مقالات

هكذا زعموا . . كذباً

جاءني قبل ما يقارب السنة اتصال عبر الجوال من أحد الأشخاص وزملاء الدراسة ، مستغرباً هذا الاتصال وهذا الوقت وهذا الشخص الذي لم يكن بيني وبينه لقاء إلاّ مرة واحدة في العام ، ومكالمة زادت على الساعة والنصف ، مع معرفتي بهذا الشخص جيداً حيث لم يبلغ من العلم مبلغاً ، ولم يقرأ من كتب شيخ الاسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ شيئاً ، ولم يتشرف بمجالسة العلماء لطلب العلم أو السماع لهم .
فكان ملخص مكالمته أنه أراد أن يقنعني بأن (بين كتاب الله تعالى وبين صحيحي البخاري ومسلم تناقضٌ جملة وتفصيلاً) يا ليتني متُ قبل هذا وكنت نسياً منسياً .
مع علمي وقناعتي بخلاف ما كان يحاول إقناعي به ، وأن هذا الدين أصلٌ أصيل محفوظ بحفظ الله تعالى كتاباً وسنة ، وبعد جدالٍ طويل بأدلة وبراهين يائسة حاول وجادل ولكن دون جدوى ، وزعم أن عقولنا تفكر أفضل من السابقين وأن لدينا كل الإمكانات ، قلت له : كلاّ . . وحاشاهم أن نكون أفضل منهم ، فعلماءنا الأجلاء السابقين هم الذين نقلوا لنا هذا الدين ، وأننا مهما بلغنا من العلم فنحن عالة على علمهم رحمهم الله .
فسبحان الله خالق الأسباب ومسببها ، فقد كانت هذه المكالمة سبباً في البحث والاطلاع والقراءة الطويلة حول هذا الموضوع الخطير ، الذي تلقفه جهّال الناس وطاروا به فرحاً بين الناس وجهلاً منهم بعواقبه الوخيمة ، وإنما هي شبهٌ ضالة وضئيلة البراهين استند عليها المنكرون للسنة النبوية لنيل مآربهم .
لنجد وللأسف . . أنه انتشر بين بعض شبابنا المثقف بثقافة (قالوا) وثقافة الجرائد الإعلامية ومواقع التواصل أفكار هدّامة خطيرة جداً على ديننا ومجتمعنا ، يزعمون بحسب علمهم وثقافتهم الضحلة وجود تعارض بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، حاشاهما يتعارضان ويتضادان أو يختلفان أو أن توجد أحاديث تعارض آيات قرآنية ، وهذا لم يحدث بتاتاً لأنهما وحيٌ من الله تعالى فحاشاه أن يوحي بوحي يخالف بعضه بعضاً ، فكيف يختلفان ومصدرهما واحداً . . عقلاً لا يجوز أبداً .
فهؤلاء الشباب مغررٌ بهم ، يتلقون هذه الأشياء التي لا تنفعهم وإنما تضرهم وتضرّ منهجهم وعقيدتهم وتخالف منهج الأئمة من قبل وتخالف منهج السلف الصالح وعلماءُ الإسلام ومنهجُ هذا البلد المبارك الذي توحد على الكتاب والسنة ، فهم شباب مغرر بهم أصبحوا آلة سهلة في يد الأعداء وبوقاً ينفخون فيه أفكارهم الهدامة ، يزعمون باطلاً أنهم يعترفون بكتاب تعالى فقط ، وينكرون السنة النبوية وحجيتها بدعوى أنها لم تسلم من التحريف على مدى قرون طويلة ومخالفة بعضها لكتاب الله ويريدون إسقاط الصحيحين وصحة ما فيهما وهما أصح الكتب إطلاقاً بعد كتاب الله تعالى .
قال الحافظ السيوطي ـ رحمه الله ـ ” وأصل هذا الرأي الفاسد ، أن الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى انكار الاحتجاج بالسنة ، والاقتصار على القرآن . . ” . (1)
هكذا زعموا . . وقد كذبوا والله ، بأن السنة النبوية اعتراها التحريف على مرّ الدهور والأزمان ، نقول لهم ظهرت محاولات يائسة للتحريف ، ولكن العلماء تصدوا لهم ، وبينوا صحيح السنة النبوية من سقيمها ، ومع ذلك يقارنون صحيحي البخاري ومسلم بكتابي بحار الأنوار والكافي ، كيف تقارن الحق بالباطل ، والهدى بالضلال ؛ إنه الجهل والحماقة والغباء ، فلو فكّر لعقل ، لكنها أفكار تملى عليه بكرة وأصيلاً .
فهم بهذه الأفكار الهدامة يقدحون في كتاب الله تعالى ويريدون أن يهدموا عدالة وأمانة من نقلوه لنا ويريدون إسقاط السنة النبوية من التشريع الإسلامي ، وينكرون صحة النقل في البخاري ومسلم وكتب الصحاح ليهدموا حجية السنة بقولهم أنها تخالف القرآن الكريم بزعمهم الباطل .
فليس هناك تعارض بين القرآن والسنة مطلقاً كما يفهمه الجاهلون ، فالسنة النبوية مكملة ومفسرة للقرآن العظيم وكلاهما وحيٌ من عند الله ، ولكن من أراد أن يفهم القرآن والسنة فلا بد أن يكون له رصيد من الحكمة القرآنية ، وله ذوق أدبي ، وعلى دراية بأغوار النفس الإنسانية وأحوال المجتمعات البشرية ودراسة عميقة للسنة المطهرة ، ولا يكفي في ذلك مطالعة كتاب أو حفظ بعض الأحاديث أو تلقف الشبهات .
فهذا مصداق لحديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : “ألاّ إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألاّ يوشكُ رجلٌ شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم من حرامٍ فحرموه . . . ” .(2)
وإليكم فتوى فضيلة الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ : (3)
لا يتعارض حديث مع كتاب الله أبداً ! وما يبدو حيناً من تعارض هو من سوء الفهم لا من طبيعة الواقع ، وذلك مثل حديثِ “لن يدخل أحدٌ الجنةَ بعمله”(4) وقولِه تعالى: (ادخلوا الجنةَ بما كنتم تعملون) . (5)
الفهم الصحيح للموضوع كله أنه لا بد من عمل يَنال به المرءُ رضا ربه ويستحق رحمته ، فالجنة ليست للكُسالى والأراذل ، بيْد أن العمل المقبول هو المقرون بالتواضع لله ، وإنكار الذات ، والقلق من أن يرفض رب العالمين العملَ المتقرَّب به ؛ لأنه لا تَخفَى عليه ، أو لأنه دون حقه ، أو لأي سبب آخر .
فمَن تقدم بعمل وهو شامخ الأنف ، ليس في حسابه إلا أنه قدَّم العمل المطلوب للجنة ، وعلى الله أن يسلم له المفاتيح ليدخلها بعد ما امتلكها بعمله! هذا المغرور لا يقبل منه شيء ، ولا مكان له في الجنة .
أما من جاء خاشعاً خفيض الجناح ، شاعراً بالانكسار لأنه لم يقدم ما اللهُ أهلٌ له ، فإنه يدخل الجنة بعمله ، والدلائل على هذا المعنى كثيرة ، وما يعقلها إلا العالِمون!
إن السنة بحر متلاطم الأمواج ، وما يستطيع فهمها على وجهها إلا فقيهٌ يدرك ملابسات كل قول والمراد الحق منه! فإن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ظل يكلم الناس ثلاثًا وعشرين سنة ، اختلفت فيها الأحوال وتباين الأفراد وتشعبت القضايا .
ووضعُ كل حديث بإزاء المقصود منه أو معرفةُ النطاق الذي يصح فيه هو عملُ الفقهاء ، وهو عمل لا مَناصَ منه وإلا حرَّفنا الكلم عن مواضعه!

والمحزِن والله أن أناسًا لا فقه لهم تكلفوا ما لا يُحسنون ؛ من قراءة للسنة وإفتاء بها ، فأساءوا ولم يحسنوا ، وهم الآن حَجَر عَثرة في طريق الدعوة الإسلامية! والذي أراه أن السنة ركن الإسلام بعد القرآن الكريم ، ولكن لا يشتغل بتفاصيلها إلا الفقهاء ومن يعنيهم الأمر من الولاة والقضاء والدعاة والمتخصصين في أي مجال يحتاج إلى الإلمام بهذه التفاصيل ، أما رجل الشارع أو الشخص العادي فإن أربعين حديثًا تكفيه وتُغنيه .
وعلى أية حال ما يجوز لجاهل القرآن أن يُحدِّث الناس أو يتصدر للفتوى في شئونهم .
وإن أمور الدين والقرآن والحديث لا يتكلم فيها إلاّ من له باع طويلٌ في العلم الشرعي وتأصيله وليس كل مهرج يؤخذ بكلامه ، فأهل الحديث تفرغوا له وكما أهل الفقه تفرغوا للفقه وأهل التفسير كذلك ، فعلم الحديث والسنة بحرٌ لا ساحل له ، لا يفهم أغواره إلاّ متخصص ، ولن يلج قاعه إلاّ علمائه ، “قد علم كل أناس مشربهم” .
فيا عجباً أيعقل مسلم يقول : كيف وصل لنا هذا الحديث عبر هذه القرون ولم يتغير ولم يبدل ، فهذا من حفظ الله تعالى لدينه القائم على الكتاب والسنة ولا ينفصلان ولا يتعارضان ولا يتضادان أبداً ، وتوفيق الله وتسخيره لأناس مخلصين تكفلوا بهذه الأحاديث تدويناً وكتابة وتنقيحاً وتهذيباً ، فالسنة تفصيل لما جاء في القرآن العظيم وتطبيق له ، القرآن وحي من الله لفظاً ومعنى ، والسنة وحي من الله معنى ومن رسول الله ﷺ لفظاً .
فإنكار أي حديث صحيح لا يجوز وخاصة إذا كان يترتب عليه حكم شرعي قد يصل إلى الكفر بالله ، ” ومن يطع الرسول فقد أطاع الله” .(6)
ثم والله أنني أعجب أشدّ العجب ؛ كيف اكتشف البعض المتعالمين تعارضاً في الدين والعلوم الشرعية ولم يكتشفه الصحابة والتابعين وعلماء الأمة الراسخين في العلم ، ويكتشفه شخص ليس لديه ذرّة من العلم الشرعي إلاّ ما تلقفه من الشبهات عبر واتسابه وفيسبوكه .
وزعمه النهي المطلق من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابة الأحاديث ، فالتدوين الحديث بدأ في عهد رسول الله ﷺ ونهى عنه خوف الاختلاط بالقرآن ، ثم أباحه بعد ذلك خوف النسيان ، وتتابع العلماء على الكتابة لكن القرن الثالث تميز بالمصنفات والتجريد والتنوع في العلوم .
فهذه السنة المطهرة حجة على العباد أجمعين شاء من شاء وأبى من أبى (وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم إيمان بما جاء به ، (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين من بعدي) . (7)
ومعلومٌ أن “القرآن العظيم” أصلٌ ثابت ومقطوعٌ به على الجملة والفصيل ووظيفته الأساسية : هداية الخلق وإرشادهم لما فيه خيرهم بالدارين .
و”السنة المطهرة” مقطوع بها على الاجمال فقط ، لأنها استندت في حجيتها على ما قرره القرآن ، ووظيفتها الأساسية : البيان والتفصيل .(8)
وأما صحيحي البخاري ومسلم ـ رحمة الله على مؤلفيهما ـ فهما أصح الكتب إطلاقاً بعد كتاب الله تعالى ، فقد قطعوا الأرض على أقدامهم من أجل تدوين السنة وحفظها من الضياع بأيدي العابثين والكذابين فلو يكتب الناس في الحديث إلى قيام الساعة فمصيرهم يرجعون إليهما .
ومقارنتهما بالكافي وبحار الأنوار جريمة عظيمة فلا يجور مطلقاً وفيه خطر على عقيدة المسلم ، ولم يشرذم الأمة إلا من يتكلم بغير علم ولا معرفة ولا دراية علمية .
فلماذا لا تتفرغون أنتم أيها العباقرة وتكفون الناس مؤونة أخطاء الدهور الماضية ، فتصححون السنة كاملة وتوضحون صحيحها من سقيمها ، حتى تحمدكم الأجيال القادمة بما فعلتم ، وألفوا في ذلك مراجع قادمة تخدم العصر الحديث تفوق صحيحي البخاري ومسلم في الدقة والصحة والشروط والتواتر والآحاد ـ وحاشاهما ـ وأعلنوا للملأ أنكم اكتشفتم ما جهله العلماء وغفل عنه السابقون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى عصرنا هذا .
فأنصح كل من أراد العلم الشرعي الصحيح فليبحث عنه في بطون الكتب الصحيحة ، وليجالس العلماء الربانيون فلا يسمع لكل ناعق من الرافضة والزنادقة ودعاة التغريب ، فالمسلمات والثوابت خط أحمر ، ومنكري السنة يقدحون في كتاب الله تعالى أولاً ، ومع ذلك اتخذوا لهم من الجهّال مطايا وأبواقاً ، ينشرون بهم شبهات(9) ضعيفة بين الناس ، ويريدون بذلك هدم عدالة الصحابة ومصداقيتهم رضوان الله عليهم ليتسنى لهم الوصول ويزين لهم الطريق إلى هدم الإسلام ، ونسف قواعده العظام .

كتبه / الأستاذ عيسى بن سليمان الفيفي
‬الاثنين 20 / 10 / 1437هـ

(1) ـ مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة : للسيوطي (ص 6) .
(2) ـ أخرجه أبو داود في كتاب : السنة ، باب لزوم السنة ، (برقم 4604) .
(3) ـ كتاب : مائة سؤال عن الإسلام للغزالي رحمه الله ، (السؤال 40) .
(4) ـ صحيح مسلم ، كتاب صفة القيامة ، حديث رقم (2816) .
(5) ـ سورة النحل الآية (رقم 32) .
(6) ـ سورة النساء ، الآية (رقم 80) .
(7) ـ أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب الاقتداء بسنن النبي ف برقم (6069) .
(8) ـ الإيضاح في علوم الحديث والمصطلح : (ص 36 ـ 37) .
(9) ـ هذه الشبهات بينها العلماء وفندوها بالأدلة في مؤلفات كثيرة ، ومنهم الدكتور مصطفى السباعي
في كتابه : السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ، الفصل الرابع كاملاً والفصل الخامس في ما
يقارب عشرون صفحة ، ورد على منكريها قديماً وحديثاً وعلى المستشرقين . . وهو أفضلها .
وكذلك الشيخ سعيد عبد الماجد الغوري في كتابه : السنة النبوية حجيتها وتدوينها .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: