مقالات

أبو سامر وموسوعته التاريخية

التاريخ بحر عظيم لا ساحل له ، ولن يغوص في أعماقه ومحيطاته إلاّ القليل النادر ، ولا يشبع الصياد من درره وجواهره ، ولكل فنٍ من الفنون أصحابه ورجاله ، ولا ريب أن علم التاريخ بدأ مع بداية وجود المجتمع الإنساني نفسه منذ بدأ الإنسان يسجِّل مظاهر حياته بشكل أو بآخر ، مبتكراً بذلك مجالاً جديدًا لمعرفة الإنسان بذاته ، ولكل زمان علماؤه ومؤرخوه ومثقفوه ولكل حدث توثيق ولكل زمان كتّابه ومبدعوه ولكل عصر من العصور تصانيفه وموسوعاته ومخطوطاته التاريخية ومؤلفاته العظيمة التي بها يحفظ العلم ويصان ، وبها يعرف ماضي الأمم وتاريخ الأجيال ، وبها يُتعلم ويورث تاريخ الأجداد ، وبها يستفاد من تجارب الماضين ، ولن يتعلم القارئ ما لم يطلع على التاريخ وخوافيه ، ويستفيد من قصصه وماضيه ، وعبره على مرّ عصوره وقرونه ، فمن لم يقرأ التاريخ يعتبر قد فاته نوع مهم من أنواع العلوم ، لأنه لا يعرف شيئاً من أخبار القرون الماضية .
إقرأ التاريخ إذ فيه العبر *** ظل قومٌ ليس يدرون الخبر

يقول ابن خلدون : ” فإن فنَّ التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال ، وتشدُّ إليه الركائب والرحال ، وتَسْمُو إلى معرفته السُّوقَة والأغفال ، وتتنافس فيه الملوك والأقيال ، وتتساوى في فهمه العلماء والجُهَّال ؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبارٍ عن الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأُوَل ، تنمو فيها الأقوال” .

والكل يعلم أن هناك أناس فطاحلة سخرهم الله تعالى لحفظ التاريخ وقد اهتموا به وبتدوينه ولهم باع طويل ونفس منقطع النظير في التنقيب عن تاريخ القبائل والأنساب ، (فقد كان أبو بكر رضي الله عنه عالماً بقبائل العرب وأنسابها ؛ وأقره عليها رسول الله ﷺ ) ، ونعلم أن هذا التاريخ ليس له نهاية ، وقد دون فيه علماؤه ومؤرخوه أمثال : ابن اسحاق وابن هشام وابن حزم والخطيب البغدادي وابن كثير والذهبي والمسعودي والطبري وغيرهم الكثير من علماء التاريخ وفطاحلته وموسوعاته التاريخية العظام رحمة الله عليهم .

وفيفاء عروس الجنوب وجارة القمر ومعانقة السحاب لها تاريخ مجيد منذ سنوات موغلة في القدم ، عرفه من عرفه وجهله من جهله ؛ ولها تاريخ يضرب في عمق التاريخ ونحن نفخر به ، ونتعلمه ونعلمه للأجيال ليعرفوا قدر وطنهم وحقوقه وحسبهم ونسبهم وقبائلهم وأصولها وفروعها .
فلنحمد الله تعالى ونفتخر كل الفخر أن سخّر الله تعالى عبداً من عباده المخلصين يحفظ لجبال فيفاء تاريخها للأبناء وللأجيال وللأمم القادمة ، كرّس جلّ وقته من أجل تاريخ فيفاء وتراثها العريض ، حيث قضى عقدين من عمره في موسوعته العظيمة الموسومة (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء) فجعلها في جزءين عظيمين ما يقارب (١٢٩٥صفحة) ورأت النور في حلة جديدة قشيبة في طبعتها الثالثة ، فهذا والله ليس بالسهل أن يبقى عشرون عاماً يكتب التاريخ وينقب عن الأنساب والقبائل ويوثق من المخطوطات التاريخية القديمة والمراجع المهمة والنادرة ذات الصلة ، ويسافر من بلد لبلد ويتصل ليسأل ، ويقرأ ويكتب ويراجع المعلومات تصحيحاً وتدقيقاً ، ويلتقط بعض الصور التي زين بها موسوعته بعدسته الخاصة ، واستفادته من أهل الخبرة ممن قدم له المساعدة والإهداءات من مراجع ومخطوطات نادرة ، حتى أتى على العشرين عاماً ليخرج لنا هذه الموسوعة القيمة على طبق من ذهب مطبوعة طباعة فاخرة ، ويخسر الكثير من ماله ووقته وصحته لخدمة المجتمع ، فمنا من أتته هدية ومنا من دفع ثمنها الذي لا يساوي تعب مشواراً واحداً (٢٠٠ ريال) فقط ، وهي والله تساوي أكثر من ذلك ، وعلى الرغم من أنه قد خسر من أجل إخراجها الكثير والكثير ، وكما أخبرني أنه لا يريد من ورائها جمع المال ، وإنما كان همه حفظ التاريخ للأجيال ولتعم الفائدة للجميع ، وإلاّ كان باستطاعته بيعها بأغلى الأثمان ليستفيد ربحاً ومكسباً ، ولكن مكسبه منها رد الجميل لتلك الجبال التي ترعرع فيها آباؤه وأجداده ، وإن دلّ على شيء فإنه يدل على حبه لهذه الجبال رغم بعده عنها وقلة سفره إليها إلاّ للضرورة .
حيث نوه في بدايتها بقوله (إن جميع ما ذكر في هذه الموسوعة من نسب وتاريخ وما إلى ذلك من معلومات جمة ، هو توفيق من الله عزوجل ثم بحثي واجتهادي لمدة تربو عن عشرين عاماً إلى أن وصلت إلى ما سوف تقرأونه في كتابي هذا الموسوم بالموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء ، فإن وفقت في ذلك ، فإنما بنور من الله وفضل ولله الحمد ، وإن سهوت أو قصرت أو أخطأت في معلومة ما ، فإنني اتحمل مسئوليتها أمام القرّاء جميعاً ).

فتعتبر هذه (الموسوعة الميساء) أول موسوعة تاريخية عن جبال فيفاء ، أفنى عمره ووقته الثمين لخدمة وطنه ومجتمعه الفيفي وما جاورهم من قبائل ، ولحفظ التراث للأجيال القادمة ، وقد سهل بفضل الله الطريق لكل باحث في تاريخها وعلومها وأخبارها وشتى المجالات التي تستدعي الكتابة عنها ، فقد أتى على تاريخ فيفاء قديماً وحديثاً بوثائق معتمدة ومخطوطات نادرة ، وعن القبائل وأصولها وتاريخها وعصور الأجداد الماضية ، ولن يستغني عن هذه الموسوعة أي باحث وقارئ مهما بلغ من العلم ، فهي تعتبر بحق مرجعاً تاريخياً ثميناً لكل باحث وقارئ يهتم بتاريخ فيفاء ؛ وأنا منهم ، ولن أتحدث عن تفاصيلها أو موضوعاتها لأنني لستُ أهلاً لذلك العلم والجهد المبذول ، فيكفينا أننا تلامذة له . . ولا أخفيكم أنني مكثت أقرأ في هذه الموسوعة التاريخية ما يقارب ستة شهور ؛ ولم أزل أرجع إليها بين الفينة والأخرى ، موسوعة بهذا القدر حريٌ بنا أن نعتز بها ونفرح ونوليها حقها وقدرها وبمؤلفها .

فهنيئاً لك أبا سامر هذا الجهد والاجتهاد ، هنيئاً لك أبا سامر دخولك التاريخ من أوسع أبوابه ، وهنيئاً لك الذكر الحسن والثناء الجميل بإذن الله ما بقيت جبال فيفاء (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) ، هنيئاً لك هذا العلم الذي خلفته للأجيال (أو علماً ورثه) ، والله إننا نغبطك على ما قدمت وما خلّفتَ من ثراث عظيم ، ونغبطك على سعة بالك ونظرتك للمستقبل بهذه النظرة الثاقبة وتطلعاتك له ، عشرون عاماً ليست بالعدد القليل واليسير رغم المشاغل .
قال ابن عباس رضي الله عنه : ( من لم يجلس في الصغر حيث يكره ، لم يجلس في الكبر حيث يحب) .

هذا الكتاب ذكرتَ فيه عجائباً
تغني النديم عن المدامة والطربْ
يهتز سامعها لطيب حديثها
إلاّ حسوداً ليس يُعجبه العجبْ

فالسؤال الذي يتبادر إلى ذهني وإلى ذهن كل منصف لهذه الموسوعة وصاحبها هو :
هل يعقل أن ننكر هذا الجميل ، أو نتجاهله ، وهل يصدق عاقل أن بعض من أبناء فيفاء ممن ليسوا من المتخصصين في هذا المجال؟ أو ممن لم يقدموا لفيفا شيئاً ولو شبيهاً بهذا العمل الجبار ؛ أو أقلّ منه ، أن يعترضوا عليه فيما يخص جزئية منها بحجة أنها غير صحيحة؟ وليس لديهم معلومات تفند اعتراضهم ذلك ؟
هل تنسى هذه الخدمة الجليلة المقدمة لنا وللأجيال القادمة
على طبق من ذهب؟
هل يعقل أن يحاول بعض من أولئك الذين ألمحت إليهم آنفاً أن يتنقصون من مثل هذا الرجل الباحث الفاضل الثقة فضلاً عن كونه باحثاً تاريخياً مشتهر بين الناس ومعروف لدى الكثير بصدقه وأمانته وإخلاصه؟

وفقنا الله وإياه لكل خير . . وجعلنا من السعداء في الدارين .
بقلم / أ. عيسى بن سليمان الفيفي
الأربعاء ١ / ١ / ١٤٣٧هـ

‫9 تعليقات

  1. مقال رائع من إنسان مثقف يقدر عمل الرجال لرجل وفي لأهله ومدينته إستطاع أن يقول لإعداء النجاح هذه بضاعتي قدمتها لكم فماذا لديكم من بضاعة ومنتج يضاهي ماقدمته وأبوسامر قليل أمثاله يسمع المثبطين فيبتسم ويقول لاحول ولا قوة الا بالله ولم أسمعه يومأ يذم أويقدح في أحد منهم بل كان لايلتفت خلفه لإن لديه هم ورسالة يريد إيصالها وبالفعل نجح في ذلك فكان أحد القلة المتربعين على عرش تاريخ فيفاء .وفق الله الجميع لكل خير .

  2. بارك الله فيك شوقتني لقراءة الموسوعة التاريخيه لجارة القمر فيفاء فقد رأيت المثنين عليها والمثبطين بكل صدق لا أعرف صاحبها ولكنني احترمه وبمشئة الله سوف اقرأها في قادم الأيام اشكرك على منشورك الرائع والجميل أن يذكر الإنسان جمال ماقرء

  3. السلام عليكم
    جزاك الله خيرا ياأستاذ عيسى لقد ذكرت وأشرت الى ما يخالج ذهن كل فيفي مهتم بتأريخ فيفاء
    وأبو سامر الله يعطيه العافيه جمعنا في هذه الموسوعة بعد أن كنا متفرقين بين عدة مصادر من هنا وهناك قد لا تتوفر لكل مهتم
    فله منّا كل التقدير والإحترام.

  4. مقال كان من المفترض أن يكتب مسبقا ولكن أتيت به في وقت يبدوا أنه أشتد النقاش والجدل .
    من لم يعرف حجم معاناة الباحث وحرصه على إيصال معلومة بشكل دقيق . فسوف ينتقد ويتفلسف ﻷنه سمع فلان وفلان !
    للأسف هناك من يرتشف كوب القهوة مطالعا للتلفاز ويوجه كتابته وانتقاده ﻷشخاص ( بدري عليه يوصلهم)
    أبا سامر قدم لنا عملا بحلة مميزة يجب علينا تقديرها .
    أبا سامر أنت تاج على رأس كل فيفي شاؤو أم لم يشاؤو.

  5. جهوده أخي أبو سامر تذكر فتشكر بارك الله فيه وفي جهده، رجل نذر جهده ووقته لخدمة فيفاء أرضا وإنسانا ولقد كان له جمع لتاريخ فيفاء وموروثها وعبر سنين عديدة ولذا يستحق منا جميعا الإشادة والتقدير ومن لايشكر الناس لايشكر الله بارك الله فيه وفي جمعه وتأليفه الجميل. لذا يستحق ما ذكر الكاتب وأكثر من الثناء.

    1. كفيت ووفيت يا أستاذ عيسى فقد عبرت عن ما في نفس كل منصف محب للتاريخ حريص على حفظ تاربخ فيفا.
      وكما تفضلت فإن أبا سامر قد قدم لنا معلومات قيمة على طبق من ذهب وقد أفنى عمره ليحفظ تاريخ فيفا للأجيال القادمة.

    2. مقال رائع من إنسان مثقف يقدر عمل الرجال لرجل وفي لأهله ومدينته إستطاع أن يقول لإعداء النجاح هذه بضاعتي قدمتها لكم فماذا لديكم من بضاعة ومنتج يضاهي ماقدمته وأبوسامر قليل أمثاله يسمع المثبطين فيبتسم ويقول لاحول ولا قوة الا بالله ولم أسمعه يومأ يذم أويقدح في أحد منهم بل كان لايلتفت خلفه لإن لديه هم ورسالة يريد إيصالها وبالفعل نجح في ذلك فكان أحد القلة المتربعين على عرش تاريخ فيفاء .وفق الله الجميع لكل خير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق