مقالات

بيئتنا إلى أين ..؟

بسم الله الرحمن الرحيم
لقد من الله سبحانه وتعالى على أهل فيفاء بهذا الجمال الرباني وهذه الطبيعة الساحرة مع اعتدال الجو في كل فصول السنة فهذا الوقت مثلا هو الصيف لكن الساكن في فيفاء لا يكاد يدرك ذلك فجونا ربيعي تزيده رونقا وبهجة نعمة الغيث السكاب الذي لا يكاد يتوقف ليوم واحد في هذه الأيام ولعل أحدنا قد يتأمل هذا الجمال وهذا الجو الرائق فيتذكر بذلك نعيم الجنة نسأل الله من فضله ، لكنه لو ذهب في هذا الوقت لأي مكان آخر في أرجاء وطننا الغالي لتذكر النار وخشع قلبه واستعاذ بالله منها .
لكن هل قدرنا هذه النعمة وهل وفيناها حقها ؟؟ إن محور الجمال الطبيعي ومداره في أي مكان هو توفر الكميات الكافية من الأمطار وهذا بفضل الله هو ما من الله به علينا حيث أن أعلى نسبة أمطار في المملكة هي في جبل فيفاء وهي ما يقارب خمسمئة مليمتر سنويا ما يزيد الجمال جمالا ويجعل البيئة تنمو وتزدهر ولكن عندما يتدخل الإنسان تبدأ حكاية أخرى ، فهو عدو البيئة الأول فقد تزدهر الحياة البيئية لقرون دون أي عائق ويتدخل الإنسان فيقضي عليها في سنوات قليلة ، وفي الحقيقة أنه عند الحديث عن البيئة وأهميتها ووجوب المحافظة عليها قد لا تجد الكثير ممن يهمه هذا الأمر كثيرا بل قد يعد ذلك ترفا وأمورا تافهة لا ينبغي الالتفات لها وقد يراك متفلسفا أو متفيهقا . لكن الحقيقة غير ذاك والأمر بأهمية أكبر مما نتصور جميعا ففي أمريكا مثلا قبل سنوات أرادت شركة لصناعة الخشب قطع أشجار أحمر الخشب العملاق التي تعد من أكبر الأشجار في العالم وعندها قام مجموعة من النشطاء البيئيين بمحاولة التدخل لكن أحدا لم يلتفت لهم لأن الأمر يتعلق بصناعة بملايين الدولارات وفي النهاية قام كل واحد من هؤلاء النشطاء البيئيين ببناء بيت له كل واحد فوق شجرة ورفضوا النزول عنها حتى عندما شرعوا بقطع بعضها ، مضحين بأنفسهم من أجل قضيتهم واستمر نضالهم حتى كسبوا القضية واستصدروا قرارا ينص على أن تلك الأشجار ثروة بيئية لا يسمح المساس بها . وأمثلة أخرى مع شركات للتعدين وأخرى لصيد السمك أوقفت كثيرا من أنشطتها المدمرة للبيئة بفضل هؤلاء المتنورين الذين قدروا البيئة حق قدرها . ولو نظرنا لفيفاء من منظور بيئي لوجدنا أياد كثيرة عبثت ولا تزال تعبث بذلك الجمال دون رادع ولا حسيب ولعل البداية كانت مع تلك الجريمة البيئية عندما فتح أول خط بفيفاء وقاموا بإلقاء ردميات الخط يمنة ويسرة على مسافة مئات الأمتار لتلتهم الأشجار والمدرجات وربما البيوت أحيانا لتحيل ذلك الجمال قاعا صفصفا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا مع أن المهندسين قد أوصوا حينها بناء على طبيعة الجبل بنقل الردميات وقد رصدت ميزانية لذلك لكن توصيات المهندسين ذهبت إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم . وهاهو المشهد يتكرر الآن لكنه الآن بمباركة أصحاب الأرض فنرى كثيرا من جوانب الجبل قد أصبح مرمى ومقلب للردميات الناجمة عن تزايد الحركة والعمرانية والتي تحتاج لتسوية الأراضي أولا قبل البناء وقد لا ألوم كثيرا أصحاب المعدات ولكن اللوم كل اللوم على أصحاب الأرض فمن المعلوم أن فيفاء كله ملكيات خاصة . وقد كلمت ذات مرة أحدهم بأن يمنع الناس من رمي الردميات في ملكة لان ذلك أولا يدمر البيئة ويفسد المنظر ويدمر ما تبقى من مدرجات ويجرف التربة وغير ذلك فقال : الدنيا لله وكلنا غدا سنموت ونتركها ، ظنا منه أن ذلك صدقة جارية لكن الواقع أنه يريد أن تموت البيئة معه أو قبله وأن لا يتمكن أبناؤه وأحفاده من رؤية ذلك الجمال والتمتع به . إن النظام البيئي كالحلقة المترابطة وهو هش جدا قد يتأثر بفقدان أي حلقة منه ففي متنزه يلوستون الوطني في أمريكا قاموا بقتل كافة الذئاب في المنتزه في عشرينيات القرن الماضي لكن الحياة البيئية عامة في المنتزه بدأت بالتدهور وتأثر الغطاء النباتي بشكل كبير نتيجة زيادة عدد آكلات الأعشاب وعندما أجروا دراسة للمتنزه اقترحوا إعادة الذئاب ، وفعلا بعد إعادتها بدأت الحياة البيئية بالانتعاش مرة أخرى لعودة الحلقة التي كانت قد فقدت من السلسلة البيئية . وهنا نرى الناس يساهمون بشكل كبير في تدمير البيئة حيث نرى قطع الأشجار خاصة المعمرة منها وأحيانا لأتفه الأسباب أحيانا خوفا على خزان المياه الذي قد يبعد لخمسين أو ستين متر وأحيانا لأن أوراقها تتساقط على السطح أو في الفناء وإزالتها أمر مرهق ونرى قتل الحيوانات مثل الوشق المهدد بالانقراض أو النيص ( الدردر) أو الضبع ونرى الصيد الجائر أحيانا وربما دعوة الزملاء أو الأصدقاء للحضور لفيفاء للتمتع بالصيد وغير ذلك ، ولو نظرنا للحياة البيئية لوجدنا أنها تعاني وأن هنالك خللا واضحا حيث انقرضت العديد من الأصناف الرئيسية كالنسر و(الرخمة ) والطائر الذي نسميه ( العزاية ) وهو شبيه بالنسر ذو بطن أحمر والعديد من أصناف الطيور ، كما زادت مؤخرا أصناف أخرى كثيرة خاصة من الحشرات كالبعوض والدودة الألفية ( الحلبوبي ) و(العلق) و(البلعصم ) وغيرها كثير وربما أن لقتل الثعابين خاصة غير السامة دور في ذلك فهي تتغذى على هذه الأصناف ومن الثعابين غير السامة التي لا ينبغي قتلها حيث أن وجودها مفيد للتوازن البيئي الثعبان المعروف عندنا ب(الطفياني) والأفعى الصخرية ( المقطع ) وهنا بعض الأفكار للمحافظة على البيئة .
1- عدم السماح لأحد برمي الردميات في أي مكان من جنبات الجبل وحث أصحاب الأراضي على منعهم وإذا كانت مع تلك الردميات مخلفات بناء صناعية فضررها البيئي سيكون أعظم وأكبر خاصة أن البعض قد بلغ بهم الاستهتار لدرجة رمي الردميات على قارعة الطريق العام .
ونتمنى لو كان للجهات الرسمية موقف إيجابي من ذلك خاصة البلدية وذلك على الأقل بتخصيص أماكن بعيدة أو في أسفل الجبل في أماكن لا تضر بالبيئة ومحاسبة من يرميها في غير الأماكن المخصصة خاصة أن وجود الردميات صار أمرا محتوما وشر لا بد منه نتيجة للتطور السريع في مجال العمران والحاجة لتسوية الأراضي ونقل الردميات إلى مكان ما .
2- نشر الوعي بين المواطنين بعدم رمي النفايات وبقايا الطعام على قارعة الطريق فذلك يضر بالبيئة ويفسد المنظر وينقل رسالة سيئة عنا لمن يزور المنطقة وليس من الصعوبة وضعها في الصناديق المخصصة لها وبالنسبة لأولئك الذين يرون أن إعطاء بقايا الطعام للقرود بأنه صدقة فتلك قضية تحتاج وقفة خاصة فهم يتصدقون على القرود ويؤذون بذلك المسلمين فواعجبا لصدقة جرت ذنبا أعظم . فأولئك القرود بدأوا يغزون أماكن لم يكونوا يأتونها من قبل وما ذلك إلا لما يجدون من بقايا الأطعمة على قارعة الطريق وقد أصبح الناس يرمون لهم في وسط الجبل بعد أن كانوا يرمون لهم في أسفله مما جعل القرود يقتحمون الجبل ويعيثون فسادا في المحاصيل والأشجار ويعبثون بكل ما يجدونه أمامهم . وحتى لا نطرح الموضوع بلا حل فقد يقول البعض وأين نضع بقايا الطعام إذن ؟؟ هنا يقال أولا لا نصنع من الطعام ما يفيض منه الكثير فإنها نعمة قد نسلبها ونحن محاسبون عليها . ثم أن هنالك حلول أخرى فأنا أعرف من يجفف بقايا الطعام ويأخذها معه بعد فترة لأصحاب المواشي في الحقو وغيره فيكسب بذلك صدقة لا يخالطها إثم وإذا لم يتسن له ذلك ولم يجد حلا إلا إعطاءها للقرود فليكن ذلك في أسفل الجبل وبعيدا عن البيوت وليجعلها بعيدة قليلا عن الطريق الرئيسي ولا يرمي معها المخلفات الضارة كالأكياس ونحوها
3- ومن الأمور المهمة للحفاظ على البيئة المحافظة على الغطاء النباتي وعدم قطع الأشجار خاصة الكبيرة والمعمرة منها إلا لحاجة ماسة .
4- تقنين الصيد وعدم السماح للغرباء بالصيد أو دعوتهم لذلك حيث أن البيئة حق مشترك للجميع لا يجوز لأحد أن يفسده .
5- تنظيم الصرف الصحي وعدم ترك أماكن تجمع الصرف الصحي مكشوفة أو تركها تنسكب في الشوارع والأهم عدم التصريف إلى الأودية أو الشعاب فمع مياه الصرف هنالك الكثير من المواد التي تفتك بالبيئة وتفسد التربة وتزيد ملوحتها من المطهرات والمنظفات وغيرها .
6- عدم قتل الأصناف الرئيسية وغير المؤذية من الطيور والحيوانات فمثلا البعض قد يقتل الثعلب (أبو الحصين ) من أجل الدجاج والحقيقة أن الثعلب أهم للبيئة من مئة دجاجة فهو يأكل القوارض والحشرات الضارة وقد رأينا من قتل الوشق مع أنه حيوان نادر وعرضة للانقراض .

7- أخيرا وهو الأهم ، تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الآخرين بالرفق واللين والمحبة ،وعدم التقوقع على الذات والاكتفاء بهز الرأس والتحسر . فأغلب الناس يحبون الحق والخير وينقادون له لكن ما تراه خطأ قد لا يراه غيرك أو قد لا يتضح له كما اتضح لك . ومع أن معرفة الخطأ خطوة مهمة لكنها لا تكفي ما لم تتبعها خطوات أخرى على طريق إنكاره ومحاربته .

أ. موسى بن جبران الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق