف شينا في آخر العبارة المقتبسة أعلاه رغم مجانبتها للصواب عند التحري للدقة والتحقيق ، لكن ما ترونه داخل القوس الأول عجيب فعلا ومجازفة غير محسوبة العواقب .. فلقد وهم الباحث فيما أورده هنا وهو قلب صوت الجيم ياء في هذه البيئة اللسانية، فالنيد لا يتطابق مع النجد، ولا هذا يعني ذاك، ولو وقف متأملا تعريف النيد لوجده مختلفا عن النجد ولاستطاع الخلوص بأن النجد نقطة جغرافية لا شأن لها بالنيد ..ولاستطاع عندها تلمس الفارق،ثم لجاء حكمه مختلفا ..ولكنها العجلة التي لا تناسب عملية التصنيف والتأليف .
وهنادعونا نتلمس الفارق بين التعريفين، ثم نعقد بينهما مقارنة جغرافية علنا نكتشف أن النجد مختلف عن النيد، بينما الباحث اعتبرهما شيئا واحدا لمفردة واحدة هي ( النجد .. النيد) لنرى هل كان موفقا في حكمه ؟ أم أنها العجلة والقلق ؟.

أولا: النيد/ تعريفه : المنخفض بين قمتين، في ذروة الجبل،  وملتقى الريح (النود) في ثلم من ذروة الجبل الحادة ويطل على جهتين مختلفتين، ومفرده نيد، ويجمع سماعيا على أنياد ونيود. ومنها في فيفا نيد الضالع ، ونيد آبار، ونيد الدارة، وغيرها الكثير.

ثانيا : النجد / ننقل تعريفه باقتضاب :
هو أرض مرتفعة متسعة المساحة، ذات سطح مستوى ومنحدرة من الجانبين، وفي اللغة هو المكان المرتفع ويقابله لدى الجغرافيين مصطلح “الغور” وهو المنخفض. وقد أطلق الجغرافيون المسلمون على عدة مواقع في الجزيرة العربية مسمى “نجد” مثل نجد اليمن، وهو الهضبة الواقعة شرق سراة اليمن جنوباً عن صحراء الربع الخالي، سمي بذلك لارتفاعه عن تهامة اليمن، وهي السهل الساحلي المحاذي للبحر الأحمر. أما النجد المعني به هذا فهو نجد الحجاز.

ولو تأملنا التعاريف في أولا، وثانيا، من أجل المقارنة، لوجدنا بينهما اختلافا كبيرا، وبونا شاسعا، فلا هذا يطابق ذاك مهما تجاهلنا ضوابط التعريف والدقة اللغوية، والباحث يضع في ذهنه هدفا ثم يهرول باتجاهه محطما كل القيود المنهجية والاعتبارات العلمية المرعية، فيخرج باستنباطات شديدة التهافت،والغرابة، بحيث تنال من قوة بحثه نتيجة ومؤدى، ولهذا أوصيه بإعادة النظر حول منهجه هذا، مهما كان عمل الإنسان يؤطره النقص، فذلك قمين أن يخرج لأمته علما  ينتفع به من بعده .

وقبل أن أسدل الستار على هذه المقاربة لا أنسى تلك اللوحة التي نشرها على الصفحة ٤٠٧معلقا بالقول :
(وفي الأسفل بعض النقوش الأثرية والإشارات التي توجد على صخرة في أنافية) ٤٠٧.

قلتُ: سبق لي أن تطرقت  لهذه اللوحة عند نشرها من قبل الأخوة برئاسة الأستاذ موسى الحكمي، وذلك عبر مقال نشرته في هذه الصحيفة في حينه، وأشرت إلى أنها كتابات معاصرة تمت بواسطة الدهانات الملونة الحديثة، بفعل المجهولين الاثيوبيين، وفي الفترة الوجيزة الماضية التي لا تتجاوز عشر سنوات، وقد تحدثت عنها بإسهاب وعللت كونها حديثة ولا تنتمي للكتابات الأثرية ولا ما يحزنون .

واستيعاب نشرها في مادة صحفية أمر قد نتجاوزه ونغض عنه الطرف، إنما نشرها في كتاب تاريخي يعد مرجعا، فغير مقبول، ولا يمكن السكوت عنه بأي حال، ويجب على الباحث غربلة المعلومات الهشة من موسوعته ليخرجها للناس مرجعا خلوا من الترهات والأباطيل الخاطئة، على غرار هذه اللوحة المصنفة تعسفا في علم الآثار وهي منه براء.

وأخيرا من المفترض أننا نسعى جميعا ( المؤلف والناقد) لتحقيق أدنى سقف من المعايير والمتطلبات التي يجب مراعاتها في المصنفات العلمية، على حد سواء، ومنها  (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء) التي تناولتها على امتداد عشر حلقات مضت، تطرقنا فيها لنماذج عدة سعيا للتذكير بالمعايير والضوابط الصارمة المتعلقة بالبحث والانتاج، والتصنيف العلمي، وما يستدعيه من التجرد التام عن  أي ميول أو نزعات نفسية قد تؤثر على وجه الحقيقة الناصع، سواء جاء من قبل المؤلف أو من تلقاء الناقد نفسه.
وفي الختام ..باسمكم جميعا أيها الأخوة القراء أتوجه بخالص الشكر الجزيل ومنتهى العرفان والتقدير لسعادة الأستاذ المؤرخ القدير  حسن بن جابر الحكمي الفيفي .. الذي أتاح لي هذه الفرصة الجميلة، فرحب بفكرة هذه الحلقات ودعمها منذ انطلقاتها الأولى،  وأبدى تعاونا منقطعا أثناء المقاربات النقدية، رغم تمتعه بالإجازة السنوية، فبقي على تواصل معي متجاهلا تلك القسوة التي تند عن النقد في المعتاد، فله منا جميعا منتهى التقدير  والعرفات على ما أبداه من روح رياضية عالية مع مرونة وتفهم كبيرين حتى اكتمال هذه الحلقات، ولعل بعضكم لا يعلم أنه قد شرع في مراجعة لبعض معلومات الموسوعة الميساء وذلك قبل أن نبدأ في نشر هذه الحلقات، فلا يظن القارئ أن التغيير قد جاء نزولا عند رغبات هذه السلسلة النقدية، فلا والله.. بل الحقيقة على نقيض ذلك، فله منا كل التقدير على سعة صدره وتسامحه الذي يعرفه عنه الجميع، ومهما كنا ندرك سلفا قيمة النقد إلا أنه يجئ  متسلطا مكفهرا ثقيلا، ولهذا فالمؤلف مدركا لهذا الواقع ومتهيئا لمواجهته وتقبله.
مرة أخرى باسمكم جميعا أوجه له منتهى الشكر والعرفان، على ما قدمه لفيفاء وأجيالها المتعاقبة في المقام الأول، ثم لقاء تفهمه وتواصله الدائم، وتزويدي بالمعلومات التي أطلبها منه وهذا لا يستغرب من الكبار أمثال هذا الرجل الوفي لفيفا وأهلها، فله منا جميعاخالص الثناء ومنتهى التقدير.

ولا انسى تقديم الشكر والعرفان لصحيفة فيفا الأولى على تبنيها هذه المقاربة النقدية وأخص بالشكر الأستاذ / جابر بن ماطر الذي يتحمل غضب الجميع مقابل رضاهم أيضا وخصوصا ممن يجدون النقد ظاهرة رجعية مشاكسة وترفا لا لزوم له.

المكان لك يا أبا سامر  تفضل كلنا آذان صاغية.

‫33 تعليقات

  1. أعتذر للأخ مؤلف الموسوعة الميساء الأستاذ حسن جابر الحكمي الفيفي أمام الجميع أن حصل مني خطأ
    وخاصتن قولي أنه حصل للأستاذ محمد مسعود العبدلي ضغوط مفروض أن يستمر في النقد
    أنا لا اعرف الأستاذ محمد مسعود معرفة شخصية إلا عبر هذه الصحيفة فيفاء أون لين وقد رد على الأستاذ محمد مسعود أعلاه
    أشكر الأستاذ حسن جابر الحكمي في ما قدمه خدمة لأهل فيفاء في الموسوعة المسياء

  2. يقال لاترمى بالحجاره ألا الشجره المثمره
    الاستاذ والباحث حسن جابرالفيفي
    ليس هناك كلمه شكر توفيك حقك
    على مانثرته من درر بين ايدي القراء
    ونا من رأيي ان هذه الدررالثمينه هي اعظم كنز ممكن ان يورث لاجيال قادمه قدلايكونون يعلمون عن ماضي اجدادهم سوا كلمه فيفي
    اتمنى من كل شخص اعترض اواستاء من الباحث ان يفكر في
    إجابيات الكتاب ولاينظر فقط لسلبياته هذا ان وجدت سلبيات
    هذا وشكراتقبلو مروري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: