ديوان الأدباءمقالات

تأبط شرًا

IMG-20141022-WA00001
جابر بن مفرح الفيفي

يحكى أن تأبط شرا ــ واسمه ثابت بن جابر بن سفيان من قبيلة فهم ، وهو أحد صعاليك شعراء العصر الجاهلي ــ مات عنه أبوه ، وهو طفل صغير، فتزوجت أمه رجلا آخر ، وهو أبو كبير الهذلي ، وكان تأبط شرا صغيرا في السن ، فرأى أن أبا كبير يكثر الدخول على أمه ، فاستنكر ذلك أيما استنكار، فعرف أبو كبير ذلك في وجهه.

 فلما شب الغلام قال أبو كبير لزوجه أم تأبط شرا:  والله لقد راعني أمر هذا الفتى و لقد خشيت منه على نفسي فلا أقربنك.
فقالت له الأم : فاحتل عليه بحيلة لتقتله.
فذهب أبو كبير إلى تأبط شرا فقال له : هل لك في الغزو ؟
فقال : ذلك من شأني ، فانطلقا من غير زاد فمشيا ليلتهما ونهارهما ، وهما يمشيان حتى ظن أبو كبير أن تأبط شرا قد جاع .

وبينما هما سائران رأيا نارا عن بعد ، و كان بها رجلان من ألص العرب ، وكان قد اتفق معهما أبو كبير على قتل تأبط شرا ، فلما رأيا النار من بعيد ، و قال أبو كبير لتأبط شرا ، وهو يظن أنه يكاد يموت جوعا ؛ لأنهما كما أسلفنا انطلقا من غير زاد ، ومشيا ليلتهما ونهارهما : قد جعت .
فقال تأبط شرا : ويحك ، أي وقت جوع هذا ؟!
فقال أبو كبير: أنا جعت ،فاطلب لنا طعاما من تلك النار .
فذهب تأبط شرا لوحده إلى تلك النار فلما دنا منها رآه اللصان فوثبا عليه ، ففرمنهما فتبعاه ،وكان أحد اللصين أسرع من الثاني ، فلما دنا ذلك السريع من تأبط شرا،عطف عليه وقتله، ثم كر على الآخر فقتله أيضا، ثم ذهب إلى النار وأخذ ما حولها من الطعام ورجع إلى أبي كبير.

فلما رآه راجعا اشتد خوفه منه وقال:ما قصتك ؟
فقال له تأبط شرا : ما شأنك وهذا ؟ خذ كل لا أشبع لك بطن .
فأهمت أبا كبير نفسه، وتوسل لتأبط شرا بالصحبة التي بينهما أن يخبره كيف صنع ، فلما أخبره ازداد خوفه منه ، فأكل أبو كبير ثم مشيا ليلتهما ، فلما تعب أبو كبير من المشي قال لتأبط شرا: لقد تعبت من المشي ، وأريد أن أنام، فاختر أن تنام  نصف الليل الأول وأحرسك، أو أن أنام أنا أولا فتحرسني .
فقال له تأبط شرا : ذلك إليك فاختر أنت أيهما شئت .
فنام أبو كبير النصف الأول وتأبط شرا يحرسه ، ثم حضر النصف الثاني فنام تأبط شرا وانتظر أبو كبير حتى ظن أن الغلام قد ثقل في النوم ، فأخذ حصاة وقذف بها ، فقام تأبط شرا من نومه مسرعا ـ كأن لم يكن نائما ـ وقال ما هذا الصوت ؟
فقال أبوكبير: لا أدري لعل بعض الإبل قد تحرك  .
فقام تأبط شرا وطاف بالإبل ، فلم يجد شيئا ، فرجع ينام ، فانتظر أبو كبير حتى إذا ظن أنه قد ثقل نومه ، أخذ حصاة أصغر من الأولى وقذف بها ، فقام تأبط شرا مثل قيامه الأول فقال : ويحك ما هذا الذي أسمع ؟
فقال له أبو كبير: لا أدري فقد سمعت مثل ما سمعت فلعله بعض الإبل قد تحرك.
فقام تأبط شرا فنظر وبحث ، ولما لم يجد شيئا رجع إلى أبي كبير وقال له : يا هذا لقد رابني أمرك الليلة فلئن عدت أسمع شيئا لأقتلنك !
فقال أبو كبير: والله لقد بت أحرسه خوفا من أن يتحرك شيء من الإبل فيقتلني !
فلما رجعا لأم تأبط شرا قال لها أبو كبير: والله لا أقربنك أبدا ، ثم قال قصيدة يمدحه ،

ويقول فيها:

                                                          ولقد سريت على الظلام بمغشم

                                        جلد من الفتيان غير مثقل
ممن حملن به وهن عواقد

                         حبك النطاق فشب غير مهبل
حملت به في ليلة مزؤودة

                                     كرها وعقد نطاقها لم يحلل
فأتت به حوش الجنان مبطنا

                                    سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
ومبرأً من كل غبر حيظة

                                     وفساد مرضعة وداء مغيل

فإذا قذفت له الحصاة رأيته

                                    ينزو لوقعتها طمور الأخيل
وإذا يهب من المنام رأيته

                                كرتوب كعب الساق ليس بزمل
ما إن يمس الأرض إلا منكب

                               منه وحرف الساق طي المحمل
وإذا رميت به الفجاج رأيته

                                 يهوى مخارمها هوي الأجدل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه

                                 برقت كبرق العارض المتهلل
يحمي الصحاب إذا تكون كريهة

                                   وإذا هم نزلوا فمأوى العيل

 

 

 وقد وردت أخبار عدة في سبب تسميته بتأبط شراً ،ومنها : أنه تأبط سيفه وخرج ، فقالت أمه : تأبط شرا وخرج ، ومنها : أنه تأبط سكينا فوجأ بها بعضا من قومه ، ومنها : أنه وجد الغول في أحد سفراته وتصارعا فقتلها ، ثم تأبطها وأتى بها قومه ، فسألوا أمه  ، مالذي تأبطه ؟ فقالت : تأبط شراً . وستأتي هذه القصة بعد قليل .

وكان لتأبط شرًّا صفات قوية جعلت عدداً من معاصريه يظنون أن له علاقة مع الجن ،  فقد اشتهر هو بالشعر في قبيلة فهم ، وهي التي لم يشتهر فيها شاعرٌ غيره، أضف إلى ذلك ماكان له من حدة البصر وقوة السمع وسعة الحيلة وشدة الاهتداء والاستدلال على الطرق ليلاً ونهاراً.

 ومن قصصه مع الجن قصة استضافته لهم  حيث زعموا في قصصه أنه كان يوماً على سفر فأشعل ناره ليلاً ، فإذا به يفاجأ بضيوف ! فرحب بهم ، وبعد أن استقبلهم  سألهم ، من أنتم ؟ فقالوا : الجن ، فمكث معهم في حديث وضيافة إلى أن انتهى الليل، وقال في ذلك:

 

 

ونار قد حضأت بعيد وهن                    بـــدار ما أريــد بها مقامـــــا

سوى تحليــل راحلة وعير                   أكالئـه مخافـــة أن ينـــــامــا

أتوا ناري فقلت منون أنتم                    فقالوا الجن قلت عموا ظلاما

 

ومن أكثر القصص شهرة في كلام تأبط شرًّا عن الجن قصة ذكرها في قصيدتين من قصائده ، وقد ذكرت في كثير من الكتب الأدبية ، بل قد بنى عليها بعض المؤلفين و الوضاعون قصصاً تشبهها ، ولكن مع بعض التحسينات ، ونسبوها لأشخاص آخرين.

 

 وملخص قصة تأبط شرًّا مع الغول :

 أنه لقيها في إحدى غزواته عند مكان بعيد عن دياره  اسمه “رحى بطان”

 وتحرشت به، فتصارع معها وضربها بسيفه ضربة ، ولكنها لم تمت، فعاد ليضربها مرة أخرى ويتكئ بسيفه عليها حتى تأكد من موتها ، ثم ظل كذلك إلى أن طلع عليه الصبح .

  ولكن الخيال كان ضعيفاً لدى شاعرنا ، حيث أنه لم يصفها إلا  بصفات بسيطة ، فرأسها قبيح كرأس الهر، ولسانها مشقوق ، وساقاها مثل ساقي الخديج ، وجلدة رأسها مثل جلدة الكلب ، وثوبها كعباءة من صوف قديم ، و إليكم أشهر قصيدتين لتأبط شرًّا عن الغول ، حيث يقول في إحداهما :

 

أَلاَ مَـنْ مُبْلِـغٌ فِـتْـيَـانَ فَهْـمٍ    
                                 بِمَا لاَقَيْـتُ عِنْـدَ رَحَـى بِطَـانِ
بِأَنِّي قَـدْ لَقِيـتُ الغُـولَ تَهْـوِي
                               بِشُهْبٍ كَالصَّحِيفَـةِ صَحْصَحَـانِ
فَقُلْتُ لَهَـا : كِلاَنـا نِضْـوُ أَيْـنٍ
                                 أَخُو سَفَـرٍ فَخَلِّـي لِـي مَكَانِـي
فَشَـدَّتْ شَـدَّةً نَحْـوِي فَأَهْـوَى
                                  لَهَـا كَفِّـي بِمَصْقُـولٍ يَمَـانِـي
فَأَضْرِبُهَـا بِـلاَ دَهَـشٍ فَخَـرَّتْ
                                   صَـرِيعـاً لِلْيَـدَيْـن وَلِلْـجِـرَانِ
 

فَقَالَتْ عُـدْ فَقُلْـتُ لَهَـا رُوَيْـداً

                                   مَكَـانَـكِ إنَّنِـي ثَبْـتُ الْجَنَـانِ
فَـلَـمْ أَنْـفَـكَّ مُتَّكِـئاً عَلَيْـهَا
                                 لأنْظُـرَ مُصْبِحـاً مَـاذَا أَتَـانِـي
إِذَا عَـيْـنَـانِ فِـي رَأْسٍ قَبِيـحٍ
                               كَـرَأْسِ الْهِـرِّ مَشْقُـوقِ اللِّسَـانِ
وَسَاقَـا مُخْـدَجٍ وَشَـوَاةُ كَلْـبٍ
                                  وَثَـوْبٌ مِـنْ عَبَـاءٍ أَوْ شِـنَـانِ

 

 

 أما في القصيدة الثانية فقد اختلف كلامه بصورة تدع لنا مجالاً للشك في صدقه ، فحين ذكر أنها هي من تحرشت به في المرة الأولى ، يقول هنا أنه هو من تحرش بها، بل وغازلها كذلك، وطلب منها أن تمارس الرذيلة معه ؛ حين رأى شكلها أعجبه ، وما هي إلا لحظات ثم أرته صورتها الحقيقية الرهيبة !

 وإليكم الآن قصيدته الأخرى عن الغول التي يتحدث فيها مع زوجته التي بدأت تذكر للناس أن ثابتاً ـ الذي هو تأبط شرًّا ـ كبر في السن وضَعُف ، فيرد عليها ويفتخر أمامها بقوة يديه وسرعة جريه وقوة استدلاله للطرق ولو كان الوقت ليلاً، وحيث أنه كان من عدائي العرب الذين لا يجارون بل و يسبقون الخيل على سرعتها ، ثم يقول : ويا للغرابة ! إنه وجدها في الصبح ، وقد وضعت رحالها إلى جواره، ويبدو أنها كانت على هيأة فتاة جميلة؛ فغازلها وطلب منها ممارسة الرذيلة معه ، فانقلبت إلى صورتها الحقيقة ! فاستعد لقتالها، فاسرعت هي للهرب ، فلحقها وضربها بسيفه على رأسها ، ثم بدأ يصفها بأنها مثل عظاءة صحراوية ! وعليها ثوبان من طلح ! و كأن بعض فتيان فهم الأذكياء ما تقبلوا هذه القصة ، ولم يستطيعوا تصديقها ، فقال لهم عن مكانها الذي قتلها فيه، وهو الِّلوى – الكثبان الصحراوية الملتوية –  فيقول في ذلك :

تَقُـولُ سُلَـيْـمَـى لِجَـارَاتِهَـا
                             أَرَى ثَـابِـتـاً يَفَنـاً حَـوْقَـلاَ
لَهَـا الْوَيْـلُ مَـا وَجَـدَتْ ثَابِتـاً
                             أَلَـفَّ الـيَـدَيـنِ وَلاَ زُمَّــلاَ
وَلاَ رَعِشَ السَّـاقِ عِنْـدَ الجِـرَاء
                         إذَا بَادَرَ الـحَـمْـلَـةَ الْهَيْضَـلاَ
يَفُـوتُ الـجِـيَـادَ بِتَقِـرِيبِـهِ
                         وَيَكْسُـو هَـوادِيَهَـا الْقَسْـطَـلاَ
وَأَدْهَـمَ قَـدْ جُبْـتُ جِلْبَـابَـهُ
                        كَمَا اجْتَابَـتِ الْكَاعِـبُ الْخَيْعَـلاَ
إلـى أَنْ حَـدَا الصُّـبْـحُ أَثْنَـاءَهُ
                             وَمَـزَّقَ جِـلْـبَـابَـهُ الأَلْـيَـلاَ
عَلَـى شَـيْـمِ نَـارٍ تَنَـوَّرْتُهَـا
                             فَبِـتُّ لَهَـا مُـدْبِـراً مُقْـبِـلاَ
فَأصْبَحْـتُ وَالْغُـولُ لِـي جَـارَةٌ
                            فَيَـا جَارَتَـا أَنْـتِ مَـا أَهْـوَلاَ
 

وَطَالَبْـتُـهَـا بُضْعَهَـا فَالْتَـوَتْ

                         بِـوَجْـهٍ تَهَـوَّلَ فَاسْـتَـغْـوَلاَ
فَقُلْتُ لَهَا يَا انْظُـرِي كَـيْ تَـرَيْ
                         فَـوَلَّـتْ فَكُنْـتُ لَهَـا أَغْـولاَ
فَطَـارَ بِقَحْـفِ ابْنَـةِ الْجِـنِّ ذُو
                      سَفَاسِـقَ قَـدْ أَخْلَـقَ الْمِحْمـلاَ
إِذَا كَـلَّ أَمْهَـيْـتُـهُ بِالصَّـفَـا
                           فَـحَـدَّ وَلَـمْ أَرِهِ صَـيْـقَـلاَ
غَـظَـاءَةُ قَفْـرٍ لَهَـا حُلَّـتَـانِ
                      مِـنْ وَرَقِ الطَّلْـحِ لَـمْ تُـغْـزلاَ
فَمَنْ سَـالَ أَيْـنَ ثَـوَتْ جَارَتِـي
                         فَـإِنَّ لَهَـا بِالـلِّـوَى مَـنْـزِلاَ
وَكُنْتُ إذَا مَا هَمَمْـتُ اعْتَزَمْـتُ
                        وَأَحْـرِ إِذَا قُـلْـتُ أَنْ أَفْـعَـلاَ

 

وبعد أعزائي القراء فهذه بعض من القصص العجيبة التي وردت في كتبنا الأدبية ، ولا شك أن التاريخ ـ وأخص الأدبي ـ مليء بالأساطير ، ولاننسى أن كثيرا من القصاص انتحل بعضا من هذه القصص ؛ ليزين بها أخباره، ويؤنس بها سماره .

ولكثرة هذه القصص في تاريخنا الأدبي ما يجعل البعض يكاد يجزم بصدق بعضها ، وكأنها قد تواترت تواترا معنويا ، وعلى الإجمال فهذه القصص وأشباهها هي مما يستأنس به ، وتعتبر من مليح العلم لا من متينه ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. لاحظت بعض اختلاف الروايات وبعض الاخطاء قد تكون مطبعية مثال . مبرا من كل غبر حيظة … والصحيح حيضة

  2. أشكرك أخي جابر على هذا الجهد . أعجبتني قصة أبي كبير وأبياته التي أنصف فيها خصمه حين وصفه بهذه الصفات الرائعة والتي تظهر شجاعة صعلوك من صعاليك العرب , فإن كان هذا صعلوك من صعاليك العرب , فكيف بسادتهم وقادتهم ؟!!
    أما بقية القصص فهي كما قلت تظل مجرد أساطير .
    ولك مني أخي العزيز كل الشكر والتقدير.

  3. قصة رائعة جدا يأنس بها الانسان خاصة قصة تأبط شرا الصعلوك الشاعر العداء،وما زاد من روعتها قصته مع الغول وسبب تسميته بتأبط شرا وأجمل من ذلك توثيق قصصه بالابيات الشعرية

    وننتظر جديدك في الأسبوع القادم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: