مقالات

مؤسس علم “الادعائجية” ومدرسة “التطبيولوجية”

لن أستدعي الجوانب اللغوية لأغرق مقالتي بالسجع واختيار المفردات الشاقة، واستعمال الأساليب الفلسفية والتخييلية؛ لأن الغرض أن تقرأ أنت لا أن أكتب أنا. لذا، بقدرما يكون المتحدث مسؤولاً عن مصداقيته فيما يقدم للمتلقي، فعلى المتلقي ألا يكون وعاء فحسب أو حتى طبلاً. ففي عصر المعلومات والإعلام الجديد، أنا وأنت أمام كم لا محصور من المعلومات، منها ما هو مغلوط ومنها ما هو صحيح، منها ما اخترنا الاطلاع عليه، ومنها ما يرد إلى عقولنا قسرا ولا نستطيع تفاديه، ولكن ببساطة: هل يستوقفك في كل مرة عنوان يشبه عنواني لهذه المقالة؟

قبيل أيام كنت أقلب فيما لدى اليوتيوب من مقاطع، إلى أن وصلت لمقطع يحمل عنوان: “مؤسس علم الديناتولوجي (Denatology)”. استمعت له فوجدت أنه يقول: إن هناك علوماً تنتج المعلومة، لكن ليس هناك علم يهتم بالمعلومة نفسها، وأنه هو من أسس لعلم المعلومة، وأن هذا العلم يسمى “الديناتولوجي”. أكملت الاستماع للفيديو كاملاً لكنه انتقل إلى أشياء أخرى غير الموضوع الرئيس وهو ذلك العلم الذي اخترعه. نسأل ببراءة ماذا تقصد بعلم المعلومة؟

إن كان يقصد المعلومة نفسها ما هي وكيف تكون المعلومة معلومة، فإن الفلاسفة الأوائل قد أغرقوا في هذا الجانب، وعرضوا نظريات لعلم المعلومة وفلسفتها ونظرية المعلومة، ونشأت نظرية “الابستمولوجي” (Epistemology) التي هي ببساطة نظرية المعلومة والمعرفة. ألم تستمر النظرية الكلاسيكية للمعلومة عند الفلاسفة حتى جاء “قاتير” (Gettier) عام ١٩٢٧ للميلاد، فأحدث ثورة في علم المعلومة؟ حينها أعاد هذا العالم نظرية المعلومة، وتطورت النظرية ووجدوا لها كثيرا من الحالات، ومن ضمنها ما سمي لاحقاً بـ “الساعة المتوقفة” (Stopped Clock) بواسطة العالم “رسل” (Russell). وفي هذا المثال يقول رسل (وأيضا شيفلر لاحقا): إنك لو دخلت المنزل فوجدت أن الساعة تشير إلى ١٢:٠٠ وكان الوقت الفعلي ١٢:٠٠ بالضبط، لكن الساعة متوقفة ولا تعمل منذ فترة ولكنها حين توقفت توقفت على تمام الساعة ١٢:٠٠ فإنك حينها كونت وهماً أن الوقت هو ١٢:٠٠، وهو في ظاهره يشبه معلومة صحيحة، لكنها ليست صحيحة ولا خاطئة بل هي ليست معلومة أو معرفة؛ لأنها لم تحقق شروط المعرفة، وهي نظرية نتجت عنها لاحقاً فرضية الشكوكية (Skepticism).

أما إن كان مؤسس علم الديناتولوجي يقصد أنه لا يوجد علم يبحث في متعلقات المعلومة، فأين ذهب علم المعلومات (Information Science) الذي يعد الآن من أكثر التخصصات العلمية التي لها اتصال بالحاسب الآلي، والإعلام، والاتصال، والاجتماع وغيرها؟ علم المعلومات الذي يبحث في ترتيب المعلومة، واختزانها، واسترجاعها، واستخدامها، وتحليلها. ومع ذلك، ففي حديثه عن الكتب التي ألفها ما يوحي بأنه يتحدث عن كيفية إيصال المعلومة واستيصالها، وهنا يأتي االنقاش مجدداً: إن هذا لا يعدو أن يكون شأناً من شؤون المتخصصين في بعض الحقول التربوية، والتربوية السياكولوجية. وببساطة، البحث عن مصطلحه “Denatology” في محركات البحث العلمية يقدم لك “لا أدري” عن هذا العلم.

وعلى أية حال، هذا مجرد مثال لما تعج به الصحف المطبوعة والإلكترونية، وتويتر، والفيس بوك، وصفحات المدربين، وصفحات تطوير الذات، والمواقع الشخصية حتى لبعض الأكاديميين وانتهاء بمجالسنا واستراحاتنا ثم “وتس آبنا”. اذهب إلى تويتر ستجد دكتوراً من دولة كذا يضع في خانة تعريفه المختصر أنه مؤسس “علم العقليات”، واذهب إلى صفحة فلان من الناس من السعودية ستجد أنه يضع في صفحته أنه مؤسس مدرسة كذا، وآخر يزعم بأنه صانع نظرية كذا… سلسلة من التأسيس والاختراع والتنظير فقط في الخيال.

الآن هل تتأمل معي ما معنى أن أكون أو تكون أنت مؤسساً لعلم ما؟ إن هذا في أبسط حالاته يعني أنني وقعت على ما لم يقع عليه أحد قبلي من الطلاب والعلماء، ثم إني أوجدت فرضية لهذا العلم، ثم إن هذه الفرضية جرى اختبارها من قبلي ومن قبل الباحثين الآخرين وصمدت نتائجها العلمية في المختبرات البحثية والتجارب الميدانية أو على الأقل في الفلسفة التنظيرية، ثم بعد ذلك تلقاها بعدي آخرون بالقبول وجعلوا يدعمون نظريتي (أو نظريتك لا يهم) ثم أصبح الناس حينما يتحدثون عن هذه النظرية فإنهم يعودون بالذاكرة إلى مؤسس هذه النظرية أو المدرسة العلمية أو على الأقل صاحب هذه الفرضية أو المقاربة وإن لم تكن قد أثبتت علمياً بعد. أما أن أدعي شيئاً ما ثم أسميه مدرسة أو نظرية، ثم أسمي نفسي مؤسساً، وأحشد لنفسي من المساكين لأستغفلهم، والعاملين عليها لأستخدمهم.

كل هذا لا يهم؛ لأن من يدعي شيئاً فله الحق أن يدعي، لكن من المسؤول عن تلقي هذه الادعاءات بالقبول بل بالترحيب والتطبيل؟ هل هو أنا وأنت ممن يعرف أن هذا ما هو إلا دجل ثم يسكت عن إبانة الحق لمن يقصر به الحال عن معرفة مدى صحة ما يدعيه هؤلاء؟ أو أن المسؤول هو هذه أو تلك الصحيفة أو القناة التي همها أن تجد شيئاً في جدولها لتنشره أو تعرضه للناس؟ أو أنها بساطة الناس وضعف الوعي وقلة الثقافة؟ أو أنها سيطرة الإعلام على عقولنا التي تصدق كل ما يقوله الآخرون؟

إن هذا العالم العربي يكثر من “اخترع، وأسس، وتفوق….” في حديثه، وذلك العالم الغربي يعمل بصمت وهو فعلاً من “يخترع، ويؤسس، ويتفوق…”عد بذاكرتك ليومك هذا، لا شك أنك قرأت عنواناً فيه ادعاء وقرأت في تفاصيل الخبر تطبيلاً. هل ينتابك شعور الشك حيال كثير من عنوانات أخبارنا وبرامجنا؟ أجل، فأنت ترفض أن تكون وعاء فقط، في حين يريدنا هؤلاء أوعية بل طبولاً.

يحيى جابر  الظلمي

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: