مَنْ ألَّفَ فَقَدْ اِسْتُهْدِفَ

من ألف فقد استهدف (8)

أتابع معكم الجزء الثاني من الحلقة الثالثة بفضل الله وتوفيقه حيث ذكرت في نهاية الجزء الأول من الحلقة ما يلي:

وكذلك فإن المتداخل جابر بن مسعود العبدلي استشهد في معرض رده على المنتقد محمد بن مسعود العبدلي ببيت الشعر التالي:

وآل سعيد حمــــــرة غالبــــيــة    بسفحي سروم بين تلك الرجائم

معتقداً أنه قيل في آل سعيد (بجبل عثوان) من بني مالك، وهذا غير صحيح فالبيت الشعري والقصيدة التي ورد فيها لا تخص آل سعيد من بني مالك، بل هي تخص قبيلة خولانية أخرى تحمل نفس المسمى!!

وقد سبق وبينت ذلك في كتابي (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء) الجزء الأول (ص320) في بحث قبيلة بني مالك في معرض ردي على الشيخ الفاضل علي بن قاسم الفيفي الذي تطرق لهذا الموضوع حيث قلت:

(يرى الشيخ علي بن قاسم الخسافي الفيفي صاحب كتاب (فيفا بين الأمس واليوم) ص53 أن آل سعيد من بني مالك هم بطن من بني غالب بن سعد بن سعد بن خولان، وذراع آل غالب في بني مالك مضافةَ إليهم) أ.هـ

وقد تتبعت نسب غالب بن سعد بن سعد بن خولان في (الإكليل للهمداني) حيث قال: أولد غالب بن سعد يعلى بن غالب وأولد يعلى جبراً ومعيشاً وشبلاً ثلاثة أبطن هم في بني حمرة مع من انظم معهم من الربيعة، وضم الجميع اسم حمرة، فقيل بني حمرة ومن بني غالب يسنم، فسمي بهم الموضح والسعيديون من أهل سروم وهي سروم بني سعد، وفيهم يقول أخوهم عمرو بن زيد الغالبي:

سراة بني جــبر ويسنم إخــوتـي وحيَّا مـعيش من سلالة غالـــب

وآل سعيدان نسبــت أبـــــــــاهم   إلى حسب في جـذم حمرة ثابت

هم ورثوا مرقى العلى من أبيـهم وحي بني شبـل فخير الأقـــارب

أولاك بنو السادات من حي غالب إذا اعتقــلوا منها رفيع المناكب

 

وفيهم يقول الحارث بن عمرو:

لنا الدار في تضراع باق رسومه            بها كان أولاد الحماة الخضــارم

سراة بني جبر وحـــــي معيشـها           لباب لباب من حـــمـــاة أكـــارم

ودار بقيوان لنا كان عــــــــزهـا           توارثها نسل الملـــوك القمــاقـم

ويسنم دار العز من دمنتي دفـــا            إلى أسفل المعشار فرع التهائـم

ودار بكهلان لشـــــــبل أخيهـــم            دعامة عز من تـــــلاع الدعائـم

وآل سعيد حمــــــرة غالبــــيــة            بسفحي سروم بين تلك الرجائم

هذه مواضع كلها وأوطان كان سيد بني غالب جميعاً عمرو بن يزيد، وهو الذي قام بفتنة الربيعية. يقول محقق الكتاب القاضي الأكوع:

سروم: بفتح السين المهملة: هو جبل عظيم يمتد من الشمال للجنوب وهو في جماعة في المفازة المشهورة باسم طخية لبني حذيفة من جماعة، وما يطلق عليه اسم سروم فكثير، منها سروم خولان ولعلها التي هنا. ص 278 و279.

وقد ذكر المقحفي في معجمه أن عيال سعيد: فرع من قبيلة الحسني من بني جبر من خولان العالية، وأنهما قسمان ومنهما العديد من الفخوذ وتقع ديارهم في وادي حباب، وإليهم يرجع القضاة آل الجبري أهل صنعاء، وأما آل غالب فذكر أنهم فرع من خولان بن عمرو.

إذاً فآل سعيد من آل جبر بن يعلى بن غالب بن سعد بن سعد بن خولان لا زالوا متواجدين حتى أيامنا هذه بفروعهم ومواطنهم المعروفة التي تطرق لها المقحفي في معجمه) أ.هـ

وهكذا فبيت الشعر وآل سعيد الذي ورد ذكرهم فيه هم ومواقعهم غير آل سعيد ببني مالك المجاورة بجبل عثوان.

ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد ذكر نفس المتداخل السابق المعلومة التالية أثناء تداخله في هذه الحلقة قائلاً: ( وقد يستغرب البعض أن النسبة إلى فيفاء ( الفيفي – الفيفاوي ) تعتبر حديثة جدا ، فلا وجود على مر التاريخ لعلم من الأعلام يسمى الفيفي ، فقد كان الناس ينتسبون إلى قبائلهم ( مثل المدري الحربي أو العمري …..) وانما ظهرت تسمية الفيفي بعد ظهور الوثائق الرسمية التي تطالب بالفخذ والقبيلة فصار الاسم فيما بعد (العبدلي الفيفي والسلماني الفيفي …. الخ).

أقول وبالله التوفيق:

هذه المعلومة قد تطرقت لها ووثقتها في كتابي (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء) على نحو قريب من هذا، فلعل الأستاذ جابر بن مسعود لم يتنبه أنني قد سبقته إلى هذه المعلومة ولعله لم يقرأ الكتاب جيداً فأعادها في تلك المداخلة، فتمنيت لو أنه تنبه إلى ذلك وذكر بأنها موجودة وموثقة رسمياً في كتابي آنف الذكر وذلك من باب الأمانة العلمية لأنه قد يتبادر إلى ذهن القارئ الذي تابع تلك الحلقات النقدية ولم يطلع على كتابي بأن المتداخل قد أثرانا بهذه المعلومة ولم يسبقه إليها أحد.

انظروا كتابي (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء) الصفحة 92 الفصل الخاص بقبائل فيفاء حيث ذكرت ما يلي:

(وهكذا فقبائل فيفا المتعددة نزلت في جبل فيفا (جبال فيفا) وفي فترات زمنية متفاوتة سواء أكان ذلك الاستيطان كمجموعات أو فرادى، فأصبحت ومع مرور الزمن لا تعرف إلا به مع احتفاظهم بميزة مهمة؛ وهي محافظتهم على أسماء قبائلهم الأصلية وتفرعاتها وعدم فقدانها مع مرور الفترات الزمنية الطويلة، وإن كانوا في مجملهم لا يعرفون إلا بفيفاء والنسبة إليها فيفي. 

وحتى هذه النسبة – أي فيفي – لم نوفق ولم نجد أي أثر يدل على أنها كانت واسعة الانتشار إلا مع نهايات الدولة الإدريسية وبدايات دولتنا السعودية يرعاها الله، حيث لم تكن مشهورة من ذي قبل بما فيه الكفاية والله أعلم.

وعودة إلى المقولة غير الدقيقة للمتداخل التي نفى فيها نفياً تاماً وجود تلك النسبة إلا مع مع ظهور الدولة السعودية أدام الله عزها وذلك حين قال:(فلا وجود على مر التاريخ لعلم من الأعلام يسمى الفيفي) فسأتحفكم هنا بدليل ينفي هذه المقولة وأن الأمر ليس كما ذكره المتداخل وأكده من أن تسمية الفيفي لم تعرف إلا بعد ظهور الوثائق الرسمية التي تطالب بالفخذ والقبيلة فصار الاسم فيما بعد كما ذكر المتداخل: (العبدلي الفيفي والسلماني الفيفي …. الخ) حيث يتضح وبجلاء أن المتداخل قصد بمقولته أن ذلك المسمى لم يظهر إلا مع بدايات الدولة السعودية أدام الله عزها فيما بعد عام 1349 هـ.

فالأمر أقدم مما ذكر المتداخل بكثير فقد ورد ذكر للفيفي منذ ما يربو (على قرن ونصف من الزمان) وكان ذلك في عام 1279 هـ كما يظهر في الوثيقة المخطوطة التالية.

فيفي

ولذلك كنتُ أقرب منه إلى الحقيقة وأكثر مرونة حين ذكرت في كتابي: (وحتى هذه النسبة – أي فيفي – لم نوفق ولم نجد أي أثر يدل على أنها كانت واسعة الانتشار إلا مع نهايات الدولة الإدريسية وبدايات دولتنا السعودية يرعاها الله، حيث لم تكن مشهورة من ذي قبل بما فيه الكفاية والله أعلم).

نعم لم تكن مشهورة بتلك النسبة (الفيفي) بما فيه الكفاية اللهم إلا ما وجدنا من ذلك المخطوط الوحيد الذي أثبت أنه كان يطلق علينا كلمة الفيفي، والذي ربما لو وقع تحت يد المتداخل لتراجع عن قوله الذي ينفي فيه أنه: (لم يكن هناك وجود لعلم من الأعلام على مر التاريخ يسمى الفيفي) ولغيّر رأيه في أن تلك النسبة لم تأت إلا بعد دخول الدولة السعودية وإصدار الوثائق الرسمية.

 وقد تداخل نفس المتداخل في هذه الحلقة بقوله: (الخطأ الذي يقع فيه غالب الباحثين أنهم يتوقعون أن فيفاء وبما أنها جبل واحد فإنها قد سكنت في وقت واحد، ونتجاهل ما كان يعرف بالسهل والجبل، ففيفاء سكنت على مراحل أوجزها في مرحلتين وهذا ما يصدقه الواقع :

المرحلة الاولى سكنى السهول : وهذه قديمة قدم العرب في جزيرتهم .

المرحلة الثانية سكنى أعالي جبال فيفاء : والتي كانت قفار الى فترة قريبة ولم تستصلح إلا في فترات قريبة بعد وصول شجرة البن ثم القات ، ولك أن تتعجب أن هنالك كبار في السن يتذكرون أنهم يدخلون نيد الدارة ولا يرون حتى يخرجون من النفيعة بسبب الغابات والأحراش !).

أقول وبالله التوفيق:

قد سبقته إلى توثيق تلك المعلومة وذكرت نحو ذلك في كتابي (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء)، ولكنه لم يوثق لي ذلك ويذكر أنني صاحب قصب السبق فيها، وهذا قد يوهم القارئ الذي لم يطلع على كتابي بأنني لم أذكر هذه المعلومة في كتابي وأن المتداخل هو أول من أتى بها، فتمنيت لو أنه تنبه لذلك وذكرها ولو من باب الأمانة العلمية، مع أنني لا أتفق معه في جزئية مما ذكره في هذه الملاحظة والتي سوف أبينها لكم بعد نقلي لما غفل عنه المتداخل من كتابة لي حول هذه النقطة.

فقد ورد في كتابي (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء) باب جغرافية قبائل فيفاء ص53 ما يلي: (من المعلوم أن أهالي جبال فيفا قديماً كانوا يسكنون في الغالب في أسافل تلك الجبال، لوعورتها وصعوبة البناء في أعاليها، وعدم وجود الأودية، ونقص المياه ومقومات الحياة المستقرة إلا أنهم وبعد فترة زمنية طويلة  قد طوعوا أعالي تلك الجبال لخدمتهم، وانتشروا فيها وسكنوها مع احتفاظ البعض منهم بالسكن في سفوح تلك الجبال المهيبة).

ولنعد لجزئية من المعلومة السابقة التي تطرق لها المتداخل حيث يقول: (المرحلة الثانية سكنى أعالي جبال فيفاء: والتي كانت قفارا إلى فترة قريبة ولم تستصلح إلا في فترات قريبة بعد وصول شجرة البن ثم القات).

أقول وبالله التوفيق:

لا ليس الأمر كما ذكر المتداخل، فقد كانوا يعيشون في أعالي الجبال منذ قرون عديدة قبل تواجد أشجار القات في جبل فيفاء، الذي زرع في فيفاء نحو عام 1330 هـ، بينما رأينا ذكراً للعبسية وحصنها في أحداث 1035هـ  وأن شيخ العبسية وما حولها من قبائل آل عبيد كان حسن بن سيلة، ورأينا ذكراً للكدرة وبعض البيوت التي احتمى بعض قادة الجيش اليمني الغازي فيها وذلك في رأس جبل حجر (جبال حجر) وهذا يناقض تماماً الفترة القريبة التي توقع المتداخل أنها التي تم السكن فيها من بعض قبائل فيفاء في أعالي الجبال بدلاً من سفوح الأودية، بل هم أقدم سكناً لأعالي الجبال بقرون عديدة لا يعلمها إلا الله. أليس كذلك؟

ولو عاد المتداخل لمخطوط خلاصة العسجد للبهكلي التي ذكرتها في كتابي وغيرها من المخطوطات القديمة لوجد أن جبل فيفاء وأعاليه كان مسكوناً في فترة زمنية أقدم مما تتوقع (1175 هـ). وأكتفي بهذين المثالين ليتنبه الجميع لذلك.

8

قصاصة من مخطوط البهكلي تبين جزء من غزو الشريف آل خيرات وقبائل يام عام 1175 هـ لجبل فيفا

وكما رأيت أخي القارئ المهتم فالكلام لا يُلْقى به على عواهنه بل يجب التدقيق في كل معلومة قبل طرحها للجمهور المتلقي.

وإلى اللقاء في الجزء الثالث من الحلقة الثالثة بإذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق