مقالات

إنجاز (إن جاز) لجامعة سعودية من باحث يمني وآخر هندي

فاجأتنا كثير من المصادر الإعلامية بخبر حصول جامعة سعودية على مركز متقدم في بحوث اللسانيات بعد أن حصدت نسبة عالية من الاستشهاد المرجعي (يقصد به اقتباس اسم الباحث في بحوث علمية لاحقة)، وتناقلته كثير من مواقع التواصل كموقع الجامعة الرسمي على تويتر والصحف الإلكترونية -والتي كانت فيفاء أون لاين من ضمنها- بالصيغة نفسها. دون أدنى شك، أي سعودي، ناهيك عن الأكاديميين والمتخصصين في المجال نفسه، يطلع على خبر إيجابي كهذا لا يخلص إلى لبّ الخبر إلا وقد غمره شعور إيجابي بالفخر والفرح والغبطة لما يحققه تعليمنا. وعلى النقيض تماماً، من المؤسف أن تتبع حقيقة خبر ما فتكتشف أنك كنت مخدوعاً إن لم يكن كلياً فجزئياً بعنوان برّاق، خصوصاً أن العالم اليوم لم يعد كبيراً كما كان، وأن المتلقين للأخبار ليسوا أولئك البسطاء.

إذا كنت ذا معرفة جيدة بالأسماء اللامعة في التخصص، وكنت على دراية بالجامعات الكبرى في اللسانيات ومدراسها، كمعهد ماساتشوستس في أمريكا حيث يوجد سيد اللسانيين البروفيسور تشومسكي، أو جامعة أكسفورد في إنجلترا، أو جامعة سنغافورة الوطنية، أو طوكيو اليابانية، أو بكنق الصينية… أو غيرها من الجامعات الرائدة في التخصص، إذا كنت كذلك، فإن هذا الخبر حول جامعة سعودية سيوقد فضولك لمعرفة ذلك الباحث الذي قفز بالجامعة إلى مستوى متقدم. وعلى الرغم من ذلك، فعند تتبع الخبر قد يصيبك عارض من الإحباط لسببين رئيسين. أولهما أن الإفلاس البحثي الذي نعيشه مقارنة بالغرب يجعلنا نطير فرحاً بأي خبر بسيط أو حتى موهم، ونجعل منه عنواناً لامعاً يجلعنا نشعر بالرضوان والسلوان عن تعليمنا، والأخوف من ذلك أن نقتات على مثل هذه الممارسات ونعيش الأحلام دون تحقيق إنجازات فعلية. وثانيهما أن الطريقة التي يعاملنا بها الإعلام أو حتى بعض الباحثين أنفهسم من تسطيح لقدرة المتلقي على التحقق من الأخبار بنفسه توحي بأن بعض مصادرنا الإعلامية تحتاج إلى مستشارين قادرين على تمحيص الأخبار. بل إن بعض الصحف والمواقع التي تعتقد أن جمهورها لا يعدو أن يكون بعض القراء المحليين يجب أن تدرك أن بعض متابعيها هم من الأكاديميين المحليين والدوليين المتخصصين سواء في العلوم الطبية، أم في العلوم الطبيعية، أم في العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ مما يجعل التبادل المحترم بين القارئ والمصدر الإعلامي أساس استمرار لعلاقتهما كمنتج ومتلقٍّ.

وبالعودة للخبر المنشور نفسه، هناك عدة نقاط يمكن أن تثار حول فحوى الخبر ذاته قبل الحديث نوعية الخبر. النقطة الأولى: صياغة الخبر تعطي انطباعاً (على الأقل أولياً) لدى القارئ أن الباحث سعودي، أو أن البحث كان مقره في الجامعة المنصوص عليها وإن لم يكن صاحبه سعودياً. ولكن عند التقصي والتفتيش نجد أن الباحث من الجنسية اليمنية الشقيقة، ولد في اليمن، وحصل على البكلوريوس والماجستير من جامعتين في اليمن، وعمل في تلك الجامعة السعودية بعد حصوله على الماجستير، طبقاً للموقع الإلكتروني للجامعة. والبحث الوارد في الخبر كان منشوراً عام ٢٠١١، ويتشابه كثيراً مع عنوان رسالة الماجستير للباحث نفسه والتي أجريت في جامعة يمنية، وطبقت الدراسة في جامعة أخرى في اليمن عام ٢٠٠٦، كما نجد في قوائم المركز الوطني للمعلومات في الجمهورية اليمنية، حيث أودعت الرسالة باسم الباحث عام ٢٠٠٧. السؤال البَدَهِي: ما هو دور تلك الجامعة السعودية في البحث إذا كان الباحث نفسه قد قام على بحثه في جامعة أخرى وتحت إشراف أساتذتها قبل العمل في السعودية محاضراً؟ وكيف يكون هذا الإنجاز سعودياً إذا كانت هذه هي الحال؟ ربما نقول: إن البحث جرت عليه عدة تعديلات ليكون قابلاً للنشر، ولكن لتقرير هذا، يستوجب الأمر من أحدنا الاطلاع على رسالة الماجستير من الجامعة اليمنية ولا يبدو الأمر متيسراً رغم محاولة التواصل مع بعض الأصدقاء من اليمن ممن لهم صلة بالجامعة هناك، ولكن للأوضاع الحالية في اليمن العزيزة لم يكن سهلاً الوصول للرسالة. وهنا ينتقل الحديث للنقطة الثانية.

النقطة الثانية: بما أن موقع القسم في الجامعة السعودية لا يعطي معلومات حول الباحث إلا إلى عام ٢٠٠٨، نحتاج البحث عن المزيد في مواقع الإنترنت وقواعد البيانات، فيجد المستكشف أن هناك سيرة ذاتية بالإنجليزية للباحث (لا ندري عن مدى صحتها، ولكن يظهر أن الرابط الاستدعائي تستضيفه الجامعة السعودية وإن تعذر الوصول لها من موقعها مباشرة) تذكر أن الباحث حصل على الدكتوراه من جامعة في الهند وليس من المهم هنا ما هو تصنيف برنامج الدكتوراه فيها لدى وزارة التعليم السعودية. وهنا عند تتبع البحوث والباحثين في التخصص من تلك الجامعة، تظهر ورقة علمية أخرى منشورة في مجلة هندية في العام نفسه، ٢٠١١، وفي بيانات المجلة نجد أن الباحث نفسه حينها كان مرشحاً لنيل درجة الدكتوراه من الجامعة المذكورة في الهند، وتضع المجلة إيميله الشخصي وليس إيميله الرسمي من الجامعة السعودية أو الهندية. كما نجد أن الباحث يذكر في ثنايا الورقة العلمية أن التجربة أجريت على عدد من طلاب في اليمن، وهو ما يتفق مع عنوان رسالته في الماجستير التي أقرت عام ٢٠٠٦، مما يعزز فرضية كون البحث له علاقة برسالة الماجستير، ويلح لمعرفة علاقة الباحث بالجامعة السعودية. وعند البحث في قوائم خريجي تلك الجامعة الهندية نجد مستنداً يذكر بأن الباحث حصل على الدكتوراه من تلك الجامعة في مطلع عام ٢٠١٢، وهذا يعني أن الباحث قام بنشر بحثه عندما كان طالباً لدرجة الدكتوراه في الجامعة الهندية، وليس بين أيدينا ما يدل على طابع صلته بالجامعة السعودية آنذاك لكي يكون انتماء الباحث علمياً لها. السيرة الذاتية الموجودة على الشبكة العنكبوتية (إن كانت حقيقية) توضح أنه عاد للتدريس بعد حصوله على الدكتوراه في الجامعة السعودية التي عمل بها قبل الدكتوراه حتى عام ٢٠٠٩. إذا صحت هذه المعلومات، فإن البحثين معاً كانا منشورين أثناء فترة الدكتوراه، حين لم تكن هناك صلة للباحث بالجامعة السعودية (على ما يبدو) وإن ظهر اسم الجامعة في البحث، بالإضافة إلى أن الإيميل المستخدم للتواصل كان إيميل الجامعة السعودية الرسمي كما يظهر في الورقة المنشورة التي عني بها الخبر. قد يقال: إن الجامعة السعودية قامت بابتعاثه حين كان محاضراً، لكنه من المعروف أن الجامعات لا تبتعث إلا السعوديين، إلا إن كانت هناك تفاصيل لا تظهر لنا كما ينبغي، أو أن الباحث حصل على الجنسية السعودية وتم تعيينه وابتعاثه، فبعض الاحتمالات واردة حين تكون بعض الاحتمالات الأخرى مستحيلة قطعاً.

النقطة الثالثة: بعد قراءة البحث المنشور الذي ورد في الخبر، يتضح أن محتوى البحث إنما هو استعراض لقضايا عدة في الدراسات السابقة في تخصص تدريس اللغة عن طريق الحاسوب. يخبرنا بهذا عنوان البحث الحقيقي المنشور باللغة الإنجليزية حيث ينص العنوان على أنه مراجعة لما في الدراسات السابقة في التخصص. وهذا بحد ذاته لا يعني انتقاص البحث مطلقاً بل إن كون البحث منشوراً في إحدى مجلات كامبرج ولديها محررون من جامعات أوربية مختلفة، يدل على أن البحث ذو قيمة علمية. لكن ما يمكن أن يستنار به من طبيعة البحث وكونه مراجعة علمية للدراسات السابقة هو أن البحث قد يكون مستلاً إما من رسالة الماجستير التي قدمت في اليمن أو رسالة الدكتوراه التي قدمها حين كان طالباً في الهند أو منهما معاً؛ حيث إن الطالب أو الباحث قبل أن يعرض المنهج ويجري الدراسة التطبيقية، يحتاج إلى فصل يقوم فيه بمراجعة الدراسات السابقة. فعنوان الرسالتين اللتين قدمهما الباحث في الدولتين وعنوان البحث المنشور لا يكاد يكون بينهما اختلاف إلا في تخصيص البحث على أنه مراجعة للدراسات المعنية ولا يشمل تطبيقاً أو دراسة تجريبية، وإن كان الحكم بتشابه المحتوى يستدعي الوصول للرسالة العلمية نفسها. مثار التساؤل هنا من جديد يدور حول كون الانتماء العلمي للباحث فقط للجامعة السعودية رغم أن البحث -كما يظهر- لصيق الصلة ببحث الماجستير الذي أجري في اليمن وكذلك برسالة الدكتوراه التي أجريت في الهند حين كان الباحث يقوم ببحثه تحت إشراف الجامعتين في كل من المرحلتين.  لنتجاهل ظهور الجامعتين في الصورة، وننتقل لنقطة أخرى.

النقطة الرابعة: الخبر أغفل أن البحث مشترك بين باحثين أحدهما هو الدكتور الذي ورد اسمه في الخبر من اليمن الشقيق والمنتسب للجامعة السعودية، والآخر من جامعة هندية، وهو المشرف على بحث الطالب في الدكتوراه حسب موقع الجامعة، وهذا يعطي دليلاً على أن البحث ربما كان جزءاً من أطروحة الدكتوراه. فالسؤال الآن: بما أن البحث مشترك فهل هذا يعد إنجازاً للجامعة السعودية أو الهندية أو لهما معاً أو حتى للجامعة اليمنية؟ قد نجيب عن هذه النقطة بأن الباحث الأول له علاقة ما بالجامعة السعودية في حين أن الباحث الثاني بلا خلاف من الهند، إذا أخذنا بمعيار الترتيب بين الباحثين حسب ورود اسميهما في البحث العلمي المنشور. لكن بصرف النظر عن كل هذا، الخبر ينسب الإنجاز للجامعة السعودية حيث يستهله بجملة: “حصد بحث في [كذا] لجامعة [كذا]”، فيعود السؤال مجدداً: هل البحث لجامعة سعودية، أو لباحث من تلك الجامعة أو كان يعمل بها، أو لإحدى الجامعتين من اليمن، أو لباحثين من اليمن والهند، أو أنه لهؤلاء جميعاً، ولماذا استأثرت به الجامعة السعودية؟ ربما نقول: إن العبرة بما اختاره الباحث ليكون هو انتماءه عند نشر البحث -وهو حقه-  ولا يهم أين بدأ البحث وأين انتهى، وهذا رد منطقي إلى حدٍ ما إلا لو ثبت أن البحث جزء من رسالة علمية أجريت في اليمن، أو من رسالة الدكتوراه في الهند، أو أن الباحث أجراه حين لم تكن له أي صلة بالجامعة السعودية. لكن الغموض يظل يدور حول إيميل الجامعة المستخدم في فترة يفترض أن يكون الباحث فيها طالب دكتوراه في الهند، وكيف يكون انتسابه العلمي لها إن لم يكن مبتعثاً منها أو يتلقى دعماً مالياً بحثياً من الجامعة أو أستاذاً/باحثاً زائراً بالجامعة أو يعمل فيها حينها، وكيف يكون يعمل في جامعة سعودية وهو طالب دكتوراه في الهند! ولذلك، ليس بمستغرب أن تكون بحوثه المنشورة بعد الحصول على الدكتوراه تحمل اسم الجامعة السعودية؛ لأنه أصبح يعمل فيها حسب سيرته الذاتية على الشبكة وحسب صفحته في “ريسيرش قيت” (بوابة البحث)، وإنما الغموض في البحوث التي نشرت أثناء دراسته لمرحلة الدكتوراه في الهند.

النقطة الخامسة والتي قد يعني بها المتخصصون فقط: لا يمكن الجزم بكيفية تصنيف الموقع الوارد في الخبر للتخصصات ما لم يكن لدى الشخص صلاحية للدخول لقاعدة البيانات، وعند البحث في قواعد البيانات نجد أنه فعلاً وضع البحث تحت تخصص اللسانيات وإن كان يدخل تحت تعليم اللغة، وبالأدق تحت تخصص الـ “كال” وهو تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب، وهذا التخصص يتنازعه تخصص التربية، وتخصص اللغات كالإنجليزية، وعلم اللغة التطبيقي. ولذلك، ليس بمستغرب أن أطروحة الماجستير التي أجريت في اليمن كانت تحت كلية التربية، ويصنفها المركز الوطني للمعلومات في اليمن تحت الرسائل العلمية في تخصص التربية والتعليم. لذلك، عندما تطلق اللسانيات دون تقييد، فغالباً لا يقصد بها علم اللغة التطبيقي، ولا تدريس اللغة لأن هذا الفرع من علم اللغة يكون تخصيصه بإضافة وصف “التطبيقي”، وإنما يقصد بها -عند المتخصصين- الدراسة المنهجية العلمية لظاهرة اللغة نفسها. لهذا السبب، قد يتساءل المتخصصون في علوم اللسانيات، ما إذا كان الموقع الذي قام بإحصائيات الاستشهاد والاقتباس صنف هذا البحث تحت اللسانيات بشكل عام، أو أنه كان تحت علم اللغة التطبيقي وتدريس اللغة؛ لأن الخبر المتداول يذكر بأن الإنجاز في تخصص اللسانيات. لنجيب عن هذه النقطة، يجب أن نعرف ما هو نطاق فئة اللسانيات في استخدام الموقع، وبقراءة ما يسمى “سكوب” التصنيف، نجد أن الموقع يذكر أن اللسانيات في تعريفه الخاص يدخل فيها كل ما يخص اللسانيات البحتة، وما يخص علم اللغة التطبيقي والاجتماعي والنفسي والحاسوبي واكتساب اللغة والمدونات الحاسوبية وعلاقة الذاكرة باللغة وتدريس اللغة.

كل ما سبق أعلاه قد لا نكترث له كثيراً، وقد يجاب عنه بعدة إجابات تخرجنا سالمين أو على الأقل بأدنى قدر من الحرج، وقد ينفي كل تلك التساؤلات أن يكون هناك شخصان باسم واحد وتخصص واحد، أو أن الطالب كان يدرس بنظام الدراسة عن بعد بينما ما يزال يعمل لصالح الجامعة السعودية (وإن كانت السيرة الذاتية تخالف ذلك)، أو أن هناك مفتاحاً ما للقضية وتفاصيل مخبوءة لم نصل لها، وقد نجد ألف عذر وعذر لعدم الدقة في صياغة الخبر، وقد يكون التقرير الذي حصلت عليه الصحيفة خاطئاً، وعلينا أن نعد كل تلك الحالات محتملة مهما بدت مجنّحة لنكون منصفين للباحث نفسه وللجامعة السعودية. المهم هو أن الخبر يذكر أن الجامعة حصلت على المركز الرابع من بين الجامعات السعودية وبمتوسط ٨٣ اقتباساً في السنة الواحدة ما بين ٢٠١١ و٢٠١٥. كل هذا يدعو للابتهاج على رغم غموض انتساب الباحث مؤسسياً لتلك الجامعة، ولكن هناك تساؤل وله شقان.

أما الشق الأول من التساؤل فهو: ما مدى دقة هذه المعلومات التي وردت في الخبر؟ إن من لديه القدر الكافي من الخبرة في النشاط البحثي قد يبدو له الرقم ٨٣ فوق المعتاد؛ لأن هذا الرقم يعني أن هناك أكثر من ٦ أوراق علمية منشورة في كل شهر تكون قد ضمنت اسم الباحث في اقتباساتها. لذا، أنشأت حساباً في “ويب ساينس” عن طريق شبكة جامعتي التي أدرس فيها حالياً، واستطعت أن أصل لتقرير عن الاستشهادات التي حصل عليها البحث المذكور في الخبر. التقرير الذي حصلت عليه من الموقع يظهر أرقاماً مختلفة تماماً، فالباحث لم يحصل على أي اقتباسات لبحثه في عام ٢٠١١، أو ٢٠١٢، أو ٢٠١٥ وبالطبع ٢٠١٦ بحكم أنها لم تمر إلا عشرة أيام من هذا العام. ولكن حصل الباحث على ٣ استشهادات في عام ٢٠١٣ كان المؤلف نفسه أحد الباحثين حيث اقتبس بحثه المنشور عام ٢٠١١ في بحثه المنشور عام ٢٠١٣، واستشهادين في عام ٢٠١٤ بما مجموعه ٥ استشهادات في ٦ سنوات. وعند قسمة ٥ استشهادات على ٦ سنوات، يكون الناتج ٠.٨٣،  هو بالضبط الرقم الموجود في التقرير، أي: بمعدل متوسط أقل من ١ في السنة الواحدة. ومن باب الإنصاف، يجب التنبيه أن هناك مصادر أخرى تظهر استشهادات أعلى بقليل من هذا الكسر العشري، ولكن ليقتصر الحديث هناك على المصدر الذي ورد في الخبر وهو “ويب ساينس”.

أما الشق الثاني: لنفترض أن معدل الاستشهاد ٨٣ كما ذكر الخبر وليس ٠.٨٣ ولنفترض أن التقرير الذي حصلنا عليه غير دقيق،  فأين موقع جامعاتنا وباحثينا السعوديين مقارنة بجامعات العالم أو حتى بجامعات الشرق الأوسط أو العالم العربي وباحثيها في هذا السياق؟ هل نقول: كان نصيب الجامعة الأولى كذا والثانية كذا ثم نتوقف أو أنه ينبغي أن نرى ما هو موقعها من الجامعات الإقليمية والدولية؟ والسؤال المهم الآخر: أين موقع تلك الجامعة في عدد الاستشهاد بالمقايسة مع الجامعات السعودية الأخرى التي ورد ذكرها في الخبر؟ فإذا كان الفارق كبيراً بين الجامعة صاحبة المركز الرابع وصاحبة المركز الأول ربما يفقد الخبر طعمه المعسول.

إلى هنا، ليس مثيراً أبداً هذا الخبر كحالة واحدة، فقد يكون الخبر مرحباً به ومسوغاً له لدى البعض، ولكن ما يبدو مهماً هنا وما يدعو للإحباط هو مسلسل دراما الإنجازات التي عندما تتفحصها تتسلل من يديك في كل مرة. هذا ليس الخبر الأول الذي يبهجنا مستهله وسرعان ما ننصرف عنه وكأن شيئاً لم يكن. فتلك الفئة من الصحف في كل مرة تزج بخبر يطمئننا حول تعليمنا، ويبعث في نفوسنا روحاً جديدة من التفاؤل، فقد توالت أخبار تقييم الجامعات السعودية على مدى السنوات الماضية، وسرعان ما تهاوت تلك الأخبار، وعدنا لنقيم تعليمنا وتقدمنا البحثي. ومن وقت لآخر تفاجئنا بعض الصحف بمبتعث حصل وحصد وتقدم وتفوق وأطلق وأنجز، بل ربما تكون صياغة الخبر ما تزال متأثرة بطابع تعليمنا كقولهم: “حصل على الترتيب الأول، أو الترتيب الأول مكرر على مستوى الأرض”، في حين يغيب هذا التقييم عن الجامعات الأجنبية، ولكنك بصفتك طالباً مبتعثاً تبصر الواقع وتدرك حجم المبالغة في تلك الأخبار، وبدلاً من أن تخوض جدالاً كالبحر اللجّي تُتّهم فيه بالتثبيط والتخليط، تنفضّ عنهم وتمضي إلى قاعات محاضراتك وقد تيقنت أن وطنك في حاجة لك أكثر مما كان في تقديرك قبل قراءة الخبر.

أخيراً: إن المبالغ الضخمة التي تضخها الوزارة للتعليم واستثمار العقول سواء في الداخل أم في الخارج يجب أن تؤتي ثماراً يانعة حقيقية غير تلك النتف التي تسوقها لنا الصحف في غلاف مصطنع نخدع بها أنفسنا ونبني بها وهماً على وهم.

يحيى الظلمي

محاضر في جامعة الملك سعود

باحث دكتوراه في اللسانيات، أمريكا

١٠ يناير ٢٠١٦

[email protected]

‫@aldholmi

‫3 تعليقات

  1. عندما يكون الكاتب عميقاً ويشخص قضيته التي يكتب عنها بدقة وموضوعية ويصيب شيئا يؤرقك تجاه تلك القضية, حينها يتوجب عليك بداعي الأمانة والإنصاف أن توفيه حقه شكرا وعرفانا؛ فجمع المعلومات وتحليلها بتواريخها وأرقامها من الجامعة السعودية واليمنية والهندية والوصول للتقارير التي ذكرها صاحب البحث، كل هذا يستغرق وقتاً وجهداً لا يمران دون أن يهيأ لهما من يقدرهما ويشيد بهما.

    نستطيع أن نبني إنجازات علمية وهمية لبعض جامعاتنا، أو طلابنا الداخليين والمبتعثين، أو أساتذتنا في التعليم العام والجامعي… لكن ذلك لن يغير من الواقع شيئا حين تغيب الشجاعة والمصداقية عن أنفسنا وتجاه أنفسنا. مرحلة البناء تستدعي البحث عن الخلل، موضعه وأسبابه، ثم البحث عن الطريقة الصحيجة لإصلاحه، ومن ثم المنهج الصحيح لإصلاحه والمتابعة لاحقاً.

    إعلان مكانك الواقعي والحقيقي في مسيرة الإنجاز العلمي للجامعات العالمية ليس من العيب في شيء، وإنما العيب أن تدلس وتدعي ما ليس لك أو حتى ما ليس قريباً منك. نعم أعلن أرقامك الحقيقية كما هي وافتخر بها، ولكن لا تغش المتابع. وقل مكاننا الطبيعي الآن (هنا) والآخرون سبقونا ونحاول اللحاق بهم بالعمل والمنهجية الصحيحة لا بالجعجعة الإعلامية الفارغة.

    الكلمات الناقدة بصدق قد تكون موجعة لكنها الدواء ..
    فشكرا للأستاذ يحيى على هذا المقال العميق ..
    وطننا يعيش مرحلة شفافية تتطلب من الجميع مواكبتها ..

    في الحديث: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) ..

    شكراً لك، ولفيفاء أون لاين، وأتمنى أن نقرأ مثل هذه المقالات؛ لأننا -كمتابعين- لدينا اهتمامات مختلفة بطبيعة الحال وطبيعة الإنسان، ومثل هذه المقالات تهم الشريحة الأكاديمية فنجد في صحيفتكم الجميلة ما يجدد متابعتنا.

  2. أصبت الهدف بدقة متناهية وبطريقة سلسة مترابطة واوصلت الفكرة بخطوات مقنعة جدا وأرسلت عدة رسائل تخص الباحث والبحث نفسه والقارئ والإعلام والتعليم عامة . أشكرك على جهدك في البحث والتحري وتوضيح الحقائق بما أنه يخص تخصصك هذا الخبر وأدعو المتخصصين أمثالك أن ينتقدو مثل هذه الأخبار انتقادا هادفا لتوضيح حقيقتها وشرحها بطريقة جميلة كطريقتك. وفقك الله وردك لوطنك سالما

  3. أحسنت يا أستاذ يحيى في هذا المقال الذي لخصت في ثنايا سطوره مشاكل صحافتنا المرتبطة بالفرقعات الإعلامية وتضخيم ماليس ضخما وتحسين صورة ما ليس بحسن هذه هي صحافتنا وهذا هو حال التعليم ومخرجاته التي أتمنى أن يؤتي ثمارا يانعة نافعة ولو بعد حين وكون هذا المقال يأتي من باحث دكتوراه مبتعث فلا شك عندي أن التعليم لدينا لا يزال بخير رغم الوهن والضعف وخطط المناهج الغير نافعة في وقتنا الحاضر وعلى العموم فهذا مقال يستحق الإشادة به وبقائله لما فيه من الحقائق والتحقيق والتدقيق والمصداقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: