مقالات

حلية المجالس

جبران بن مفرح الفيفي
جابر بن مفرح الفيفي

للاستاذ : جابر بن مفرح الفيفي

إن الأدب حلية النفس الإنسانية تتحلى بفضائله فتتجلى في أجمل صوره ، يرفع صاحبه ويعلي شأن عارفه ، ويدله على أساليب الكلام البليغ ويعصمه من زلة الجهل ، كما ينهض بالهمم ؛ كي يوصلها عالي القمم .

ينقلنا من عصر إلى عصر ويأخذنا من مصر إلى مصر ؛ فندخل به مجالس الخلفاء ، ونستمع من خﻻله لأقوال البلغاء و الحكماء كالإيادي وأمثاله وأشعار الشعراء كالكندي وأقرانه ، فحينا نسامر امرأ القيس وننوح لنوحه* ، ونرق للنابغة حتى نخاف بخوفه *، أو نطرب للصناجة* وقد نلاعب عامر بن مالك بأسنته *، ونبكي صخرا مع نواحته* ، ونفدي محمدا عليه الصلاة والسلام مع حسان شاعره و شاعر الإسلام* ، ونطرب لعمر المخزومي* ونعجب من ليلى وهيام قيس العذري* ، كما يستوقفنا فخر الفرزدق بأجداده* ، و تمجيد الأخطل لأولياء نعمائه*، ولا نغفل عن جرير الشاعر البصير* ، وتبدأ دولة بني العباس فتفجؤنا ببشار *و الصريع* وأبي نواس* ، ونبكي الفارس الطوسي مع حبيب بن أوس الطائي*، ونحزن لصفع المرأة الهاشمية، وننتشي لانتصافها بفتح عمورية،*

فتح الفتوح تعالى أن يحيط به
نظم من الشعر أو نثر من الخطب

ونحزن لمقتل المتوكل العباسي بحضرة الشاعر البحتري *ونهرب مع اﻷخير إلى اﻹيوان وكيف أبدع صورته حتى نقله بأحجاره إلى الديوان، وأدهشنا ابن الرومي بآهاته، على الثﻻثة من أبنائه،* كذا مدحه ﻷبي الصقر وهجائه،*
وعجبنا من فهم الوزير للشاعر الضرير عندما انتصف لمالئ الدنيا وشاغل الناس حين وصف من قبل الوزير بالإفلاس، فقال الضرير معرضا بالوزير: يكفيه بناء المنازل للمنازل، فعلم الوزير أنه الناقص والشاعر في زعم نفسه أنه الكامل* ، كذا فعل ابن الأنباري الشاعر الوفي للوزير العربي حينما صلبه البويهي*،

علو في الحياة وفي الممات
لحق تلك إحدى المعجزات

طائرين إلى الأندلس المفقود ، متنقلين بين الأنهار والظل الممدود، و ليت شعري! متى الهناء يعود؟ ويرجع الفرح لنا و السعود ؟

لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان

وليتها سقطت الأندلس وحدها، بل صار لها أخوات،لا أختا واحدة كما قال الأمير:

يا أخت أندلس عليك سلام
هوت الخلافة عنك والإسلام

ونتجول بين قرطبة والحمراء، مستأنسين بمجالس أمير الأمراء، المعتمد بن عباد، هو ومحضيته اعتماد، وكيف ترغب بعد النعيم في الشقا؟! وكيف تريد اﻷميرة العيش كنساء الورى؟حافية الرجلين بين الوحل والطين! فكان كما أرادت، ولكن بين العود والعنبر وأنواع الرياحين! *فيا لهذه النزوة الرميكية! التي كادت تنهي الدولة الإسلامية! لولا أن هيأ الله لها يوسف بن تاشفين، فدحر الفونسو أمير الفرنسيين، مرفرفين مع كناري الأندلس ابن زيدون، ونعجب من هيامه بولادة،هياما زاد على هيام الخليفة الأموي بحبابة، *وقد نشكر ابن عبدوس الذي خطف من كنارينا العروس،فأخرج لنا في الشعر أفضل إبداع، وفي الوفاء خير دروس فظل في السجنين أظلم محبوس ،سجن المستكفي أبيها والثاني سجن حبها؛ ثم أضحى التنائي بديلا من تدانيهم، وغادر السعد والسرور ناديهم،* مرورا بعصر الفتور، حتى سطع نجم البارودي في الظهور،*فأخرج لنا من مدرسته الأمير النبيل، كذاك حافظ الفصحى شاعر النيل،* مرددين آهاتنا مع محمود،* نراقب النجم لعل نجم الإسلام يعود،

لي فيك ياليل آهات أرددها
أواه لو أجدت المحزون أواه

والأدب سميرنا في الحضر، وأنيسنا في السفر، يرفع الرجل الحقير، فيجلسه بجانب الأمير .

لكل شيء زينة في الورى
وزينــــــة المرء تمام الأدب

قد يشرف المرء بآدابــــه
فينا وإن كان وضيع الحسب

والله أسأل التوفيق وبه أستعين هو حسبنا ونعم الوكيل.


———————————————————————–

*سأورد القصة لاحقاً في الصحيفة بإذن الله

الوسوم

‫10 تعليقات

  1. الشكر أفضل ما حاولت ملتمسا به الزيادة عند الله والناس
    فالشكر ترجمان النية ولسان الطوية، وإني لأحمد الله إن كان فيما قدمته نفع وفائدة ، وأستعينه على تقديم ما يمتع الألحاظ بحسنه ويستثير القلوب بأنسه .
    والإنسان جزء من مجتمعه ، يرتقي بارتقائه ، وينحط معه ومن واجب المرء أن يسعى بشتى الطرق في إقادة مجتمعه وأمته، وعل مايقدم يحث الكثير للعودة في التنقيب عن جواهر الأمة المغيبة في كتب التراث الإسلامي ؛ ليستخرج منها ما ينفعنا ويربطنا بماض لنا قد أضعناه ، وبما أن هذه الصحيفة تحتل مكانة كبيرة من اهتمام أبناء مجتمعي فقد أعانتني مشكورة مأجورة على نشر بعض قصص تراثنا العربي والإسلامي على اختلاف العصور ، وقد ألتزم فيها بالسير على الخط الزمني للتقسيم الأدبي على حسب العصور الأدبية ، بمعدل موضوع واحد في الإسبوع ، وسيكون نزوله ـ إن شاء الله ـ يوم الأربعاء من كل إسبوع ، وإني أعلل النفس بأن يكون ما أقدمه لكم أيها الرفاق كالإثمد للأحداق أو الشواء المتقاطر للرقاق !!
    (أرجو ممن كان كحالتي الآن عدم التدقيق في الجملة الأخيرة ) والله من وراء القصد .

  2. أبدعت في مقالك يا أبا طلال
    نتمنى أن تزيدنا من دررك
    وللعلم فقد تعرفت على الأستاذ جابر قبل مايقارب الثمان سنوات في الرياض فقد زاملته سنتين في ثانوية الأمير سعد بن عبدالعزيز
    ولازلت على تواصل مستمر معه وأعتبر كل لحظة نقضيها سويا من أثمن الأوقات عندي
    اسأل الله لي وله وللجميع التوفيق في الدنيا والآخرة

  3. ما شاء الله
    لو سمع المتنبي هذا الإيجاز لما قال
    أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم ولا كان للمعري حق بأن يسمي الدنيا أم دفرة وفيها مثلك وظن بأنه وحيد الزمان وشاغل الناس في كل مكان،ولو كان ذو القروح حيا لترك ذكر الأطلال،والتغزل في الأراضي والجبال،واستمع لحلية المجالس،ومتع نفسه بخير المآنس،وترك وصف النساء أو رهبان الكنائس.
    إذا أردت مبلغ المآنس
    وشربة من أدب المشاكس
    هيا أخي لحلية المجالس

  4. ابداع وامتاع . عشنا معك تقلبات الأيام وتحولات الزمان بل عشنا الافراح والأحزان . وذكرتنا باللواعج والاشجان .
    هذا ايجاز فمتی التفصيل ؟
    نحن بشوق الی جديد ابداعك .

  5. اﻻستاذ / جابر مفرح يحي من القامات اﻻدبيه ومن المكافحين فقد تخرج من كلية المعلمين محضر مختبر و عين في وزارة التربية و قد انتسب للدراسة في جامعة اﻻمام وحصل على الشهادة الجامعية تخصص لغة عربية ويعمل معلما في إحدى مدارس بني مالك .
    ومن ﻻ يعرفه فهو ابن شيخ قبيلة آل سلمان السابق الشيخ / مفرح يحي فرحان رحمه الله

  6. أشكرك أخي وأستاذي العزيز على هذه الرحلة المجانية في قطار فكرك ومن حلية أدبك إلى حلي أدبنا الزاخر وتراثنا العاطر ، وننتظر جولاتك القادمة والمزيد من جميل تراثنا وجميل إبداعك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق