مقالات

الضوء الشارد

 تتسلل أشعة الشمس من تلك الثقوب في النافذة الخشبية العتيقة لتخبرني أن الصبح قد دنا وأن الليل يجر ذيوله خلف صفحة (جورا) التي كنت أعتقدها البحر الأحمر مثل أي طفل يرى كل شيء بمجهر كبير!

وما أن أهم بالنهوض حتى تصلني أحاديث أمي وجارتها المقربة  (الخالة شوقة) كانت أحاديث رتيبة جدا!

لكنها بيضاء كأجنحة النوارس وأهازيج الرعاة تدور حول أخبار الجارات ومشقة الحياة ومشاكل الأبناء والبنات ..

كنت أهب للسلام على جارتنا التي نشأت على حبها..

هي لم تقدم لي سوى قبلة  وابتسامة لكن كان علي أن أحبها القدر أحيانا يفرض علينا محبة بعض الأرواح
هكذا بدون أسباب وجيهة !

تتناول قهوة أمي التي لا زلت أذكر عبقها وهي تسري في (الأرياد) وأكناف البيوت  ثم تودعنا وتذهب لتجمع العلف لأبقارها الكثيرة ..

كنت غالبا ألحق بها وأركض في الطرقات والمنعطفات وتقضي وقتها في ردعي والانتباه إلي ..

كانت تهمل بناتها حتى لو سقطن أو جرحن أو أي شيء فهي منشغلة بي!

فهي منشغلة  بملاحقتي في (حيفة شمعة) ذهابا وإيابا ثم تعيدني وتسلمني لأمي وتعود لبيتها ومشاغلها الكثيرة !

وبحكم كوني الصغيرة دللتني أمي بالقدر الذي جعلني أعتقد أن من واجب جميع البشر أن يدللوني ويرفهوني وينفذوا  طلباتي !

وفي كل عصر أتسلل لمنزل (الخالة شوقة) ومن ثم أطمئن على غنمتي الصغيرة التي أهدتني إياها منذ أن ولدت
هي وقطة رمادية استوليت عليها عنوة ..

وأدس في يد ولدها (عبدالله)  ريال ..

ثم أرسله للدكان ليشتري لي (بيبسي)!

تكررت هذه الحكاية لسنوات..

ما يجعلني أتذكر هذا الأمر ويستحيل علي أن أنساه هو ترحيبه بي في كل يوم!
وتنفيذه طلبي الهامشي التافه كل يوم !
لم يتذمر ولم يشكُ ولم يرفض أبدا !

حتى حينما يكون مصابا بالحمى ويرقد في فراش متواضع ملقى على قارعة الزقاق بين منزلهم وعريش الأبقار ..

كان ينهض والحمى قد سكبت لونها الشاحب على ملامحه ..
ليلبي طلب طفلة غريبة تعتقد أن الكون خلق ليسعدها !

صدقوني هو لم يكن يعرف كلمة (لا ) ولا يدرك طقوس الرفض وآلية التمرد !

مضت الأيام وكبرنا قليلا وفهمنا الحياة نوعا ما وأصبحت لا أكشف وجهي أمام ابن الجيران ..

ومن حسن حظه ليحظى ببعض الراحة..

ثم تحسنت حالة جارتنا الطيبة وبدأت ترتدي ثيابا جديدة ملونة كالكرنفالات ..
ثم بعض خواتم الذهب ..
وفي كل يوم تأتي إلينا ..

وفي كل يوم أستيقظ على صوتها وهي تخبر أمي أن عبدالله ابنها قد أحضر لها الثياب وخواتم الذهب ..

لم تمل إطلاقا من تكرار قصتها المهمة هذه !

وفي إحدى المرات أحضرت لأمي  “جيك” ماء زمزم  فقد أصبحت تهدي صديقاتها منذ حصل ابنها على وظيفة بسيطة في العسكرية ..

وأخذت تصف مكة بجبالها ووديانها وزحمة الناس فيها بتعجب كبير!

وتحكي كم كان ابنها بارا بها وبوالده وكم حرص على راحتهم وتلبية احتياجاتهم في السفر ..

وفي أحد الأيام  جاءت إلينا متأخرة قبيل الغروب وفي غير وقتها المعتاد!

حينها خاطبت أمي قائلة :

جئت لألحق ببقرتي الهاربة ولأخبرك أن عبدالله بدأ يبني لنا بعض الغرف الملحقة بالبيت

وبالفعل تم لهم ذلك ..

أما والد (عبدالله )  فهو مضرب المثل في قريتنا في الطيبة والحكمة والحلم والهدوء ..

لم أسمع أنه رد على إساءة أو غضب من أذية أو تبرم من خدمة الناس وتقديم المساعدة لهم

وأحسبه  والله حسيبه من (عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)

ياااه كم كنت أشعر بالحميمية وأنا أمر من أمام منزلهم كل يوم!

في تلك البقعة من (جبل المشنوي بفيفاء ) أسرة طيبة جدا وبسيطة جدا ..

استقلوا من متاع الدنيا ولم يكثروا من الزينة والبهرجة ..

يعيشون على هامش التاريخ ..

يسابقون وتيرة الحياة وغالبا ما تسبقهم ..

لكنهم يبتسمون دائما!

كبرت وبدأت القيود تحاصرني ..

فلم يعد يمكنني زيارة بيتها ولا التحدث مع بناتها..
ولا الحصول على البيبسي..

ولكنها استمرت في زيارتنا كل يوم كانت تشرق أحيانا قبل الشمس
ولأن الأشياء الجميلة ترحل سريعا :

استشهد (عبدالله)  يوم أمس في  الخوبة في ملحمة الجهاد ضد العدو الحوثي  مقبلا غير مدبر ..

وترك كومة أحلام معلقة بتلك الشجيرات حول منزلهم الصغير المتواضع ..

رحل بهدوء نسمات الصباح الربيعية الحالمة ..

بعد أن عاش كنباتات الظل يلبي للناس احتياجاتهم دون التفاتة إلى نفسه ..

رحل عبدالله  وطويت صفحته ..

وقدم روحه لوطن لم يقدم له  ولأسرته الفقيرة الكثير ..

وبقي عطره يتسلل في تلك الطرقات والبيوت الاسطوانية..

يمكنكم أن تقرأوا تفاصيل حياته الهادئة جدا حين تزورون فيفاء و تمرون على منزله العشوائي ..

فحكايته مطبوعة على  النوافذ الخشبية ..
والثياب الجديدة الملونة ..
وثرثرة الجارات ..
وروائح الحناء في ليالي الوصال..
وصباحات الأعياد..
ونقائل البعيثران والريحان ..
وفتات المسك والطيب ..
وقهوة الصباح ..
وكحل الأمهات .

تعليق واحد

  1. هداك الله يا ريما أسقطت الدمعة من عيني بسبب جمال سردك ونبل بطل قصتك .
    لم أكن أعرف عنه شيىء قبل أن يستشهد ولكني أحببته لكثرة المادحين له بعد ذلك .
    رحمه الله تعالى
    ويكفيه شهادة الناس له فأنتم شهداء الله في الأرض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق