مقالات

سلمان يحيى الفيفي سيرة وذكريات

الحمد لله وحده والصلاة على نبينا محمد وآله
فإن من فضل الله عليّ أن هيأ لي لقاء خاصا ذات يوم مع والدنا الشيخ سلمان يحيى ساري العمري الفيفي -رحمه الله-  المشهور بـ ( ساب يحيى) فيسر الله لي أن استثمرت ذلك اللقاء وأخذت منه سيرة ذاتية عن حياته حيث كنت في حينها أجمع في مشروع بحث تراجم لأعلام من فيفاء يسر الله اتمامه .
كان اللقاء حافلا وأجابني رحمه الله عن كل ما استطعت سؤاله عنه في تلك العجالة وانفض اللقاء على أمل لقاء آخر موسع إلا أنّ الحياة غمرتنا بأمواجها فلم يتيسر لي أن أعاود الزيارة له مرة أخرى لهذا الغرض … !
وهكذا نحن، ننسى الرواد فإذا ما ماتوا تذكرناهم وبدأنا نكتب عنهم … حسنا الحمدلله أننا تذكرناهم بعد موتهم ولم ندرجهم بطي النسيان .
بدأت حياة الشاعر الكبير ساب يحيى عام ١٣٥٠ هـ وقد نشأ يتيما فكفله أحد أقاربه حتى كبر فعهد به إلى أحد معلمي الكتاتيب في ذلك الوقت ليتعلم القرآن الكريم إلا أن ظروف الحياة الصعبة في حينها حالت بينه وبين إكمال التعليم عند ذلك المعلم، فتركه وتفرغ لرعي الغنم ، ولكنه ما لبث بعد مدة قصيرة من الزمن أن عاد للعلم فانتظم هذه المرة في حلقة الشيخ يحيى عبد الله حسن الشريفي الفيفي وبقي في هذه الحلقة حتى أتم حفظ القرآن كاملا ثم أعاده مرة أخرى وهو ما يسمى بالخوض ثم تعلم حروف الهجاء والقراءة والكتابة حتى أتقنها ..
وقد ظل الشيخ ساب يحيى ذاكرا لشيخه يحيى عبد الله وأفضاله عليه طوال حياته حيث قال في مقدمة قصيدته التي رثاه بها عند وفاته والمؤرخة بتاريخ ٢٢ \ ٨ \ ١٤٢١ هـ مانصه “السيد يحيى عبد الله لا تنسى أعماله الفاضله على جميع أهل فيفا وغيرهم … ” ثم قال مشيرا إلى أفضاله عليه خاصة بحكم الجوار ” حيث أنه جارنا ومعلمنا القرآن الكريم وأمور ديننا..” (١)
وقد رثاه بأبيات رقيقة حارة قال فيها :
إن بكينا فالبكاء صعب علينا
وان صبرنا فالصبر صعب علينا
يا جنة الله اليوم ارحبي
بضيفك في شهر شعبانا
يا روح يحيى عبد الله انزلي
في جنة الخلد أعلى مكانا
عسى الفردوس منزلك
وزوجات من حور حسانا
إلى آخر الأبيات
عاش الشيخ سلمان يحيى رحمه الله بعد ما انتهي من التعليم في حلقة الشيخ يحيى عبد الله، مثل باقي الناس في فيفاء من البحث عن لقمة العيش ونحو ذلك من مكابدة أمور الحياة … وتزوج وأنجب أولادا …
وقد ظل محبا للعلم وأهله فانتظم في دروس الشيخ القاضي علي بن قاسم الفيفي مدة من الزمن إلا أنه انقطع بسبب ظروف العيش والحياة وطلب الرزق ..
ولم أزل أذكره وهو مقدمة الصف في الدروس والمحاضرات التي كانت تلقى في جامع نيد الضالع .
ولقد كنت أذكر وأنا صغير السن عندما كان يأتينا باستمرار يزور أخوالي في سهل العُمريين فوق السربة وبالتحديد في بيتنا العرام، وقد كانت الدعابة والمرح لا تفارقه وظل من حولي يذكرونه كثيرا بعدما كبُرت ويعطوننا من مواقفه وقصصه معهم الكثير، وكانت جدتي تحفظ له من الشعر فتتحفنا ببيت أو بيتين له فربما حفظ البعض منا ونحن صغار وربما نسي البعض الآخر ..!
بعد مدة من الزمن عُين الشيخ سلمان رحمه الله مؤذنا لجامع نيد الضالع فكان صوته الشجي العذب ينساب على أسماعنا وقلوبنا عندما نسمعه كانسياب الندى في الأفواه .. إن ذلك الصوت لم يزل يرن في أذني حتي أنني كنت أميزه من بين الأصوات وأنا في سهل العُمريين رغم بعد المسافة ، وقد بقي في يؤذن مدة ثم طلب الاعفاء منه لكنه عاد بعد ذلك واستمر إلى أن حال المرض بينه وبينه .
لا أحد ينكر دماثة خلقه العالية وطيب عشرته ، فالكل يذكره ويثني عليه وكان يزور المرضى ويصلح ذات البين وله مواقف ذلك معروفة غفر الله له وأسكنه الفردوس الأعلى من جنته .
والشيخ ساب يحيى شاعر مطبوع سهل العبارة متين الحبكة يعتبر من الشعراء الكبار في فيفاء في الشعر الشعبي وشعره كثير جدا إلا أن غالبه ضاع ولما سألته عن شعره ذكر لي أن منه شيئا محفوظا علي الورق استطعت الحصول على بعضه في زيارتي له ، إلا أن شعر ما يسمي في فيفاء بالهصعه والذي كان فيه ساب يحيى علما مشهورا، قد ضاع الكثير منه إلا ما بقي عالقا بذاكرات البعض ممن كانوا يحضرون معه في المناسبات وقد قال الشعر في غالب الأغراض إلا أن شعر الوعظ والرثاء وشعر الفكاهة كان متميزا فيها
ومن شعره :
وجباتنا بلا حدود ……. ومن يكاذب بو شهود …….. في كل مستوصف تقارير على الميزان
بعض العرب قدهم رقود …… عمالهم في المال سود ……. يشغل الكافر ويطرد صاحب الإيمان
فلاشا من جنس يهود……… لكنّ يبذلون جهود……. قالوا أمانة عندهم خَسيتَ يالشيطان
وقال في أبيات وعظية مكتوبة بخطه
الدنيا تطمع مَن عليها ……….. وبنادمي يركض وراها ( أي وابن آدم)
نسي سموم الموت واسْآل ( الكلمة المكملة للبيت غير واضحة بالأصل)
هذي نصيحة مَن ينساها …….. والنفس ما تبلغ مناها
مهما تعمّر قال عاده فول المشوار ( أي في أول المشوار)
يعْوين منه في عماها ………. ما فكرْ في من قلاها
كمْها رجال فارقوا وهم من الأخيار
واحنا وراهم في سراها ……………. هذا دفن وهذا جاها
تتخالف الأجيال والله يعلم الأسرار
يعوين منه رماها …… ( هذا الشطر غير واضح بالأصل)
مقصّر في العايله وفي حقوق الجار
لا حِسد من شفتو حماها ……. من المعاصي  مجتناها
يمسي وقدها آمنن من صحبت الأشرار
وله مشاركات في الشعر الوطني ونبذ الإرهاب مثل قوله في قصيدة منها :
حافظين الأمن من ساسو لعاسو ……… ننكر الإرهاب واصحابه خساسو
ديننا دين جلي ما قَبِل غشن ولا يقبل ملامه
  وله شعر متداول على الألسنة وبعضه منشد على الجوالات وبعضه مكتوب مع بعض محبيه …
توفي رحمه الله بعد معاناة مع المرض يوم السبت قبل المغرب ودفن يوم الأحد وصُلي عليه في جامع نيد الدارة بفيفاء
غفر الله له ورحمه وجميع موتى المسلمين .
وكتبه : عبد الله بن سليمان مفرح الفيفي @abdullahalfyfy
(١) هذه الوثيقة وغيرها من القصائد التي تذكر في هذه المقالة من مقتنياتي التي اتحفني بها رحمه الله في زيارتي له. 

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. هل هذا الشيخ سليمان الفيفي هو الذي اختصر الكتاب الفقه السنة للسيد سابق بعنوان الكتاب “الوجيز في فقه السنة سيد سابق” ؟

  2. رحمه الله سيرة عطرة اللهم انزله منزل الشهداء الصديقين والشهداء

    تمنيت لو اضفت للمقالة التواريخ وخاصة ماهو سهل الحصول عليه من ابنائه واقاربه مثل تاريخ تعيينه مؤذناً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: