مقالات

عبدالرحمن الشرفي بين غربتين

لحظة غربته الأولى ماتزال عالقة في ذهني راسخة في نفسي، إذ شهدت يوم مولده وساعة بزوغه من عالمه الرحب في بطن أمه إلى أرض الغرباء في هذه الحياة الدنيا التي هي أضيق وبكثير من أحشاء أمه الحانية التي لا نصب فيها ولا وصب ولامرض يوهنه ولا عرض يعتريه، بل هو في بحبوحة من العيش وسعة من الزرق يغتذي من الحبل السري برحيق الشراب ولذيذ الطعام في أحضان وادعة وأحشاء هانئة، ولكن ماإن ودع تلك الخمائل الندية والرياض الزكية حتى علا صراخه المدوي، معلنا بذلك عن غربته التي تشوبها الأكدار ويخالطها مستعر الأقدار ومازلت أذكر جيدا جلبة صراخه في الساعات الأولى لمولده معلنا عن غربته بل وكربته على رؤوس الأشهاد بالرغم من أنه كان طفلا وسيما قسيما وتبدو عليه علائم النجابة وسيماء الفطانة، ولكنه كان لنا واعظا ومرشدا، فالدنيا ضيقة وإن رحبت ومجدبة وإن أخصبت ومحزنة وإن أبهجت ، وفانية وإن أينعت وأثمرت وما كان لي أن أنس ولا ينبغي مقدار السرور الطافح بالبشر الذي علا محيا والده العالم العابد الزاهد فضيلة الشيخ عبدالله الشرفي، الذي عبر عن ذلك بقوله إن مد الله في عمرابني هذا سيكون له شأن لما يتبدى عليه من نبوغ وتوهج.

وقد كان استشراف والده في محله، إذ كانت مخاييل النجابة تتجلى في كل حركاته وسكناته وفي جده وهزله، بل وفي سائر اطوار حياته. وقد مكنته نجابته ووداعته من كسب مودة ابويه وإخوانه وأخواته وأنسابه وأرحامه وأصدقائه وجيرانه، مما يسر له سبل العيش الكريم وبيئة العمل المثمرة، حتى غدا صاحب رصيد من العلاقات المجتمعية الواسعة والمثرية، وأحرز في عمله من النجاحات والمغانم ما يفوق وبكثير جل أقرانه مجتمعيا وقيميا.

واستطاع النابه الفطن عبدالرحمن الشرفي أن يبني أسرة راسخة الأركان وحميمية الأواصر زكية الوشائج، وكانت ثقته في نفسه وقتاعته برزقه وتعففه عن مافي أيدي الناس من الخلال الكريمة التي جعلته شامخ الرأس موفور الكرامة عزيز الجاه. ولكن الغريب يظل غريبا مهما حاول الاستيطان لأن بعض البشر يصطفيهم الله في مقتبل أعمارهم وفي ريعان شبابهم في دار الكرامة ومستضاف الغرباء الذين لم تغرهم مباهج الدنيا وزخرفها،وهذا ماحصل لأبي (يوسف) وهو في غربته الدنيوية إذ وافه قدره المحتوم مع نجله الأكبر(يوسف) في حادث مروري مروع على مشارف مدينة بيشه حيث أسلم الروح لبارئها إلى جانب ابنه الأكبر(يوسف) راضيا وغير متسخط او متضجر بأقدار الله ، مودعا زوجته الوفيه وثلاثة أطفال بقوا على قيد الحياة، ولسان حاله ينطق بأبلغ بيان (وداعا زوجتي، وداعا بني)فأنا غريب، وخلقت غريبا، وهاأنذا أموت غريبا وأقول لزوجه ووالديه وبنيه وأخواته وأخواتهومحبيه( طوبى للغرباء)

وما كان لعبدالرحمن الشرفي ، أن يموت إلا غريبا، حتى يحظى بكريم الوفادة وجميل الحفاوة على مصابه الجلل في أفياء الجنة وبين أنهارها وقصورها لأنه ولد غريبا وعاش غريبا ومات غريبا، متوجا بكريم الأخلاق،ومحاطا بزين الرفاق وبارا بوالديه، ومتمسكا بالفضائل ومجافيا للرذائل، وهذا أملنا في الله البر الرحيم. والله إن مصابنا جلل وأن الخطب لعظيم، ولكن عزاءنا أنك( غريب، حبيب، وإلى النفس قريب، وترجو دوما من لا يخيب) ياأبايوسف

فطوبى ثم طوبى ..وطوبى للغرباء وأنزل الله على مرقدك الأبدي من شآبيب رحمته، وندي عفوه ، وسخي غفرانه. وأحسن الله لكم العزاء آل الشرفي، أهل بيت قرآني ومسلك إيماني ، ورقي مجتمعي، وسمو أخلاقي.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق