مشائخ .. واعلام .. ذكريات

ذكريات .. ومعلومات (14)

المعاونة (الإعانة) أو النشيرة

    المزارع أو الفلاح في عمل مستمر لا ينتهي، فهو ملازم لمزرعته لا يكاد يفارقها، وكلما كان أكثر عناية بها كانت أكثر عطاء له، فهي تعطي من يعطيها، وعلى قدر الجهد يكون العطاء، لو استعرضنا بصورة سريعة ومختصرة عمل المزارع طول العام لنرى مصداق ما ذكرناه في استمرار العمل دون انقطاع أو توقف.

     يبدأ عمل الفلاح والتهيؤ منه لموسم جديد عادة من جيمة ( كيمة) وهي مقدمة الصيف، ويبدأ ذلك بتنظيف الحياف (الحياض ـ المزرعة) بـ (التوقيل) أي تجميع الحجارة المتناثرة هنا وهناك، فالكبير منها يعيدها في جدار المدرج (حرة الحيفة) حيث يبني به (تعاريق) الجدران ، والصغير من الحجارة يجمعها في مكان بعيد، (ويجلي) أي يزيل الحشائش والأشواك الضارة (الشخيرة والجواجية) من الأرضيات والجدران، فيقطعها ويستأصلها من جذورها، ثم يجمعها في مكان معزول إلى أن تيبس ليحرقها بعد ذلك، وهو بهذا يهيئ الأرض للحرث ، لأنه بعد الانتهاء من تنظيفها يبدأ في مباشرة حرثها (العمل)، وعادة يكون الحرث بثور واحد فقط، لصغر الحيازات (الحياف)، فطبيعة تضاريس الأرض الجبلية ، وسعيهم في استغلال كل المساحات فيها ، يجعلهم لا يدعون مساحة مهما صغرت إلا وادخلوها في المزرعة، فيبنون لها جدارا ثم يجمعون لها ترابا لتكون (حوفا أو حيفة) صالحة للزراعة والاستثمار.

     تسمى هذه الحيازة الصغيرة حوفا (حوضا) والأكبر منها حيفه (حيضة)، يبدلون الضاد فاء، فالحيازة الصغيرة حيفة، وإذا كانت في مكان بارز وأكثر اتساعا سميت ثاهرا (ظاهر) الثاء بدل الظاء، وإذا كانت في شعيب أو وسط واد، وهي تكون أكثر اتساعا وأكثر خصوبة، لتميز مكانها سميت (شطا) وهناك تسميات أخرى على حسب كبر أو صغر (الحيفة) أو مكانها وموقعها، ولارتباط حديثنا بالحيفه فلنحاول وصفها، ليسهل تصورها وفهم بعض ما سنذكره من ادوار يقوم بها المزارع طوال عمله فيها، فالحيفة تمتد بشكل طولي قد تضيق وتتسع حسب التضاريس حولها، فمحيطها الخارجي يسمى (الزبير)، والداخلي يسمى (الحليط)، وطرفيها تسمى (اعواسا) مفرده (عاس)، لذلك يكون حرثها بطرق متعددة حسب غرض المزارع منها، فأول ما يحرثها يبدأ من طرفها الداخلي (الحليط)، ويكون اتجاهه بالطول من العاس إلى العاس، وغايته من هذه الطريقة حتى يكون ميول الحيفة إلى الداخل، فعادة تكون النهاية هي الأعلى ، لان التراب بهذه الكيفية يتراكم متتاليا فوق بعضه، وما أن ينتهي إلا وقد أصبح الخارج أعلى من الداخل، وبهذه الطريقة تحتفظ الحيفة بأكبر قدر من الماء عند نزول المطر، فتتشبع التربة بالماء وتكون أكثر خصوبة، وهذه الحرثة الأولى يسمونها (قرافة)، فإذا ما انتهى عند زبير الحيفة ختمها بأربعة (أتلام) مفرده (تلم)، و(التلم) هو أثر خط المحراث في الأرض، والغاية من هذه الاتلام سهولة رفعها بعد ذلك بالمسحاة (الفرسة)، لترتفع وتكون (زبيرا) (عقما) يصد الماء النازل ويحجزه فترة أطول، فترتوي الحيفة بالماء أكثر، فإذا ما انتهى من هذه العملية احضر (الجيبة) السماد، وهو في العادة روث البقر المخلوط ببقايا علفها، يجمعونه طوال العام في مكان خاص، فيحضره أكواما صغيرة في نواحي (الحياف)،ثم (يبعثر) ينثر هنا وهناك ليعم كل جوانبها، فإذا ما نزلت الأمطار وتشربت التربة بالماء والسماد، يتم حرثها مرة ثانية بما يسمى (الثناة) من التثنية، وبهذه تقلب التربة وتختلط بالسماد اختلاطا تاما، وفي هذه المرحلة تكون الأرض جاهرة تماما للبذر، حيث يترقب المزارع بعدها الوقت المناسب ليبادر الى بذر (الحب)، لذا يحسبون الوقت بدقة متناهية، وبما تراكم لديهم من الخبرات والتجارب السابقة يعرفون الوقت تماما، لأنهم عرفوه بحكم تجاربهم المتكررة، ووجدوا أنهم إذا ما اخطئوا في تحديد هذا الوقت، سواء بتقديمه عن أوانه أو في تأخيره عنه، تلفت الثمرة أو ضعفت، أو أنه يصادفها بعض العاهات، لأن الجو يكون غير ملائم لنموها، أو تتعرض لبعض الحشرات أو الآفات، أو تسبق المزارع الأخرى بالثمرة، فتنفرد بها الطيور فتقضي على ثمرتها، لذلك لديهم أوقات دقيقة ساروا عليه، يكون فيها الزرع بمشيئة الله متوافقا في نموه وسليما إلى أن يكتمل على خير ما يحبون، وقد توصلوا لكل ذلك بتوفيق الله ثم بالخبرة والتجارب وكثرة الممارسة، فإذا ما حان وقت بذر الحبوب، قام المزارع بحرث الأرض مرة أخرى فيما يسمى (الجرّاف)، ويكون في تنفيذ حرثه  أكثر عناية واتقانا، بحيث تكون خطوط المحراث (الاتلام) مستقيمة متباعدة عن بعضها قليلا، ويزنها وزنا دقيقا في خطوط مستقيمة، لأجل أن يسهّل عليه ذلك فيما بعد القيام ببقية الأعمال التي يتطلبها العناية بهذا الزرع، فلا بد لهذه المرحلة أن يقوم بالحرث والبذر رجل خبير، ويكون فيها الحارث والثور المستخدم على خبرة ومهارة عالية، ويتبع الحارث في هذه العملية (ذار) باذر للحب، فيقوم بوضع (البذر) مباشرة في (التلم) وعلى خطوات متوازنة، وبمقدار معين لا يزيد ولا ينقص في الغالب، ويتقن دفنها في الأرض بالضغط عليها برجله، فإن لم يتقن تغطيتها بالطريقة السليمة فسد الزرع، وقد لا ينبت نهائيا ويتحلل تحت التربة، أو يطلع ضعيفا لا يعيش سليما، أو يخرج في اتجاهات غير منتظمة، مما يتعب المزارع بعد ذلك عند العناية بالزرع وخدمته وتقويمه، لذلك طريقة الباذر (الذاري) مهمة ، فعليه أن يتبع الحارث في نفس الخط (التلم)، حاملا بيديه اليسرى وعاء صغيرا نسبيا (زنبيلا) ونحوه، خفيفا بحيث لا يثقله، يضع فيه كمية من الحبوب المراد بذرها، ثم يأخذ منه في كل مرة ملء كفه الأيمن، ويمرره فيها بطريقة فنية، بحيث ينزله بمقدار من بين إصبعيه الوسطى والسبابة، ويقفل بينهما بإصبعه الإبهام، وبهذا يستطيع التحكم في المقدار الذي يرميه في الأرض، فينزل منه بمقدار محدد، في حدود الخمس أو ست حبات في المرة الواحد، وكل ما اسقط هذا المقدار قفل الفتحة على باقي الحب بإصبعه الإبهام، وما أن تصل هذه الكمية إلى الأرض أمام خطواته المنتظمة، حتى يبادر إلى تغطيتها بإحدى رجليه بشيء من التراب الذي غرفه بها عند نقل خطوته، ثم ضغطها بوضع إحدى رجليه على هذا التراب وضغط عليه قليلا بطريقة فنية، وهي تحتاج إلى طول ممارسة وتدرب ليتقنها، وحتى تكون لكل خطواته نصيب في هذه العملية الدقيقة السريعة، حتى لا يصل الحارث إلى طرف الحيفة (العاس) إلا والباذر خلفه مباشرة ، يكون قد انتهى من بذر (التلم) بكامله، وكلما انتهت كمية الحب التي معه اخذ بدلا عنه من أناء اكبر قد وضعه في مكان قريب ، ومع انتهاء هذه العملية في كامل مزرعته، يكون قد انتهى من أهم الأدوار في عمله كمزارع، وليس أمامه بعدها إلا الانتظار والترقب لهذا البذور لتنبت وتخرج فوق الأرض زرعا سليما.

     بعدما تنبت هذه البذور وتطلع قليلا على وجه الأرض، وترتفع إلى حدود العشرة سم أو خمسة عشر سم، تأتي المرحلة التالية من العمل، وهو ما يسمى بـ (المخين والشتاه)، وفيها يعمل المزارع على نقص كميات الزرعات في كل شتلة (الرزوة)، فينتف منها ما زاد على القدر المناسب،  حتى لا يبقى إلا عدد محدود مناسب، في حدود الأربع أو خمس زرعات بالكثير، ثم ينكش التربة من حولها، ويزيل ما يكون قد نبت من الحشائش الطفيلية في محيطها، وبعد ذلك ما عليه إلا أن ينتظر من جديد إلى إن تكبر وتنمو، ليرتفع قليلا ويكون أكثر ثباتا على الأرض، ليقوم في هذه المرحلة بالحرث عليها مرة أخرى بالثور، فيما يسمى بــ (الشتا)، وهي تعتمد في الغالب كثيرا على إتقان عملية (الجراف) السابقة،  فإذا ما كان قد أحسن تنفيذها في خطوط مستقيمة متوازية، سهل عليه الآن عملية (الشتا) في هذه المرحلة،  وهو أيضا يعتمد على الحارث والثور المستخدم وحسن تدريبه، فلا بد إن يأخذ خطا مستقيما بين الزرع مباشرة ، بحيث لا يكسر الزرع أو يؤثر على جذوره، لان الغاية من هذه العملية هو جرف التربة التي تكون في وضعها الحالي مرتفعة قليلا والزرع هابط لأنه نبت داخل (التلم)، وهذه الطريقة تعكس الوضع لتنتقل التربة المرتفعة إلى ما فوق الزرع ، فتعمل على دعمه وتقويته، ويهبط الجانب الآخر الذي كان مرتفعا لينخفض ويصبح وعاء حافظا للماء، وأما إذا لم يكن لديه ثور أو الحيازة صغيرة لا تحتمل الحرث بالثور ، فعليه أن يقوم بهذه العملية بواسطة المسحة (الفرسة)، ويسوى بها التربة حول الزرع ويهيئ ما حولها لنفس الغرض ، وهو بهذه المرحلة قد انتهى دور العمل بالكامل، ولم يبقى عليه إلا الانتظار والدعاء ، فهو الآن ينتظر إلى إن ينمو الزرع و(يمرح) تطلع ثمرته المؤملة، ثم يترقبها حتى تتم ويشتد حبها ويتكامل، لتأتي في هذه المرحلة دور الحماية من الطيور والآفات، وأكثر ما يتسلط عليها من الطيور(الغراب)، لذلك لهم عدة طرق في حمايتها منه وأمثاله.

     من وسائل حماية الزرع المثمرة من الطيور، استخدام بعض الوسائل البدائية، ومنها (المنطاق) وهو حبل متوسط السمك، طوله في حدود المترين أو الثلاثة ، يكون احد طرفيه مسلوبا خفيفا وفي نهايتها (نوفة) ذنب صغير من السلب، فيحرك المنطاق بإحدى يديه، ويديره في حركة سريعة من فوق رأسه، إلى إن يأخذ مداه المناسب من السرعة، وفي هذه الأثناء يستعيده بحركة ارتجاعية سريعة معاكسه لاتجاهه الاول ، تجعله يضرب بهذه النهاية في السماء ، فتحدث صوتا مرتفعا كصوت الانفجار، وبسبب هذا الصوت تفزع الطيور فتولي هاربة، ويكرر العملية مرة بعد أخرى حسب معاودة الطيور، وبعضهم يستخدم صفائح (تنك) فارغة يضرب فيها بيده أو بعصا فتحدث جلبة عالية تفزع منها الطيور فتهرب، والبعض قد يستخدم (المرجمة) الميضفة، وهي مقلاع مصنوع من الحبال في طول المترين أو يزيد ، وفي منتصفها حامل من القماش أو الجلد  توضع فيه الحصاة، فيمسك بطرفيها بشكل متوازن يحافظ على أن لا تسقط الحصاة، ثم  يقوم بتحريكها بشكل دائري فوق رأسه، فإذا ما اخذ الوضع المتمكن في هذه الحركة، والقوة المطلوبة التي يعرف مداها المناسب، أطلقها في الجهة التي حددها، بإفلات احد طرفيها لتنطلق الحصاة من مكانها بقوة، إلى الهدف المرغوب إصابته أو قريبا منه، والإصابة بها تخضع للمهارة والخبرة والإتقان.

    والمزارع لا يعدم وسيلة في الحفاظ على محصوله، لأنه حياته وشقى عمره فلا يفرط به بسهولة، والتجارب والخبرات المتوارثة والمكتسبة علمته كيف يتصرف، وهناك كثير من الافات والحشرات قد تضر بمحصوله ، ولكل نوع ما يقابله من المكافحة والوقاية، فمن حمايتها من الافات والحشرات وغيرها قد يذر الرماد او يتتبع بازالة بعض العوالق او ما يعتقد انه سيجلب الضرر لمحصوله، فاذا ما تم الحب واستوى على سوقه ، باشر في الحال بالحصاد(يحش أو ينصد) وهو قص الزرع على مستوى الذراع من الارض تقريبا، فيكومه على شكل حزم على طرف الزبير لتكون روسها (العقذ) في الخارج ، وقد يجعل فوقها مجموعة اخرى لكن يكون اتجاه روسها إلى احدى الجهتين اليمنى أو اليسرى،  فالغاية إن لا تلتصق الحبوب بالتربة فتفسد اذا لا صقتها، وبالذات مع الرطوبة من ندى الصباح(الطل) أو عند نزول المطر، وقد تتعرض لهجوم بعض الحشرات مثل النمل الاسود(النامية)، لذا يرفعها بهذا الشكل عن كل الافات المتوقعة،  وتبقى على هذه الكيفية حتى تجف تماما، وتختلف مدة بقائها حسب العوامل الجوية من جفاف أو امطار ، فقد تبقى من خمسة ايام إلى عشرة، فاذا ما جفت بدأ في قطاف العقذة (الصريب)، حيث يجمعها من القصب في مكاتل كبيرة ، فينقلها إلى المجارين (جرن)، ويكومها فيها اكواما كبيرة، وتاتي المرحلة التالية من فرز الحبوب وتصفيتها، فاذا كانت الكميات قليلة ومحدودة فرزها بالخبط ، بان يضربها بواسطة عصي طويلة مخصصة لذلك (مخابيط مفردها مخباط)، فيأخذها على كميه محدودة إلى طرف الجرن، ويواصل ضربها بهذه العصي اما من شخص واحد أو اكثر، حتى يتيقن من أن كامل الحب قد نزل منها وانفصل عن بقية الفضلة، وبعدها يرفع هذه الفضلة ويلقيها، ثم (يجول) يجمع الحب النازل منها إلى الارض ويرفعه، وعلى نفس المنوال يأتى بكمية اخرى إلى أن ينتهي من كامل المحصول ، اما إن كانت الكميات من المحصول كبيرة جدا، فعندها يفرزها (بالطياب) وهو دوسها بالثيران تسحب خلفها حجر كبير (جميرا) ويكون بثور او اثنين أو اكثر حسب الكمية ومساحة الجرن، فاذا استخدم ثورين (ضمد) فيكون بواسطة رعوة واحدة خاصة(مقرنة) يقرن فيها الثورين ليكونا قريبين من بعضهما لا يفترقان، ويربط بهما حجر كبير بيضاوي الشكل (الجمير) وزنه في حدود خمسين كيلو تقريبا، ويساقان ليدوران  به فوق اكوام المحصول، ويشرف على سياقتهما وحركتهما بعض من لهما الخبرة في ذلك، وحولهم من يحملون عيدان طويلة لها اطراف متشعبة (مخرشة) يقلبون بها الحب بين فترة واخرى، مما يساعد على  فصل الحب عن فضلته (العزمة) واذا اكتمل فرزه صفوا منه الحب كما سبق وذكرنا ، وياتون بكمية اخرى حتى ينهون كل المحصول ، وفي العاد يقومون بهذه العملية ليلا، ويطلب من يعينهم عليها من الجيران واهل الخبرة،  ويجهز لهم الضيافة والعشاء، ولها عديد من الاهازيج والاغاني المتوارثة  ومنها :

        دوروا وحوقوا على الاطرافي               حجى قها حب هليل صافي

ومنها:

      ربي احجب لي على بنات المدربه         الحب يربي واحماطو ليبه

     وبعد فرز الحب باي من الطريقتين السابقة ، يأتي عملية التنقية وتصفية الحب تماما من كل الشوائب (المذاح) حيث يتم اختيار المكان والوقت المناسب لذلك ، مكان بارز للهواء، وهواء شديد نسبيا ، فيصب الحب وهو واقف بواسطة اناء صغير إلى اناء اخر كبير أو على بساط ممدود في الارض ، ويكون بكمية محدودة ومقننة عندما يحس بمرور الهواء المناسب الذي يطيح ببقايا الشوائب الخفيفة وينزل الحب إلى الاناء الاخر نظيفا خالصا، وقد يكرر العملية لعدة مرات حتى يتيقن من زوال كل العوالق.

     ويصوب الحب في بعض زوايا البيت ، واذا كان محصولا كثيرا لن يستهلكه بكامله في وقت قصير ويرغب في الاحتفاظ به لفترات طويلة قد تصل لسنين، لانه قد يحتاج اليه مستقبلا اذا ما امحل عليه الموسم التالي ، فاذا لم يحتاط لمثل ذلك كان مفرطا،  وقد لا يجد حينها ما ياكل، والطريقة المتبعة لحفظ الحبوب ، يختلف حسب الفترة المرغوب حفظه فيها، فاذا كان يرغب في حفظه لسنين فعن طريق المدافن، فيقوم بحفر حفرة عميقة نسبيا في حدود خمسة او ستة امتار، واسعه من داخلها نسبيا وضيقة من الاعلى، حتى يسهل عليه احكام قفلها ، وعادة يختارون لذلك مكانا امنا داخل البيت او في الفناء ، ويكون موقعا في الغالب لا يلفت النظر، حتى لا يدري عنه من قد يسطو عليه، فقد تمر بالناس مجاعات يضطر بعضهم إلى السرقة أو أي شئ في سبيل الحصول على بعض الحب، فاذا ما علم بمكان احد هذه المدفن فلن يتركها.

      اذا اكتملت حفرة المدفن بالعمق المناسب، يقوم بفرش ارضيته ببقايا (العزمة) فضلة الحب التي ترمى ، وبعدها يصب الحب في الحفرة حتى تمتلئ بالكلية، ويقفلون عليه الفتحة بحجر مناسب محكم، ويدفنونه بالتراب حتى يتساوى مع الارضية المجاورة له، ويبقى سنين طويلة .

     اما في حالة كان محصول العام قليلا ، يكفي الاستخدام الحالي ، فيكون حفظه في هذه الحالة في اكياس كبيرة من الخصف (عجار) او من الخيش ، فاذا ما ملئها بالحب وضع فوقه طبقة من الرماد، ليحميها من الحشرات وبالذات الفراش ؛ لانه في العادة يبيض فوق الحب ، فاذا ما فقس هذا البيض تولدت منه ديدان تفسد الحب، او قد يحفظه في حوايا او احقبه تبنى على جوانب الجدران في البيوت، ويفرش ارضيتها بطبقة خفيفة من الطين النظيف ، ثم يضع الحب ويضع فوقه طبقة أخرى من الطين ليمتلئ تماما، واكثر ما يحفظ هكذا حبوب الذرة والدخن الدجرة والقشد.

وهكذا يطمئن على محصوله وانه سيستفيد منه الفائدة المرجوة، ثم إنه يتجه من جديد إلى مزرعته التي تركها بعد اخذه ثمرة جهده هذا العام ، فيعود اليها لاستكمال جني بعض التوابع لمحصوله الاساسي ، ولتهيئتها لموسم جديد اخر ، فهنا يجمع القصب المتناثر في حزم صغيرة (حدرا) وهي في العادة من اختصاص النساء، لانهن اكثر حرصا على هذه المخلفات، حيث يستفدن منها اما علفا للمواشي أو حطبا للطبخ،  فبعد ان يقمن بربطها في حزم صغيرة،  يركزنها على جنبات الجدران الداخلية للحياف(الحرار) حتى تجف تماما ، فاذا كانت كثيرة قد لا تستهلك في وقت قصير ، تجمع مع بعضها مستقيمة اصولها في الارض ورؤوسها في الاعلى ، ويضم بعضها على بعض بقوة في وسط احد المدرجات (الحياف) على شكل هرمي (مرمادا)، وقد يتكون هذا المرماد من حوالي خمسين (حدرة) او اكثر، ويربط من الخارج بالحبال واحيانا يغطى بما يحميه، او يجمع هذا القصب في احد المنازل الخالية او في احد الكهوف الكبيرة إن وجدت، والغاية هو بقائه لاطول فترة ممكنة ، تصل لسنين عديدة يستخدم علفا للمواشي وقت الحاجة،   وتنظف الارض من بقايا هذا الزرع (الجذامية)  فيقوم على استئصالها من الارض بنتفها بيده إن استطاع او يستعين على ذلك بالفرسة (المسحاة)، وتعزلها في اطراف الحيفة وتستخدم في الغالب حطبا، وهذه أخر مرحلة من اعمال هذا الموسم ، حيث يكون المزارع قد انتهى من زراعة الذرة، وهي المحصول الرئيس لديه.

    اما اذا ما كان يرغب في زراعة الدخن بدل الذرة في هذا الموسم ، او يزرع النوعين مع بعضهما،  فهنا لا بد أن يكون قد خطط لذلك مسبقا وخصص لكل نوع منهما جزء معينا ؛ لأن الدخن يتاخر وقت زراعته عن الذرة قليلا، فالدخن يكون اسرع نموا من الذرة،  فاذا ما مخصص مكانا للدخن قام بزراعة الذرة في وقتها المناسب في المكان الذي حدده لها، فاذا ماوصلت إلى مرحلة (المخين) أي ارتفعت في حدود الذراع عن الارض ، جاء دور بذر الدخن  بنفس طريقة الذرة،  ليكتمل نموهما في وقت واحد، ولا تختلف طريقتهما في كل المراحل ، فهو يتبع نفس طريقة التعامل مع الذرة في التنظيف والحفظ وغيره.

وهناك محصول اخر لا يقل اهمية عن هذه الحبوب، ولا يتركه أو يفرط فيه المزارع ابدا، ألا وهو زراعة (الدجرة والقشد) اللوبية والفاصولية الفولية، فموسمها يتوافق مع موسم زراعة الذرة أو الدخن، ولا تاخذ في العادة مساحة من مزرعته ، لانها تزرع في الغالب في اطراف (الحياف في الاعواس او الحليط او الزبير) لانها نباتات متسلقة يتطلب وجودها حول احد الجدران لتعتمد عليه، فهي تتدلى على الجدران إلى الاسفل اذا كانت على (الزبير)، أو الى الاعلى إن كانت في (الحليط) وهي تاخذ نفس فترة الذرة أو الدخن تقريبا، وقد تتاخر عنهما قليلا وذلك لا يضر، ولا تحتاج الى عناية او متابعة ، فاذا مااكتملت ونضجت تم جمعها وتسمى هذه العملية (قشية)، وتنظف عن قشرتها بعد ان تيبس قليلا بالمخباط، وقد يحتفظ بها لفترات طويلة فهي لا تتاثر ولا تفسد بسرعة، فقد تحفظ في مدفن او في اكياس أو عجار او حقبه بنفس طريقة حفظ الحبوب المذكرة.

    وهنا يكون المزارع قد انهى العمل الرئيسي في عمله، فهذا المحصول هو اهم المحاصيل لديه في السنة، وهو ما يركز عليه في الغالب في هذه المنطقة، واذا ما رغب في الاستفادة من ارضه لموسم الربيع التالي ، فعليه إن يبدأ من الان في تهيئها والا فكثرة الزرع والقلع ينهك الارض وتقل خصوبتها، ويتم تهيئتها بالعمل (الحرث) والعزق لتجديد التربة، ثم رفع اطرافها (التزبير) لحفظ الماء داخلها حتى ترتوي، وعادة يناسب هذا الفصل البر أو الشعير أو الكناب ، وهو محصول خفيف لا يؤثر كثيرا على الارض.

   وزراعة البر بسيطة وسهلة،  فهو اثنا العمل (الحرث) يقوم بنشح الحب في نفس التلم ثم يدفنه برجله، ليضمن تغطيته تحت التراب، اما الشعير فينشحه في  الارض قبل الحرث ، واذا ما حرثها يكون الحب قد اعتجن بالتراب فينبت، فهما لا يحتاجان إلى كثيراهتمام او عناية، فاذا ماتم اكتمالهما واشتد الحب في سنابلهما ، يتم حصدهما بالنتف(بقمه) وهونزع الزرعة بكاملها من مكانها وطرحها على الارض، وتبقى على الارض حتى تنشف وتجف تماما لمدة اسبوع تقريبا، ثم يشفي السنابل بالسكين، ثم يـخبطها حتى ينفصل الحب عن السنابل.

وبعدها تكون المزرعة مستعدة لموسم رئيسي جديد، وعام مرتقب اخر، ويسير على نفس الطريقة وبنفس الاسلوب دون تغيير، وهكذا تدور حياة المزارع مع مزرعته، عمل دائب متكرر لا يكاد ينتهي الا ويبدأ من جديد، وعلى قدر جهده وعمله وبذله يكون المردود، وعادة ليس الرجل وحده الذي يعمل كل هذه الاعمال ففي الغالب تجد كل اهل البيت يعملون مع بعضهم في عمل دائم لا يفتر.

   للمزارعين كثير من الاهازيج والاغاني تعينهم على مشقة العمل وتنسيهم كثير من التعب، يروحون بها عن انفسهم وحتى على الدواب التي تعمل معهم،  فلكل عمل ما يناسبه من الالحان والاهازيج، فتجده اثناء الفرس او الحرث او البذر والحصاد اناشيدها والحانها الخاصة بها،  توارثها جيلا بعد جيل ، وقد يستحدثون شيئا منها على نفس اللحن أو قريب منها ، وعادة يكون اللحن والغناء متوافقا مع حركة العمل الذي يمارسه، سرعة أو بطئا وخفيفا أم ثقيل ، في معظمه، في (الفرس) وهو عزق الارض ويحتاج الى قوة وجهد مضاعف ، ويختلف ايضا اما أن يكون في التهيئة قبل الحرث، او للفرس على الزرع والمخين، فكثير ما تسمع الاصوات تتردد في جنبات المزارع بـ (الحومة)، وهي كلمات مكررة قد لا يكون لها معنى ظاهر مفهوم ، بل هي صوت يخرج من الاعماق قد الفوه وساروا عليه، وبعضهم يبنون عليه بعض الكلمات المناسبة، ومثال هذه الحومة على النحو التالي :

(وآلايآحآوام وآلا يا حآوام واحاوماه ).

ووكذلك مع الفرس على الزرع أو الصريب (الحصاد يرددون (امباله) ومنها :

(وآبآل بالي وآبالا بآ لآه)، وقد تكون مقاطع وملازم تتخليل بعض الاشعار المناسبة مثل:

(هني حياف سوى وآمدينة ابن رايس، واستريبها سايروح على بزل العيس، بآل بالي وبال باليه بالاه).    وقولهم:

(والحمد لله كثير ماله مقايس، باعداد حب الذرة وزهر الغرايس، بآل بالي وبال باليه بالاه).

 ومن الاهازيج الاخرى ما يردد في موسم الشتاء يوافق وسط الصيف ومنها:

(ياالله ظلالك لي من الحمى    ما قال عبد الله ـــــــ وللعجايز بارق السماء  من بين خلق الله)

وفي الصيف ومع الفرس ومنها قولهم:

(شمس لا تغربي عدلي مناوي       لي مناوي وسوق سوق جاوي)

    وكذلك:

(عاس واقرب ولا ريعنا لساعة        مدغمات ولا تا تطبع طباعة)

    وكذلك:

(عاس واقرب ولا قومي من ورايه        قد تعازمنا ولا عادو برايه)

وفي (الحشان والستريب) الحصاد يتردد  مغاني منها:

(ياالله ظلالك تظل سود القعاشي     والشمس في سابع السما نار وآشي)

  وكذلك:

(ياوارد الماء واسقني عني من الضميانيه       عني من الضميانية وارد على الحيدانية)

وفي النشاير العمل التطوعي في المساء اما من بعد الظهر او من بعد العصر:

 (غاربات الشموس في بحور بعيدة         غاربه في اللموس من خلاف الو قيده)

وغيرها مما يعينهم على التحمل ومضاعفة الجهد وعدم الاحساس بالتعب الذي يكابدونه، فيرددونها في الحان جميلة تتناسب مع نوعية العمل، ومع حالة الجو، بل وحتى مع ساعات النهار المختلفة، ففي الصباح لهم الحان خاصة قوية،  وفي الظهر كذلك لها ما يخصها، وفي العصر وقرب المغرب ما يناسبه .

   وقد يستعين المزارع في بعض الفترات ببعض العمال بالاجر، او يتفق هو ومزارع أو اكثر على إن يساعد كل منهم رفيقه في الفترات الصعبة التي تحتاج لا كثر من عامل، فيما يسمونه بـ( المفاواه) وهناك بعض المزارعين ممن يملكون مزارع كثيرة وكبيرة، او يكون احدهم ذا مركز او جاهة وله مكانة في مجتمعه، فقد يطلب من جماعته او اهل جهته او أي مجموعة اخرى العمل معه في يوم معين، اما وقت الحرث او الحصد او الفرس ، أو أي مرحلة من مراحل العمل في هذا الموسم، فيحضر مجموعة كبيرة تسمى (عونة أو عانة) فيحضر كل منهم بعدته المناسبة للعمل المطلوب، ويكونون في ضيافة صاحب العمل حيث يقوم باكرامهم، وتهيئة كل ما يلزم لهم من القهوة والاكل اثناء النهار، وفي المساء يذبح لهم الذبائح ويكرمهم ابلغ اكرام، فإذا ما تعشوا أستمر سمرهم وسهرهم وممارسة اللعابهم الشعبية إلى وقت متاخر من الليل، وتكون لهم جميعا فرصة للتلاقي والخروج عن الروتين يسيرون عليه غالب العام ، واما اذا كان عملا خفيفا لا يستوجب عمل النهار بكامله ، فيكتفون بالحضور من الظهر او من بعد العصر فيما يسمونه (نشيرة)، وقد تكون هذه النشيرة فزعة أو تبرعا من مجموعة لرفيق لهم عجز عن القيام بعمله اما لمرض أصابه او أنه غائب عن مزرعته لشئ مهم يقدرونه، فيقمون باعداد مزرعته نيابة عنه لهذا السبب، او لكون المزرعة تخص ايتاما او ارامل أو نساء ضعيفات ، ففي الغالب يتنادى مجموعة من الجيران في أن يتلقوا في مساء احد الايام اما من بعد الظهر او قبل العصر قليلا، ليقوموا بعمل ما يلزم لهذه المزرعة ، فاذا ما غربت الشمس انصرف كل منهم إلى بيته، حتى لا يلزمون اهل هذه المزرعة بضيافة أو تكاليف تصعب عليهم، وقد يقبلون شيء بسيط من القهوة او الماء للشرب فقط.

وهذا النوع من التعاون والتازر ساروا عليه ، وتعارفوا على فعله فيما بينهم،  واصبح له نظامه وقوانينه، ولا يحتاج كثير منهم إلا إلى التذكير بالموعد المحدد فقط ، ليقوم سريعا بالمبادرة في المشاركة، لا يرجوا جزاء إلا من الله سبحانه وتعالى.

والى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله.

                                          محبكم / عبد الله بن علي قاسم الفيفي ــ ابو جمال

‫4 تعليقات

  1. رااااائع جدآ
    سلمت اناااا ملك وووفكرك الراااااقي استااااااذي الفااااااضل
    ووووبارك الله فيك من أجمل قرات.
    اعدت بذاكرتنا للوراء زمن البسااااطه
    زمن الاصاااااله زمن النفووس الطااهره الطيبه
    رحمك الله وووو وووو الدي وأسكنك الفردوس الأعلي في الجنه

  2. السلام عليكم ورحمة الله
    الله يجزاك خيرا أبا جمال ، لقد ذكرتنا بتلك الأيام الصعبة التي كان كل أفراد الأسرة يشاركون فيها بالعمل ، الكبير والصغير. ، الذكر والأنثى ، كل في مجاله ، وحسب قدرته واستطاعته

  3. من اروع ما قرات عن التراث والتقاليد الزراعية الفيفية.
    ليس غريبا أن يصبح هذا الموضوع المميز وأمثاله وثيقة مهمة في المستقبل عندما تعود فيفاء والجنوب عموما لحقبة ما بعد النفط التي هي آتية لا محالة، وعندما نعود للعصر الزراعي سنجد أن الأجيال لم يعد لديها أي فكرة عن هذه الثقافة الزراعية وهكذا بدل ان يبدأوا من الصفر يجدوا أساسا متينا كهذا لينطلقوا منه.

    بوركت أستاذ عبد الله وبورك قلمك وفكرك وزادك الله إخلاصا وتيسيرا وتوفيقا

    أخوك حسن بن جابر المدري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق