مقالات

رسالة خالدة

إن كون الإنسان معلماً لهو شرف وفضل منَّ الله به عليه في الدنيا قبل الأخرة؛ فقد بعث الله الرسل معلمين للبشرية جمعاء، وكون الإنسانِ توشح بشيء ولو بسيطاً من هذا الوشاح النفيس الغالي لهو فضل، وأي فضلٍ .. ليس كل الناس يصل لهذه الدرجة المهنية المقدسة، فكم من ممتهن لهذه المهنة العظيمة أضاعها؛ ليمقته تلاميذه قبل مدراءه، بل تمقته الملائكة لتضييعه هذه الأمانة .. قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) {المؤمنون:8}.
كون المسلم يضيع الأمانة فهو خروج له من دائرة المؤمنين التي اختل عنده شرط من شروطها السبعة في سورة المؤمنين، فلم يتحقق له الفوز بالفلاح. (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) {المؤمنون:1} … لانخرام الإيمان بفقد هذا الشرط .. (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) {المؤمنون:8} .. لم يرع تلك الأمانة فشرد الله به وأبعده من زمرة المفلحين.
والأمانة ليست في التعليم فقط، بل هي تشمل جميع جوانب الحياة، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته، ولكن التعليم أمانة مميزة؛ لكونها رسالة الانبياء من نوح – عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته – وحتى محمد – صلى الله عليه وسلم – .. إن هذا المعلم – المضيع للأمانة الملقاة على عاتقه – سيقف أمام الله يوم القيامة ليقتص منه المئات من طلابه الذين سخر منهم واستهزأ بهم وضيعهم باستهتاره وعدم مبالاته، ولم يوصل إليهم تلك المعلومة التي ائتُمن على إيصالها إليهم.
لكن ما الحيلة في كون هذا المعلم مع تضييعه للأمانة فضاً غليظ القلب، وحشاً كاسراً لا يرقب في من حوله من الأطفال إلاً ولا ذمة؛ يعاملهم كالعبيد بين يدي الجلاد .. إن التعليم تربية ولطف وابتسامة وكلمة طيبة وتوجيه ذو رونقٍ لسلوك خرج عن الأدب قليلاً؛ قبل أن تكون صفعات وركلات، ومعلومات تسرد للطالب على عجلة من الأمر بوجه كالح وألفاظ سوقية.
وكم عانيناً من أولئك المدرسين – الذين أتمنى أن يكونوا نزراً يسيراً في عالم التعليم – الذين لا خلاق لهم .. فلا انضباط في الحضور والانصراف ولا انضباط في دخول الفصل والخروج منه ولا أمانة يعول عليها داخل الفصل؛ بل قد يكون الأقرب إليها اللصوصية والاختلاس .. يلج الفصل وكأنه دلف إلى محلٍ تجاريٍ في زاوية شارع مظلم يريد التبضع منه ثم الخروج، تقسم وهو جالس على كرسيه أمام طلابه – قد أهمل شرح المادة الموكلة إليه – وكأنه جالس على كرسي فوق أثافٍ ثلاثٍ يلهبه لظاها، أو جالس في زاوية مقهاً ذو أنوار خافتة قد انتهى من احتساء قهوته ليقضي فضول وقته على هاتفه النقال.
كون الإنسان يربط حديثه بواقعة شاذة قد حدثت في طفولته ليس عدلاً ولا إنصافاً لا للقارئ ولا للكاتب. قلت هذا لأني تذكرت وأنا أكتب هذه السطور تلك الصفعة التي امتدت من يد مدرس لطفلٍ لم يتجاوز الثامنة من عمره كادت تفقده إحدى إذنيه ظلماً وعدواناً، ليتها لم تتكرر .. لكنها حدثت أيضاً بعد خمس سنوات وكادت تطمس معالم جمال تفخر به الطفولة، وتمحو حيوية لا يعرف الكلل لها طريقاً .. تفسد أكثر مما تصلح، وتهدم أكثر مما تبني.
نماذج كثيرة مرت علينا من المعلمين بعضهم ندعوا لهم بالرحمة والمغفرة أناء الليل وأطراف النهار؛ لأبوتهم الحانية ولمستهم الودودة وتوجيهاتهم السامية، وبعضهم ندعوا عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور لنشازهم وشذوذهم عن طريق التربية والتعليم.
كم من كلمة طيبة خرجت من قلب معلم صادق، رفعت شأن المخاطب عالياً، وكم هدية بسيطة امتدت بها يد معلم مخلص – قد تتمثل في كتاب بسيط أو ما دونه – صنعت علماً من أعلام الأمة، وكم من حسن تصرف معلم أنقذ شخصاً من ضياع محقق .. وكم .. وكم ..
التعلم والتعليم رسالة خالدة في الحياة فلويل لك إن مارستها ولم تؤدِ حقها، ولويل لك إن خالفت فيها مقتضى الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – والويل لك إن أوكلت إليك وضيعتها .. لنحسن العمل ولنحسن إلى كل من أوكلنا الله له أمراً أو ائتمننا عليه لننجو من المسائلة الربانية، وليست مسائلة المدير أو الوكيل.
همسة:
أنت أيها المعلم ذو رسالة خالدة وأمانة سامية عظمها الله في كتابه، وأثنى عليها وامتدحها الرسول – صلى الله عليه وسلم – في سنته ..فاختر لنفسك طابوراً تقف فيه أمام طلابك إذا كبروا وخط الشيب رؤوسهم، وختر لك طابوراً تقف فيه إذا وقفت أمامهم بين يدي الله يوم القيامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: