مَنْ ألَّفَ فَقَدْ اِسْتُهْدِفَ

من ألفَّ فقد استُهدف (5)

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين:

السلام عليكم ورحمة والله وبركاته:

أواصل معكم بتوفيق من الله وفضل (الجزء الرابع من الحلقة الثانية)

يقول المنتقد محمد بن مسعود: (هي محاولة يائسة بائسة من الباحث للاستكثار والتقوي فكرر الشاهد نفسه لمجموعة نقلوا عن الجرموزي وإلا قد علمت الإنس والجن أن لا شيء بين أيدينا غير ماذكره الجرموزي وحسب. وقد أشرنا سابقا أن لا -(يقصد المنتقد ألا)- دليل فيه لعدم الاضطراد .. والحدود المذكورة في النص إنما هي المنطقة التي استهدفتها حملة الإمام وجرى اجتيازها من قبل الجند وبموجب هذا النص للجرموزي وقع الغلط التاريخي في وصف سكان فيفا بتلك الأوصاف الباطلة التي ذكرتها البسام في كتابها (الإمام محمد ابن القاسم في اليمن ) فلاتصح أبدا .. وربك أعلم أي ديرة كانوا يقصدون وفي أي أرض صادفوا مثل تلك الحكايات المشينة التي لا تصدق في فيفا وأهلها العرب الكرام . فالجرموزي ومثله الشرفي عندي غير ثقتين فيما روياه عن فيفا ولا أثق بهما في غير ذلك . ولو و ثقهما مؤلف الموسوعة الميساء ولا أظنه سيفعل فإن التوثيق سيجر عليه الويلات والطوام التي تقتضي مسبة الدهر .. فاسألوه عما حكياه في حق أهل فيفا هل يصح؟ وسترون جوابه!!.).

 

أقول وبالله التوفيق متجاوزاً قول المنتقد: ( وإلا قد علمت الإنس والجن أن لا شيء بين أيدينا غير ماذكره الجرموزي وحسب.)

قد بينت لكم سابقاً أن هذا النص (الشاهد) الذي يتشبث به المنتقد ليس للجرموزي البتة، وأنه خاص بالكبسي وتبعه في ذلك القاضي الجرافي، وأنه ليس للجرموزي سوى تعريفين عرّف بهما بلاد فيفا وهي:

أولاً: “بلاد فيفا من مغارب نجران بلاد واسعة”.

ثانياً: “ولهم أسواق وبلاد تتصل بتهامة”. ولم يذكر عن فيفاء أي تعريف آخر سواهما.

وأما قول المنتقد:

(ولو وثقهما ( أي الشرفي والجرموزي)  مؤلف الموسوعة الميساء ولا أظنه سيفعل فإن التوثيق سيجر عليه الويلات والطوام التي تقتضي مسبة الدهر .. فاسألوه عما حكياه في حق أهل فيفا هل يصح؟ وسترون جوابه !!.).

أقول وبالله التوفيق:

نحن كباحثين ومؤرخين ومن هم على نهجنا، ننظر لمثل تلك الافتراءات على أنها (أخبار تُطوى ولا تُروى) فلعل هذه القاعدة الجيدة تنطبع في ذاكرة المنتقد وذاكرة كل باحث وقارئ.

 ورغم تهويل المنتقد لهذا الأمر حين قال: ( ولو وثقهما مؤلف الموسوعة الميساء ولا أظنه سيفعل فإن التوثيق سيجر عليه الويلات والطوام التي تقتضي مسبة الدهر .. إلخ). في حال لو أتيت به وكأنه لم يسبقني إليه الأوائل، فإن هناك من أبناء فيفاء من تطرق لجزئية كبيرة من ذلك الأمر منذ سنين عديدة، فتجاهل المنتقد ذلك وكأنه على غير علم به، ولم يثر هذه النقطة إلا معي بالذات؛ حيث سبق وأن وثق كتابات العلامة الشرفي فضيلة الشيخ القاضي علي بن قاسم الخسافي الفيفي – حفظه الله – في كتابه الموسوم (فيفاء بين الأمس واليوم) الذي أفرد له الشيخ العديد من الصفحات ابتداءً من الصفحة 63 إلى الصفحة 74 وكذلك في غيرها من الصفحات. وقد ذكر الشيخ في الصفحة 148 من كتابه آنف الذكر ما يلي:

(الحالة الاجتماعية)

(وقد وصفهم السيد أحمد بن محمد الشرفي في كتابه ” اللآلئ المضيئة” في حوادث عام 1035 هـ بقوله: (وأهل فيفاء وبنو مالك ليس لهم مذهب ولا يعرفون ذلك بل هم كالأنعام فلا يصلون، ولا يزكون ، ولا يصومون ، ولا يحجون ، ومع ذلك يزعمون أنهم مسلمون) وإنما لم يعلموا شرائع الدين لعدم المعرف لهم أنتهى.

وإذا عدنا لبعض مما حكاه الشرفي بحق أهالي فيفاء فسنجد من أصحاب الفضيلة والعلم من وثق تلك الجزئية مما ذكره العلامة المؤرخ أحمد بن محمد الشرفي ألا وهو:

فضيلة الشيخ الدكتور القاضي والمحامي الشرعي سليمان بن قاسم الفيفي في مخطوطه المتداول (فيفاء وأطوارها الذي فرغ من تأليفه عام 1409 هـ) في الصفحة 29 حيث نقل حرفياً ما نقله الشيخ علي بن قاسم الفيفي عن الشرفي في تلك الجزئية ولكنه لم يتطرق لبعض الصفحات الأخرى التي نقلها ووثقها الشيخ علي بن قاسم عن العلامة المؤرخ الشرفي في كتابه آنف الذكر.

والشيخ القاضي علي بن قاسم الفيفي وصنوه الدكتور الشيخ سليمان بن قاسم الفيفي قد سبقانا إلى العلم والدراية والكتابة والتأليف ومعرفة الأحكام الشرعية في مثل توثيق بعض الكتابات التاريخية وما يترتب على ذلك التوثيق من أمور، ولذلك لم يريا غضاضة في نقل وتوثيق ما ذكره الشرفي، ولو كانا يعلمان أن توثيقهما لما حكاه الشرفي بحق أهالي فيفا سيكون كما ذكره المنتقد في معرض انتقاده السابق لي وهما في العلم والقضاء والتأليف من هما لما تطرقا إلى ما حكاه الشرفي بحق أهل فيفا ووثقاه ونشراه عبر كتاب مطبوع يقرؤه الملأ ومخطوط لم يطبع قرأه البعض.

وبعد كل ما قرأتم فهل كان هذان الشيخان يجهلان أن نقل مثل هذه المعلومة سينتج عنه ما ذكره المنتقد؟ وهما من سبقانا في العلم ومعرفة الأحكام الشرعية في توثيق مثل هذه الكتابات التاريخية!!.

أم أنهما نقلا بعض ما ذكره الشرفي إيماناً منهما بالأمانة العلمية، والتوثيق العلمي؟

والأمر العجيب الغريب الذي لم أجد له أي تفسير حتى حال كتابة هذه الحروف أن المنتقد قد سكت عن نقد الشرفي حينها وتغاضى عنه مع أن هذه المعلومات التي وثقها الشيخ علي قد سبقت نزول كتابي بثلاث سنوات على الأقل!

فأين كنت أيها المنتقد منذ سنين خلت عن نقد المؤرخ العلامة أحمد بن محمد الشرفي حين وثقا له هذه الجزئية ووثق له الشيخ علي غير هذه الجزئية التي ذكرتها هنا؟ فتُنبه الناس حينها إلى خطر الشرفي وكذبه! حين طفقت فيه في بعض حلقاتك النقدية الموجهة ضد كتابي شتماً وتسفيهاً ووصفته بالكذب وبعض الصفات الأخرى التي لا تليق!

أتعجب فعلاً من ردة فعل المنتقد القوية التي لم تظهر من قبل ولم تظهر إلا معي ومع كتابي بالذات؟

مع تذكيري للقراء بأنني لم أوثق في كتابي ما حكاه الشرفي بحق أهل فيفا لإيماني بالقاعدة التي تقول: (أن مثل هذه الأخبار تُطْوَى ولا تُرْوَى) مع أن المنتقد قد أكد أنني لو نقلتها عن المؤرخ الشرفي أو المؤرخ الجرموزي أنني كنت سأجر على نفسي الويلات والطوام التي تقتضي مسبة الدهر!!!!

أشياء تدعو إلى التساؤل! وقد تدعو القارئ المهتم المتابع لهذه الحلقات إلى التساؤل أيضاً، وأختم كلامي عن هذه النقطة بسؤالي للمنتقد محمد بن مسعود:

هل هذا من الإنصاف أيها المنتقد؟

ثم يقول المنتقد والدليل الخامس:

٤٩/عن موسوعة المدن والقبائل اليمنية للحجري قوله ( حاشية): 

فيفاء : بلد واسع من بلاد خولان بن عمرو بن الحاف ….. ا. هـ. ثم يحيل للنص ص٦٣٦ من المجلد الثاني. يقصد صاحب الموسوعة.

ويتبع قائلاً : بلد واسع ؟؟ أين حدوده ؟؟ ..هذا كلام مرسل دون قيود وليس فيه ما يعتمد عليه كي نتصور هذا الاتساع واليمن بلد’ والسعودية بلد’ وسوريا بلد والقول يحتاج إلى ضبط وعند البلدانيين الكلاسيكين بلاد البحرين وبلاد السودان رغم الفرق الشاسع في المساحة كما تكون عند المعاصرين مصر بلد وقطر بلد .

أقول وبالله التوفيق: لا داعي للإعادة فقد ذكرنا جغرافيته وحدوده، ولا شك أن الحجري قد اطلع على التعاريف السابقة وربما أكثر مما لم يقع تحت أيدينا وبناء عليها أكد بأنه بلد واسع، وأتوقع لو أنه ذكر تلك الحدود، لقلت بأنه لا يعتد به وأنه قد تبع الجرموزي في ذلك.

ثم أليس لذلك الأمر شواهد إلى وقتنا الحاضر مع أن جغرافية تلك الفترة الزمنية التي أصبحت تختلف عن وقتنا الحاضر قليلا لم ندركها، فمثلاً:

لا زال البعض من غير أهالي بلاد فيفا كأهالي نجد وغيرهم من المدن البعيدة عندما يسأل أحدهم أحد أبناء بلاد فيفاء الواسعة من أين أنت؟

فيجيبه هروبي أو مالكي أو غزواني فيرد عليه صاحب السؤال يعني من فيفا؟ وهذا أمر مشاهد. 

ثم أليس أهل سوريا حالياً يطلقون مسمى الشام على دمشق حالياً؟ فكأنهم يخرجون بقية بلاد الشام الواسعة عن مسمى الشام الذي كان يمتد ليشمل مساحة أوسع مما حصروه في ذلك المسمى بحيث كان يشمل الأردن ولبنان وبعض الأجزاء في الجزيرة العربية وجزء من تركيا. 

وكذلك أهل مصر فإنهم يخصون بمصر القاهرة حالياً، وهذا لا يعني أن بقية المدن المصرية ليست من مصر!

وكذلك مسمى البحرين حالياً فقد حُصر في أضيق مما كان عليه في بداية الدعوة الإسلامية؟

وحتى في مسميات القبائل فمثلاً:

مسمى همدان تلك القبيلة العظيمة الكبيرة في العصر الجاهلي قد انحصر حالياً في مسمى حاشد وبكيل وأصبحت همدان جزء من حاشد، وكذلك مسمى حاشد قد اقتصر في مفهوم العامة على أصغر من الصحيح.

فمثلاً قبيلة يام وحجور ووادعة قد أصبحوا لا يتسمون بمسمى همدان ولا المسمى الذي اشتهر من بعده وهو حاشد فَلَو نقول لحجوري هل أنت حاشدي؟ فإنه قد يقول: لا، أنا حجوري. 

مع أنه يعرف أنه من حاشد الكبرى. ولكن حصل تخصيص اصطلاحي.

والأمثلة على ذلك كثيرة.

فما المانع أنه كان هناك ما يعرف (ببلاد فيفاء الواسعة قديماً)؟ التي انحصر مسماها حالياً في جبل فيفا!

ثم يقول المنتقد: 

ويضيف أي صاحب الموسوعة ( كل هذه التعاريف القديمة ومنذ قرون عديدة وكذلك الحديثة تدل دلالة واضحة وتجمع بأن فيفا كانت في الماضي أكبر مساحة من وقتنا الحاضر بكثير) ص٥٠.

وأقول (ولا زال القول لمحمد بن مسعود): لا إجماع ولا ما يحزنون وإنما هو نص واحد لمطهر الجرموزي ولا سواه تناقله القوم حرفيا وعلى غير بصيرة أوهدى حتى أراد الباحث توظيفه لدعم فكرة آمن بها وتعصب لها وسعى هرولة باتجاهها دون أن تفرض نفسها عليه وتبقى (بلاد فيفا الواسعة) شيء لا دليل عليه .

أقول وبالله التوفيق:

قد بينا وهم محمد بن مسعود في ذلك وأن الدليل لم يسقط وأنه ليس هناك من نقل عن الجرموزي البتة، وأنه ليس نصاً واحداً كما فهم المنتقد محمد بن مسعود، بل هي كالتالي:

أولاً: ما ورد عن الجرموزي:

  1. “بلاد فيفا من مغارب نجران بلاد واسعة”.
  2. “ولهم أسواق وبلاد تتصل بتهامة”.

انتهى كل ما ورد عن الجرموزي.

ثانياً: ما ورد عن الشرفي في مخطوطه اللآلئ المضية المرفق منه صورة في كتابي باب فيفاء عبر التاريخ: “وفيفا بلاد واسعة”.

انتهى ما ورد عن الشرفي.

ثالثاً: ما ورد عن الكبسي في كتابه اللطائف السنية ص (324 و326) الذي سبق وذكرته في كتابي:

  1. (“وبلاد فيفا وهي أرض نازحة متصلة ببلاد قحطان وفي التهائم إلى قرب وادي ضمد”. “ولم تثبت عليها دولة”
  2. وقال: ” وهي بلاد واسعة مسيرها فوق عشرة أيام جبلاً ووطا”.

انتهى ما ورد عن الكبسي.

رابعاً: ما ورد عن القاضي الجرافي في كتاب المقتطف الصفحة (214):

حيث قال: “وبلاد فيفا أرض نازحة متصلة ببلاد قحطان في السراة وفي تهامة إلى قرب ضمد….. وذكر أيضاً بأن بلاد فيفا مخلاف من المخاليف الشمالية لليمن”.

وهكذا تتضح الصورة أن تعاريف الجرموزي لبلاد فيفا تعاريف مستقلة ولم يتبعه في تلك التعاريف أو يأخذ بها أي مؤرخ أتى من بعده أو عاصره ممن نقلت عنهم تعاريف بلاد فيفا الواسعة ،ونلاحظ أن تعريف الشرفي مستقل، وكذلك تعريف الكبسي مستقل ولم يأخذه من الشرفي ولا من الجرموزي ويختلف تماماً عن تعاريفهم السابقة ،وإنما حصل تشابه بين الجزء الأول من تعريف القاضي الجرافي مع الجزء الأول من تعريف الكبسي كما أوردت سابقاً ، وبهذا اتضحت الصورة واتضح سقوط مقالة محمد بن مسعود التي لا يرى فيها كما يزعم من أنه لا يوجد :(….أي إجماع ولا ما يحزنون وإنما هو نص واحد لمطهر الجرموزي ولا سواه تناقله القوم حرفيا وعلى غير بصيرة أوهدى حتى أراد الباحث توظيفه لدعم فكرة آمن بها وتعصب لها وسعى هرولة باتجاهها دون أن تفرض نفسها عليه وتبقى (بلاد فيفا الواسعة) شيء لا دليل عليه. ).

 انتهى كلام المنتقد فيما يخص أدلته التي يحاول فيها إسقاط الجرموزي والشرفي وبالتالي سقوط ما يعرف ببلاد فيفا الواسعة.

ثم يقول المنتقد:

ثم يقرر باطمئنان قائلا (والكلام لمحمد بن مسعود) (وكان يفترض على المنتقد محمد بن مسعود أن يكتب كلمة قائلاً متبوعة بنقطتين رئسيتين لتصبح هكذا (قائلاً:).  

يقول: يقصد صاحب الموسوعة ( ولذلك فبلاد فيفا الواسعة قديما لم يكن يقصد بها جبل فيفا الحالي بمساحته الحالية بل كانت تشمل جبل فيفا الحالي وجبال بني مالك وحريص الحشر وهذا أمر مؤكد كما شاهدنا في المراجع والمخطوطات آنفة الذكر ‘ بل ربما شملت بعض المجاورين كهروب ومنجد بل وربما الريث لان -(يقصد المنتقد لأن)-  حدودها كما رأينا الى -(يقصد المنتقد إلى)- سراة وتهامة قحطان وإلى القرب من ضمد.) نفس الصفحة من الجزء الأول.

وأقول: ولا زال القول لمحمد بن مسعود، هذا ما يبحث عنه ( يقصد صاحب الموسوعة ) ولو لم يجد ما يتعلق به لابتكر أدلة توصله لما في ذهنه فهذا المط والتمدد الجغرافي سيوفر له أساسا عريضا للبناء فهل سيستغله ؟ سنرى!!.

أقول وبالله التوفيق:

لا حول ولا قوة إلا بالله فلا يعلم النيات إلا الله وحاشا لله أن أبتكر أي أدلة غير موثقة أو من بنات أفكاري، وليس لدي أي نية أو كتابات لما أسماه (أساساً عريضاً للبناء) وقد اتهمني المنتقد بما ليس فيَّ بل وبما لم يخطر على بالي، وإني أبرأ إلى الله من ذلك، وأمام كل الملأ.

ومعاذ الله أن آتي بكلام دون دليل أو مرجع اعتمد عليه، وقد بينت لكم في هذه الحلقة وفي حلقات سابقة وبإذن الله في الحلقات القادمة ما ينير العقل حول ما وقع فيه المنتقد من غموض أدى به إلى هذه الانتقادات والتفسيرات والقراءات الخاطئة.

وإلى اللقاء بمشيئة الله في الجزء الخامس والأخير من الحلقة الثانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق