مقالات

عفوا عش الدبابير

كنت أيام الصبا أرعى غنما، وألحظ أوقات الظهيرة وحين الرواح كثرة اجترارها، ولصغر سني لم أربط بين تلك الحركة والبيئة من حولي فقد كنت ألهو وهمي أن أضحك، وذات يوم وأنا أقرأ عن حياة عنتر وعبلة!! دبت في أوصالي حمية يعرب وامتشقت عودا يشبه السيف وصحت في غنمي : دونك تلك التلة الخضراء، هيا أيها الجيش ! وما هي إلا لحظات فصلت بين صيحتي وجندلتي لكثير من أوراق الشجيرات المعترضة لطريقي على أنها رؤؤس أعداء، وبين ارتدادي قطيعي عليَ برغم شجاعتي ورباطة جأشي، مما أوقعني أرضا وأطاح بسيفى !! ولكني استجمعت قوتي واستطلعت المكان لتقع عيني على قرية تشبه بيت إحدى العجائز المجاور لنا، تتدلى منه أعشاش يخرج منها ما حسبته وقتئذ طائفة من الشياطين تبعاً لأصواتهم ومناظرهم، وللحق فقد خفت وعدت أدراجي، وأخذت أجمع شتات قطيعي استعدادا لكرة أخرى وكلما اقتربت من المكان شنف قطيعي آذانه وأصدر أصواتا تنذر بالخطر، فغيرت مساري على أن أعود يوما ما، ولما عدت لبيتي لم أستطع النوم، وقمت في هجعة الليل ألملم ما توقعته حائلاً دون إلحاق الضرر بي من ملابس وخوذ ونحوها، ومع انبلاج خيوط الفجر انبسطت أساريري والتهمت بعد صلاتي فطوري، واعتممت عدتي ومضيت أقود القطيع، فلما شارفت على المكان زكمت أنفي رائحة كريهة لم أتبين ما هيتها، وعندما اقتربت رأيت ما لم يكن في الحسبان، تلك القرية محروقة ومستوية بالأرض ولا أثر فيها إلا لبقايا جثث مكدسة هنا وهناك، فاشفقت على حالهم وسوء وضعهم، وإذا بأحد الأشخاص يتنحنح من خلف شجرة بالجوار قائلا : لقد أكلوا عسلي ونهشوا لحم نحلي !! قلت : ومن هم يا عم ؟ قال : ألم تعرفهم ؟! أنهم الدبابير ! قلت : ولكن لم تحرقهم بالنار ؟! قال : هذا آخر العلاج، حاولت معهم وحاولت فلم تجد محاولاتي شيئا، وبينما نحن نتحدث قطع الحديث أحد الدبابير وأخذ يطير نحوي دون هوادة وعلى الرغم من إعداد العدة لمنازلته إلا أنه وقع قبل وصوله إلي وأخذ يتلوى أمامي مرددا بعض العبارات الموشوشة والمشوشة حتى لفظ أنفاسه، فوجتني أطير فرحا وأعود بفائدة أدركتها مع مرور الأيام وهي : أيها الإنسان عش في قريتك كما يحلو لك ولا تنازع في ما لا يعنيك، ولا تعب من عسل غيرك فقد تجد من يحرق قريتك ويدوس عليك والسلام

‫3 تعليقات

  1. مبدع يا أستاذنا الجليل وملك الحروف فقد اسمعت لو ناديت حيا ولكن ﻻ حياة لمن تنادي
    والمثل يقول اذا كان بيتك من زجاج فﻻ ترمي الناس بالحجارة

  2. : أيها الإنسان عش في قريتك كما يحلو لك ولا تنازع في ما لا يعنيك، ولا تعب من عسل غيرك فقد تجد من يحرق قريتك ويدوس عليك والسلام.
    بارك الله فيك علی الموضوع القيم والمميز
    وفي انتظار جديدك الأروع
    لك مني أجمل التحيات
    وكل التوفيق لك يا رب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق