مَنْ ألَّفَ فَقَدْ اِسْتُهْدِفَ

مَنْ ألَّفَ فَقَدْ اِسْتُهْدِفَ “2”

في البداية سوف أطرح الموضوع الذي كان عليه مدار النقاش في الحلقتين الثانية والثالثة، فأقول مستعيناُ بالله.

ورد في كتابي الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفا – الباب الأول – الفصل الأول الجغرافية من الصفحة رقم 49  إلى الصفحة رقم 53 وهي خمس صفحات متتالية مزينة بخريطة وهذه الصفحات الخمس هي التي وجه الناقد نقده للمعلومات التي وردت فيها في الحلقتين الثانية والثالثة.

( فيفاء القديمة أكبر )

ومن جبال بلاد فيفا قديماً: ( جبال فيفا الحالية )، وجبال بني مالك وجبل المشرق، وجبل قعيد، وجبال الحشر وربما جبال منجد وهروب، حيث كان يطلق على مجموعة هذه الجبال وغيرها بلاد فيفا كما سنرى تفصيل ذلك.

ولا غرابة في ذلك، فعند تتبعي لبعض المصادر التاريخية والجغرافية والمخطوطات القديمة التي تحدثت عن فيفاء وجدت وصفها لجبال فيفاء قديماً يختلف عن وصفها الآن، فهي تصفه بالكبر والاتساع دائماً.

ذكر صاحب مخطوطة الجوهرة المنيرة المؤرخ الجرموزي – رحمه الله – نحو عام 1035 هـ أي قبل أربعمئة ســـنة: ( وبلاد فيفا، وهي الأراضي المتصلة ببلاد قحطان في السراة وتهامة إلى قُربْ ضَمَدْ ( [1] ) وبوصان )، وكذلك يقول بعد حديث طويل:(بلاد فيفا من مغارب نجران بلاد واسعة)، ثم يقول: وأما بنو مالك وأهل فيفا………. إلخ.ثم يذكر بأن أهل فيفا قبائل متعددة من بني مالك وأهل حبس وآل كثير وآل سلمة وآل علي وآل سعيد وآل خالد.

أما أهل جبل فيفا فهم آل شراحيل، وآل المغامر، وآل ظلمة، وآل علي بن عمر، والأيتام الجبل، والأيتام السهل، وآل الحرب السهل، وآل الحرب الجبل، ومدر، وتنقسم كل قبيلة إلى قبائل؛ فأهل الحجر فهم ( آل بمعنى ): آل عبد الله وآل الثويع وآل مشنية وآل أبي الحكم، وكل قبيلة من هؤلاء تنقسم إلى قبائل.

وذكر الشرفي في مخطوطته اللآلئ المضية في أحداث 1035 هـ أي قبل أربعمئة سنة تقريباً: أنه كان لأهالي فيفا أسواق وبلاد تتصل بتهامة.

وذكر العلامة المؤرخ محمد بن إسماعيل الكبسي المتوفى في عام 1308 هـ: (وبلاد فيفا وهي أرض نازحة متصلة ببلاد قحطان وفي التهائم إلى قرب وادي ضمد ولم تثبت عليها دولة….. ثم قال: وهي بلاد واسعة مسيرها فوق عشرة أيام جبلاً ووطا.( [2] ) وبلا شك أنه قد اعتمد على بعض المخطوطات القديمة سواءً ما ذكرناه هنا أو التي لم تصل إلينا ولم نوفق في الحصول عليها.

وكذلك ذكرها القاضي الجرافي صاحب كتاب المقتطف وهو من المعاصرين لنا حيث قال: وبلاد فيفا أرض نازحة متصلة ببلاد قحطان في السراة وفي تهامة إلى قرب ضمد….. وذكر أيضاً بأن بلاد فيفا مخلاف من المخاليف الشمالية لليمن.

ويذكر صاحب كتاب مجموع بلدان اليمن وقبائلها قائلاً( [3] ):

فيفاء: بلد واسع من بلاد خولان بن عمرو بن الحاف…… أ.هـ

وكل ما طالعت في مرجع تعريفي عن فيفا وجدت بأنهم يذكرون بأنها بلاد واسعة، بل إن بعض المراجع التي تحدثت عن منطقة عسير كانت تسميها بمخلاف فيفا، وتعتبر جبال فيفا الحالية قاعدة المنطقة وعاصمتها.

ومنها على سبيل المثال: (ما ورد في مشجرة أشراف تهامة القاطنين بمخلاف العبسية والرامية بفيفا) والمخلاف كما نعلم يقصد به منطقة أو إقليم أو مقاطعة.

وذكر الويسي- صاحب كتاب (اليمن الكبرى)- : أن فيفا وبني مالك وثهران من مآتي وادي بيش من الجهة الغربية.

ونحن نعلم أن مآتي وادي بيش وروافده كثيرة جداً ومنها: جبال الريث كجبل القهر ( وادي لجب ) والجبل الأسود جبل العزيين، وحتماً أن الويسي لا يقصد هنا أن من مآتي وادي بيش جبل فيفا المعروف حالياً، بل يقصد أحد جبال ( بلاد فيفا الواسعة ) التي ربما اشتهرت في زمن الهمداني ونحوه بأنافية، وللننظر إلى قول الهمداني عند سرده لجبال السراة :( ….  ودفا، وقيوان وبوصان، وأرض الرَّسيَّة، وأرض بني حذيفة وأرض الأبقور فمنحدر إلى أنافية فأبراق من ناحية بيش)‏ .

وكل هذه التعاريف القديمة ومنذ قرون عديدة، وكذلك الحديثة تدل دلالة واضحة وتُجمِع بأن فيفاء كانت في الماضي أكبر مساحة من وقتنا الحاضر بكثير، وأنها كانت بلاداً واسعة لا تقتصر على جبال فيفا المعروفة حاليا،ً بل تشمل مجموعة جبال وبلداناً أكبر من الجبال الحالية بكثير، وما الجبال الحالية المعروفة بفيفا وبني مالك إلا جزء كبير من بلاد فيفا القديمة الواسعة.

و يذكر كبار السن في وقتنا الحاضر أن مساحة فيفاء كانت تمتد لأكثر من مساحتها الحالية، ولا زال البعض منهم يذكر بعض الأماكن في القبائل المجاورة كانت تحت ملك فيفاء حتى وقت قريب.

ولكن كما هي عادة الزمان فلا يبقى شيء على حاله، فقد اندثرت أماكن، وانقرض أقوام، وانطمست معالم، وتغيرت أسماء، وتقلصت المساحة، واستقلت بعض القبائل بجبالها، فأصبح مسمى فيفاء منحصراً في جبل فيفا وقبائلها الحالية، بينما كان في الماضي يطلق على بلاد أكبر مساحة وامتداداً من الآن بكثير كما وضحنا، وكما سنوضح في الصفحات القادمة،

ولذلك فبلاد فيفا الواسعة قديماً لم يكن يقصد بها جبل فيفا الحالي بمساحته الحالية. بل كانت تشمل جبل فيفا الحالي، وجبال بني مالك وحريص الحشر وهذا أمر مؤكد كما شاهدنا في المراجع والمخطوطات آنفة الذكر، بل ربما شملت بعض المجاورين كهروب ومنجد، بل وربما الريث؛ لأن حدودها كما رأينا إلى سراة وتهامة قحطان وإلى القرب من ضمد كما رأينا في التعاريف السابقة وهذه القبائل بمواقعها تقع على وجه التقريب في هذه المساحة الجغرافية المحددة مع التأكيد أن لكل قبيلة من قبائل بلاد فيفا حكمها الذاتي عبر شيوخها وليس لشيوخ قبائل جبل فيفا سلطة على القبائل الأخرى بل سلطتهم على قبائلهم التي تسكن في جبل فيفا فقط، وكذلك فإن لكل قبيلة من قبائل بلاد فيفا آنفة الذكر حدودها وأملاكها المستقلة التي تخصها، ولكن من المؤكد أنه يجمعهم جميعاً عراقة النسب، وحسن الأخوة والجوار، وقوة الحلف للوقوف ضد أي معتد خارجي مع التذكير بأن جبل فيفا يعتبر قاعدة تلك البلاد كما رأينا في بعض المراجع.

ولتوضيح الصورة أكثر نقول: إذا قرأنا أو قلنا: (بلاد فيفا) فإن المقصود بها مساحة كبيرة يدخل فيها مجموعة جبال وقبائل وسهول وفيافي وقفار وأودية، ومنها جبال فيفا وما فيها من قبائل، وجبال بني مالك وما فيها من قبائل وحريص الحشر، وربما بعض القبائل القريبة.

أما إذا قرأنا أو قلنا: (جبال أو جبل فيفا) فإنما المقصود بذلك جبال فيفاء الحالية بما فيها من قبائل. وإذا قلنا: (جبال بني مالك) فإنما نقصد بها جبال بني مالك المعروفة حالياً، وساكنيها من القبائل المعروفة في وقتنا الحاضر؛ أما قديماً فقد كانت هذه الجبال وهذه القبائل بمجموعها تعرف بــ(بلاد فيفا الواسعة) .

ولذلك فهذه البلاد الواسعة كانت ذات موقع محايد بين مواقع قبائل مذحج وقبائل خولان وقبائل الأزد وبعض القبائل العدنانية؛ سكنها مجموعة من القبائل المختلفة المتحالفة التي جمعها حسن الجوار وقرابة النسب والمصاهرة ووحدة الهدف، فنشأت قوة كبيرة واتحاد كبير في تلك البلاد يجتمع بداخلها العديد من قبائل خولان بن عامر، وربما كِنْدَة، وكذلك تجمع جزء صغير من قبائل مذحج ،وقليل من قبائل الأزد ، وبعض القبائل العدنانية؛ بحيث أصبحت كل تلك القبائل المتحالفة سواء المذحجية أو الخولانية أو الأزدية أو العدنانية لا تعرف إلا بقبائل خولان بن عامر، وأصبحت مع مرور الزمن نسباً، وهي ليست كذلك إنما هي عبارة عن مجموعة أحلاف تجمعها بلاد فيفا الواسعة ( [4] ) التي تقلصت وأصبحت أقل مساحة بكثير عن ذي قبل وتجزأت جبالها وقبائلها، مثلها مثل بعض المخاليف التي كانت واسعة المساحة وذات شأن فأصبحت مع مرور الفترات الزمنية الطويلة ذات مساحة صغيرة جداً، كمخلاف جرش، ومخلاف عثرّ، وغيرها من المخاليف التي كانت قديماً ذات شأن واتساع فتقلصت وصغرت مساحتها بل وأصبح البعض منها يدخل تحت قيادة مسمى آخر كما سنبين ذلك لاحقاً.

وكل تلك الوحدة كانت فيما قبل الألف الهجري أما بعدها فقد بدأت الجبال في بلاد فيفا تنفصل عن بعضها البعض تدريجياً، فأصبح كل جبل يعرف بقبيلته كجبل الحكمي، والمغامري، وهكذا مع جبال بني مالك، كجبل طلان لآل علي وجبل خاشر لآل خالد، وهكذا، ومن ثم أصبحت جبال فيفا الحالية تضم ثمان عشرة قبيلة، وجبال بني مالك الحالية تضم العديد من القبائل، وتضم تلك الجبال الخاصة بفيفا أو بني مالك أو ما جاورهم العديد من القبائل الخولانية وبعض القبائل المذحجية والأزدية والعدنانية المتحالفة والتي دخلت جميعها تحت حلف خولان بن عامر بشقيه اليهنوي، والفرودي كما بيّنا سابقاً وما سنبينه لاحقاً بمزيد من التفصيل.

والناظر المتفحص لتلك الجبال الشامخة والقفار المهيبة والأودية الجميلة والسهول الكثيرة، وتلك المقابر الكبيرة المتعددة وإلى تلك الآثار المعمارية المختلفة وبشكل كبير عما حولها وإلى تلك المدرجات الزراعية والتي تقع كلها في بلاد فيفا الواسعة بحدودها آنفة الذكر، يشعر بأنه قد مر على هذه البلاد أمم وحضارات بائدة لم يصلنا عنها سوى بعض المعلومات القليلة.

وقد اتضح لي بعد دراسة موقع بلاد فيفا الواسع، وبعد التدقيق والتمحيص لحدودها والمبينة تقريباً على الخارطة السابقة بأنها أرض واسعة تقع بين عدة مواقع مشهورة.

حيث يحادها أجزاء من بلاد خولان في بلاد صعدة المجاورة التي تقع جنوب بلاد فيفا وجنوبها الشرقي، وتقع أيضاً في شرقها.

وتجاورها وتحادها أيضاً ديار وبلاد قبائل مذحج في أكثر من جهة، حيث تحادها ديار مذحج غرباً من ناحية جازان وضواحيها كقبائل سعد العشيرة، وكذلك لبلاد فيفا حدود مشتركة في شمالها مع بعض قبائل جنب المذحجية، ويحادها بعض القبائل العدنانية من ناحية بيش ،ويحادها قديماً من ناحية ضمد بعض قبائل خولان، والأزد  وبالذات من قبائل خزاعة وكذلك بعض الأسر العدنانية.

ويجاورهم قديماً بعض قبائل عك ( العدنانية الأزدية ) المتحالفة مع حكم بن سعد العشيرة والتي ربما كان لها بقية في جبل العبادل كفرع حريص.( [5] )

ولذلك فبلاد فيفاء خليط قبلي متحالف من بعض خولان وربما كِنْدَة وقبائل مذحج والأزد والقبائل العدنانية التي يجمعها الحلف الكبير خولان بن عامر بشقيه اليهنوي و الفرودي الذي تحول مع مرور الزمان إلى جد خالص بينما هو جد غير خالص، حيث إن هناك بعض القبائل التي تعود لخولان من صلب النسب والبعض الآخر عن طريق رابطة الحلف الذي تحول مع الزمان إلى جد كما ذكرنا.

فكل تلك القبائل المتحالفة المختلفة المستقرة في بلاد فيفا الواسعة بما فيها قبائل جبال فيفا وجبال بني مالك وحريص الحشر، وربما البعض ممن جاورهم، قد جمعتهم عدة أحلاف، من أحلاف صغيرة إلى أحلا فكبيرة كما سنرى شرحاً لهذه الأحلاف في باب أنساب قبائل فيفا، التي نتج عنها التصاهر واختلاط الدماء وتوثيق أواصر المحبة فيما بينهم بحيث ذابوا وتلاشوا في بعضهم البعض، فكادت أن تتحد شخصياتهم وعاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم إلا أن الخبير بهم والمخالط لتلك القبائل ليشعر باختلاف طفيف في بعض عاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم لم تستطع تلك الفترة الزمنية القديمة والطويلة أن تصهرهم جميعاً في بوتقة واحدة ولكنهم تميزوا عن البلدان المحيطة بهم في تراثهم الموحد تقريباً المختلف بشكل لافت عن الآخرين، وفي لهجتهم المختلفة قليلاً عن غيرهم من بلدان الجوار ؛ تلك اللهجة التي هي عبارة عن مزيج من لهجات تلك القبائل المختلفة العائدة في أصولها البعيدة إلى الكهلانية والحميرية والعدنانية، فخرجوا بعد تلك الأحلاف والاتحاد والمصاهرة واختلاط الدماء والأخوة وطول الفترة الزمنية، وعدم الاختلاط مع الآخرين بثقافة وبلهجة شبه موحدة لأحلاف قبائل بلاد فيفا الواسعة بحيث تختلف تلك اللهجة في بعض مفرداتها وفي نطقها عن لهجات القبائل المجاورة، ولعل وجود بعض القبائل العدنانية كما سنرى في ثنايا هذا الكتاب كان له صلة كبيرة بوجود الكثير من الكلمات العربية الفصحى وانتشارها في بلاد فيفا ذات القبائل المختلفة المتحالفة ومحافظتهم عليها حتى وقتنا الحاضر بسبب عزلتهم واستقرارهم في بلادهم تلك، وقد ظهر أثر تلك الأحلاف أيضاً في شخصياتهم المختلفة عن شخصيات قبائل البلدان المجاورة لهم كالمخلاف السليماني ،وصعده وخلافها بسبب استقرارهم في بلادهم فيفا، وعدم مخالطة الآخرين.

ولذلك كانت المراجع القديمة تذكر قبائل وديار خولان المحادة لبلاد فيفا وتذكر أيامها، وتذكر قبائل وديار مذحج وبعض قبائل وديار الأزد وبعض القبائل العدنانية وأيامهم والتي تجمعنا بهم بعض الحدود المشتركة كما أشرنا ووضحنا ذلك، ولكن تلك المراجع لا تذكر ديار فيفا وأيامها منفردة، بل تجملها مع أخبار تلك القبائل والديار لأنها عبارة عن بلاد متوسطة بين تلك البلدان المجاورة، تحمل خليط واسع من القبائل الخولانية، والمذحجية، والأزدية، والعدنانية الذين يجمعهم الحلف، وليس لهم استقلال خاص بجد واحد كما هو الحال في بلاد خولان، أومذحج ،أو غيرها.

والعائد للمصادر يجد حدود وديار خولان ،أو مذحج موضحة وواضحة ،وليس لبلاد فيفا رابط بها، اللهم إلا من حسن الجوار وهكذا مع الأزد ،وغيرهم لأنها كما ألمحنا :بلاد بها العديد من القبائل المتحالفة والتي تعود لأكثر من جد، والمصادر تركز في الغالب على القبائل الصافية في بلادها وربما كان هذا من أهم الأسباب التي أدت إلى تجاهل بلاد فيفا وقبائلها في غالبية المراجع التي تحدثت عما حوالي فيفا وتجاهلت ذكر فيفا كثيراً إضافة إلى أن طريق الحج التهامي وطريق الحج السروي المار عبر جبال السروات، والمتجه من اليمن إلى مكة لا يمران عبر بلاد فيفا قطعياً، فجهلها الرحالة والحجاج. ([6])

وفي الختام إن مساحة هائلة كهذه المساحة القديمة الكبيرة التي يطلق عليها بلاد فيفا الواسعة وما تحمله من قبائل متحالفة في جنباتها وعرصاتها وجبالها لا يمكن أن تعود إلى جد واحد كخولان مثلاً أو مذحج، بل إن التفسير المنطقي يقول: أنها بلاد واسعة تحمل العديد من القبائل المتحالفة التي تعود لأكثر من جد كخولان ومذحج وأسد وعدنان وربما غيره.

وإلا لو كانت تعود لجد واحد كخولان وحده أو مذحج وحده لما عرفت ببلاد فيفا، بل ستكون امتداداً لبلاد خولان المجاورة، فتصبح حينئذ بلاد خولان، والأمر ينطبق تماماً على الجد مذحج وما كان لمؤرخي تلك الفترات القديمة التي مرت على بلاد فيفاء الواسعة أن يجهلوا الخولانية الخالصة أو المذحجية أو الأزدية أو العدنانية الخالصة لقبائلها ومنها قبائل جبال فيفاء، وإلا لأشاروا إلى تلك النقطة الهامة بكل وضوح.

ولكن لأن قبائل بلاد فيفا ومنها قبائل جبال فيفاء تجمع العديد من القبائل المتحالفة المختلفة الأجداد ويلفها الغموض، فقد تحاشا كل من أرخ لتلك الفترات الزمنية تصنيفهم تصنيفاً خالصاً تحت أي من خولان أو مذحج أو غيرهم، وسنرى في ثنايا هذا البحث وبالذات تلك الغزوات التي تعرضت لها بلاد فيفاء وما فيها من قبائل وجبال أن البعض ممن أرخ لتلك الفترة الزمنية لم يصنفوها كقبائل خولانية أو أي تصنيف آخر مع أنهم قد صنفوا بكل وضوح قبائل خولان وغيرها من القبائل اليمنية وبالذات القاطنة في صعدة وبلاد خولان قديماً. ( [7] )

 

 

[1] –  يقصد هنا أن بلاد فيفا تمتد إلى القرب من قرية ضمد ( مدينة ضمد حالياً )، لأن جزء كبير من وادي ضمد هو من فيفا أصلاً.

[2]–  يقصد بالوطا الأرض المنخفضة والمنبسطة.

[3]–  للعلامة المؤرخ القاضي محمد بن أحمد الحجري اليماني. تحقيق وتصحيح ومراجعة إسماعيل بن علي الأكوع. المجلد الثاني ص 639.

[4]–  لذلك فهناك بعض من كتب عن بلاد فيفا، وبالذات من أبنائها من يبالغون في آرائهم، فمنهم من ينسب جميع قبائل جبال فيفا، بل وجميع قبائل بلاد فيفا الواسعة إلى خولان بن ( عامر ) عمرو الحاف قضاعة كجد جامع لهم، على النقيض من الآخرين الذين يرون أن كل تلك القبائل تعود في نسبها إلى مذحج كاملة مع عدم استبعادهم وجود بعض النقائل الصغيرة من خولان وغيرها دخلت مع تلك القبائل المذحجية ، وهناك من يبالغ من غير أبناء فيفا قائلاً: بأزدية قبائل هذه البلاد، بينما هي في الواقع مجموعة قبائل متحالفة من كل تلك القبائل كما رأينا وكما سوف نرى بمزيد من الايضاح في باب الأنساب.

[5]– وحول بعض الأجداد من قبيلة عك كقراد وجنادة وشراحيل يدور الاحتمال حول تواجدهم في منطقتنا إلى وقتنا الحاضر، وليس هناك ما يؤكد ذلك إلى وقتنا الحالي، ولكننا نتمنى من الباحثين دراسة هذا الأمر حتى نقف على مصداقية هذا الاحتمال من عدمه.

[6]– ولمعرفة تفاصيل تلك الطرق فلينظر القارئ إلى الكتب المتخصصة القديمة والحديثة التي وضحتها ووضحت ديارها ومواقعها ومسالكها، وأشبعتها بحثاً ووضوحاً مع أن في بعض مراحل هذه الطرق أماكن شبيهة بمسميات قليلة جداً تقع في بلاد فيفا قد توهم بعض الباحثين بأنها من الأماكن المذكورة في ذلك الطريق، ولكنها ليست منها وإنما مجرد تشابه أسماء. كمخلاف بني عامر الذي يقع على أحد طرق الحج اليمني فالتبس على البعض بأنه مخلاف خولان بن عامر، وهو ليس كذلك، وكذلك الخلط ما بين عرقة التي تقع على طريق الحج السروي بين صعدة وبلاد قحطان وبين موقع عرقين الواقع في ديار بني مالك المجاورة لفيفا، والعائد كما ذكرت للكتب المختصة لا يجد أي ترابط بين تلك المواقع وبعض المواقع الواقعة في بلاد فيفا إنما تقارب وتشابه في المسميات فقط، وهذه المواقع التي حصل فيها اللبس والتي ذكرتها هنا هي على سبيل المثال فقط، وإلا فقد وقع اللبس في العديد من المواقع الأخرى، ومنها مخلاف المشرق الذي لا يربطه صلة بجبل المشرق في منطقتنا.

[7]– من المعلوم أن أهالي جبال فيفا قديماً كانوا يسكنون في الغالب في أسافل تلك الجبال، لوعورتها وصعوبة البناء في أعاليها، وعدم وجود الأودية، ونقص المياه ومقومات الحياة المستقرة. إلا أنهم وبعد فترة زمنية طويلة، قد طوعوا أعالي تلك الجبال لخدمتهم، وانتشروا فيها وسكنوها مع احتفاظ البعض منهم بالسكن في سفوح تلك الجبال المهيبة. ويظهر لي والله أعلم، أن امتداد تلك القبائل كان أكثر من امتدادهم الحالي، ولكن نظراً لتقادم العهد، وانحسار بعض القبائل، ورحيل بعضها، ودخول من ضعف من تلك القبائل تحت أخواتها من القبائل الأخرى؛ التي ظلت قوية، وتواجد بعض القبائل الأخرى، واستقرارها بالمنطقة آنفة الذكر قد قلص مساحة سكنهم وأصبحت أقل مساحة عن ذي قبل بكثير.

( وجهة نظر الناقد والمنتقد في الطرح السابق  )

يقول المنتقد:

لكي يخرج علينا المؤلف بجغرافية مختلفة وحقائق تتعارض مع ما في أذهاننا فكان لابد أن يضع عنوانا مستقلا ضمن الفصل الأول تحت عنوان : { فيفا القديمة أكبر } ويقتضي ذلك ابتكار تسمية جديدة كانت هي (بلاد فيفا).

أقول وبالله التوفيق:

قبل العروج إلى موضوع الرد على الحلقة الثانية والثالثة فإنني أحب أن أتحفكم وأتحف نفسي بمعرفة مصطلح ما يسمى (بالإطار الفكري) وهو مهم جداً أتمنى قراءته بتركيز من جميع المتابعين.

يُعرِّف بعض أهل الاختصاص: أن الانسان اعتاد أن ينظر إلى الكون من خلال (إطار فكري) يحدد مجال نظره، وأنه يستغرب أو ينكر أي شيء لا يراه من خلال ذلك الإطار

وأنه ليس هنالك فرق أساسي بين المتعلمين وغير المتعلمين في هذا الخصوص، فالفرق – إن وجد – إنما هو فرق بالدرجة لا بالنوع والأمثلة على ذلك متعددة.

ومن الممكن القول بأن كل جديد في أي مجال من مجالات العلم يقابله المتعلمون وغير المتعلمين من الناس بالاستهزاء، والتاريخ مملوء بقصص العلماء والمخترعين والمكتشفين الذين قاسَوا من الاضطهاد والحرق والاستهزاء والتحقير ما قاسَوه من جراء ما جاؤوا به من جديد في خدمة التطور العلمي والاجتماعي.

وهنا ينبغي أن نميز بين المتعلم والمثقف، فالمتعلم هو من تعلم أموراً لم تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره فهو لم يزدد من العلم إلا ما زاد في تعصبه وضَيَّقَ من مجال نظره لأنه قد آمن برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فأخذ يسعى وراء المعلومات التي تؤيده في رأيه وتحرضه على الاستماتة في سبيله.

أما المثقف فهو يمتاز بمرونة رأيه وباستعداده لتلقي كل فكرة جديدة وللتأمل فيها ولتبني وجه الصواب منها.

.. ومما يُؤسف له أن المثقفين بيننا قليلون والمتعلمين كثيرون، ومتعلمونا قد بلغ غرورهم بما تعلموه مبلغاً لا يحسدون عليه، وهذا هو السبب الذي جعل أحدهم لا يتحمل رأيا مخالفا لرأيه.

.. يُقال: إن المقياس الذي نقيس به ثقافة شخص ما هو مبلغ ما يتحمل هذا الشخص من آراء غيره المخالفة لرأيه.

إن الإطار الفكري الذي ينظر الإنسان من خلاله إلى الكون مؤلف جزؤه الأكبر من المصطلحات والمألوفات والمفترضات التي يوحي بها المجتمع إليه ويغرزها في أعماق عقله الباطن.

.. والانسان إذاً متأثر بها من حيث لا يشعر، فهو حين ينظر إلى ما حوله لا يدرك أن نظرته مقيدة ومحدودة،  وكل يقينه أنه حر في تفكيره، وهنا يكمن الخطر، فهو لا يكاد يرى أحداً يخالفه في رأيه حتى يثور غاضباً ويتحفز للاعتداء عليه، وهو عندما يعتدي على المخالف له بالرأي لا يظن  ذلك أمراً مشيناً ولا ظلماً إذ هو يعتقد بأنه يجاهد في سبيل الحقيقة ويناضل ضد الباطل.

.. وأغلب الحروب والاضطهادات التي شنها البشر على بعضهم البعض في سبيل مذهب من المذاهب الدينية أو السياسية ناتجة عن وجود هذا الإطار اللاشعوري على عقل الانسان.

.. إن الإنسان لا يستطيع أن يتخلص من إطاره الفكري إلا نادراً فهو فرض ملزمٌ به ملازم له، والإطار شيء كامن في اللاشعور كما ألمحنا إليه آنفاً، والإنسان لا يستطيع أن يتخلص من شيء لا يشعر به .. ولعل بعض الأفذاذ النادرين من الناس يستطيعون أن يدركوا ما رُكِّبَ على عقولهم من أُطُر، فهم يتحيزون في تفكيرهم قليلاً أو كثيراً ولكنهم يدركون في نفس الوقت أنهم متحيزون، وهؤلاء حين تخلو نفوسهم من الغرض يصبحون قادرين على الكشف العلمي وقد يظهر على أيديهم أحيانا الكثير من الإبداعات والنظريات والعلوم الجديدة في شتى المجالات العلمية والأدبية.

.. إن الباحث المبدع يمتاز عن الرجل العادي بكونه يعترف بإطاره الفكري، ولذا فهو أقدر على مواجهة الحقيقة الجديدة من غيره .. والعجيب أن بعض الناس ينكرون وجود إطار على عقولهم لأنهم بهذا يبرهنون على تعصبهم الشديد. فكلما اشتد اعتقاد انسان بأنه حر في تفكيره زاد اعتقاده بعبوديته الفكرية .. ولنأتي بمثال مبسط ولنفترض أن مظاهرة كبرى حدثت في شارع ما حيث اختلط فيها الحابل بالنابل، وبلغت الهتافات فيها عنان السماء، ولنفرض أيضا أن عدداً من المتفرجين الباردين قد وقفوا على الأسطح والنوافذ يراقبون هذه الظاهرة الاجتماعية، إنها حقيقة خارجية بالنسبة إليهم، ولكنها ليست حقيقة واحدة في نظرهم جميعا فكل واحد منهم يركز انتباهه على جزء منها ويهمل الأجزاء الأخرى تقريباً، وإذ بهم يخرجون من هذا الموقف وقد انطبعت في ذاكرة كل منهم شهادة تختلف عن شهادات الآخرين في قليل أو كثير.

فهذا رجل من رجال السياسة المحلية قد غفل عن كل شيء في المظاهرة إلا عن ذلك الجانب الذي يعنيه منها أي ما هو أثرها في إسقاط وزارة وتنصيب أخرى مكانها يكون له فيها نصيب، وهذا أديب متحذلق يستمع إلى الخطابات والهتافات فلا يهمه منها إلا أن يلتقط الأخطاء النحوية والصرفية فيها كأن المظاهرة في نظره ليست إلا مسرحية تمثل فيها حياة سيبويه ونفطويه.

.. وملخص الأمر: أن كل واحد من هؤلاء المتفرجين ينظر إلى ناحية معينة من المظاهرة ويهمل غيرها – أي أن كل شخص ينظر إليها من خلال إطار خاص به وهو إذاً لا يكاد يرى إلا ما يظهر في بؤرة ذلك الإطار .. إن كل إنسان في الواقع يلون الدنيا بلون ما في نفسه ويقيس الأمور حسب المقاييس التي نشأ عليها .. وهذا المثال الذي ذكرناه عن المظاهرة يكاد ينطبق على كثير من الحوادث النفسية التي يواجهها كل منا في كل يوم، فقد يقرأ صديقك كتاباً ويعجب به ويتحمس في مدحه، ثم تأخذه منه أنت لتقرأ فلا تجد فيه ما يستدعي تلك الحماسة وذلك المديح، ولعلك قد تجد فيه على العكس من ذلك منتهى التفاهة والسخف، وقد يكون هذا الكتاب سبباً من أسباب الخصام بينك وبين صديقك، هو يقول عنه: إنه كتاب عظيم، وأنت تقول عنه: إنه سخيف، إن السبب في هذا الاختلاف بينكما ناشئ أغلبه من الاختلاف بين وجهتي نظركما حين قرأ كل منكما الكتاب على حدة، فربما كان صديقك قد اعتاد على تذوق الجزالة في اللفظ والرنين في الأسلوب بينما أنت لا تتذوق هذه الناحية من الكتاب إنما تريد أن تقرأ فيه المعاني والأفكار الجديدة، ولهذا ترى الكتاب قد أصبح جيداً في نظر أحدكما وسيئاً في نظر الآخر.

.. ليس من العجيب أن يختلف الناس في أذواقهم وميولهم ولكن العجب بالأحرى أن يتخاصموا من أجل هذا الاختلاف.

.. وقل مثل هذا عن المؤرخين القدماء حيث تجد إحدى الشخصيات التاريخية قد أصبحت في نظر بعضهم على درجة عالية من السمو والمكانة يستحق الثناء، وفي نظر الآخرين هو فاسق دنيء لا يستحق غير القدح.

إن كل مؤرخ حين يدرس الأخبار عن تلك الشخصية التاريخية يركز بؤرة نظره على جزء منها ويهمل الأجزاء الأخرى، وهو حين يمر على الأخبار التي تخالف وجهة نظره يعتبرها مكذوبة ويتركها، فإذا سألته عن السبب في تركه لبعض الأخبار دون البعض الآخر قال: إنها غير معقولة … وهو يعني بذلك أنها خارجة عن إطاره الفكري، فالمقياس الذي يفرق به بين المعقول وغير المعقول كما شرحنا سابقاً هو مقياس ذاتي ونسبي، ولكن بعض المؤرخين سامحهم الله يعتبرونه مطلقاً وخالداً، ولذلك تراهم لا يفهمون في دراسة الشخصيات التاريخية إلا تلك الناحية التي يريدونها ويميلون اليها .. وهذا هو الذي جعل كل فرد منا يحمل معه حقيقته الخاصة كما يحمل حقيبته .. ويمكن تشبيه الحقيقة بالهرم ذي الأوجه المتعددة حيث لا يرى الإنسان منه إلا وجهاً واحداً في آن واحد، وقد يرى أحدنا وجهاً معيناً من وجوه الهرم هذا اليوم ثم يتحول عنه إلى غيره غداً، وهو في كل يوم مغرور بما يرى متعصب له إذ يعتبر كل الناس ما عداه مخطئين.

.. قيل في أحد الأمثال الغربية: ” غير معيشة الإنسان يتغير بذلك تفكيره “، وهذا صحيح إلى حد بعيد، فالفقير الجائع يكاد لا يفهم الحقيقة إلا على شكل رغيف، أما المدلل المرفه فتراه متيماً بالمثل العليا في نظره التي لا فائدة منها مثل الجمال الكامل أو الحق المطلق أو ما إلى ذلك من أمور وخزعبلات لا طائل منها.  (أ. هـ)

والموضوع حول الإطار الفكري لكل شخص يريد التعمق والاستفادة طويل وأكثر بكثير مما ذكرته في هذه العجالة، ولمن أراد الاستفادة والاستزادة فعليه بقراءة كتاب (خوارق اللاشعور لعلي الوردي)، الذي اختصرته كثيراً في هذه الأسطر القليلة.

وعودة إلى موضوع الانتقاد الذي طرحه محمد بن مسعود العبدلي الفيفي في الحلقة الثانية والثالثة بخصوص نفيه لمصطلح ما يعرف ببلاد فيفا الواسعة المثبتة في المخطوطات والمراجع القديمة التي أثبتُّها في كتابي (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء) فالناقد له إطاره الفكري الخاص في هذه النقطة التي لا يرى فيها أنه كان يوجد قديماً ما يسمى ببلاد فيفا الواسعة، لأنه لا يرغب بالخروج من هذا الإطار الفكري المحدود ولا يريد التثقف في هذه الناحية لما انطبع في ذهنه وإطاره الفكري بأن بلاد فيفا الواسعة ما هي إلا جبل فيفا المعروف حالياً وهذه مشكلة يواجهها المنتقد ولا يتقبل أي جديد خارج عما انطبع في إطاره الفكري.

وإلى اللقاء في الجزء الثاني من الحلقة الثانية الذي سيتبعه عدة أجزاء بإذن الله تعالى والذي سوف نناقش فيه بعض ما أثاره الناقد والمنتقد محمد بن مسعود.

جوال المؤلف 0556585856 بريد إلكتروني ([email protected])

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق