مقالات

وإنا له لحافظون

د. محمود بن أحمد الدوسري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أ- نوَّه الله سبحانه بعظمة القرآن، بِذِكْرِ حِفْظِهِ له قبل نزوله في آيات عدة منها: قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ  فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ  فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ  بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 11-16][1].

ب- أما حِفْظُ الله تعالى للقرآن أثناء نزوله:

فيدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ﴾ [الإسراء: 105].

وقوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن: 26، 27].

ج- وأما حِفْظُ الله تعالى للقرآن بعد نزوله:

فيدُّل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. ولحفظ الله إيَّاه فقد بقي كما هو: طَوداً أشمَّ، عزيزاً لا يُقْتَحمُ حِماه، وكلُّ محاولة لتغيير حرف منه مقضيٌّ عليها بالفشل.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 41، 42][2].

ولقد أولى اللهُ – تبارك وتعالى – كلامَه العظيم كل عناية وتقدير في العالم العلوي، وذلك بجعله مكتوباً في لوح محفوظ، فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً إلاَّ من ارتضى من رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، وحَمَلَهُ بأيدي سفرة كرام بررة ليبلغه إلى نبيه ومصطفاه صلّى الله عليه وسلّم.

فالقرآن العظيم مُسَجَّلٌ في أُمِّ الكتاب، ومكنون في لوح محفوظ، فهو مصون في السماء عن كل ما يَثْلُمُه ولا يليق به، وذلك كَمَالٌ له وعنايةٌ به[3].

يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ  فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ  لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة: 77-79].

«والكتاب المكنون: مستعار لموافقة ألفاظ القرآن ومعانيه ما في عِلمِ الله تعالى وإرادته وأمرِه المَلَكَ بتبليغه إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وتلك شؤون محجوبةٌ عَنَّا، فلذلك وَصَفَ الكتابَ بالمكنون اشتقاقاً من الاكتنان – وهو الاستتار – أي: محجوب عن أنظار الناس، فهو أمر مُغَيَّبٌ لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله.

وحاصِلُ ما يفيد معنى الآية: أن القرآن الذي بَلَغَهُمْ وسمعوه مِنَ النبي صلّى الله عليه وسلّم هو موافق لِمَا أراد اللهُ إِعلامَ الناسِ به، وما تعلَّقت قدرته بإيجاد نظمه المعجز، ليكمل له وصف أنه كلام الله تعالى، وأنه لم يَصْنَعْهُ بشر»[4].

ولمَّا أنكر الذين كفروا القرآن واستهزؤوا بالرسول صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الحجر: 6].

ردَّ الله تعالى إنكارهم واستهزاءهم بأبلغ رد وأوكده فقال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]؛ أي: بِقُدْرتِنا وعِظَمِ شأننا وعلو جنابنا نَزَّلنا ذلك الذِّكر الذي أنكروه وأنكروا نزوله عليك ونسبوك بسببه إلى الجنون.

ومِنْ ثَمَّ فلا يمكن تطرُّق الخلل إليه على الدوام، ولا يحق لأحد الطعن فيه. إذ لو كان من عند غير الله لتطرق إليه الخلل والاختلاف، وَلَحِقَتْهُ الزيادةُ والنَّقْصُ، وأصابه الطَّعْنُ والتناقض. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82].

ثم قرر أنه عزّ وجل المتولِّي حِفْظَهُ عن كل ما لا يليقُ به أو يقدحُ فيه من التَّحريف والتَّبديل والزيادة والنقص ونحو ذلك. وأنه – جَلَّ شأنهُ – المتكفل برعايته من إمكانية معارضته، بأنْ جَعَلَهُ معجزاً مبايناً لكلام البشر بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللغة التي نزل بها، فقال: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

يقول أبو السعود – رحمه الله: «وفي سَبْكِ الجملتين مِنَ الدَّلالة على كمال الكبرياء والجلالة وعلى فخامة شأن التنزيل ما لا يخفى.

وفي إيراد الثانية بالجملة الاسمية دلالة على دوام الحفظ» [5].

المقصود بالحفظ:

«شمل حفظُه الحفظَ من التَّلاشي، والحفظ من الزِّيادة والنُّقصان فيه، بأنْ يَسَّر تواتره وأسباب ذلك، وسلَّمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأُمَّةُ عن ظهور قلوبها مِنْ حياة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وصار حُفَّاظُه بالغِين عدد التواتر في كلِّ مِصْرٍ.

وقد حَكى عِياض في “المدارك”: أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البصري سئل: عن السر في تطرق التَّغيير للكتب السَّالفة وسلامة القرآن مِنْ طَرْقِ التغيير له؟ فأجاب: بأنَّ اللهَ أَوْكَلَ للأحبار حِفْظَ كتبهم فقال: ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [المائدة: 44]، وتولَّى حِفْظَ القرآن بذاته تعالى فقال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾»[6].

«ولكي نعرف دِقَّةَ حِفْظِ الحقِّ سبحانه لكتابه الكريم؛ نجد أن البعض قد حاول أَنْ يُدْخِلَ على القرآن ما ليس فيه، وحاول تحريفه من مدخل، يَرَوْنَ أنه قريب من قلب كل مسلم، وهو توقير الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ وجاؤوا إلى قول الحقِّ سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29]. وأدخلوا في هذه الآية كلمة ليست فيها، وطبعوا مصحفاً غَيَّروا فيه تلك الآية بكتابتها: محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، وأرادوا بذلك أن يسرقوا عواطف المسلمين، ولكن العلماء عندما أمسكوا بهذا المصحف أَمروا بإعدامه وقالوا: (إن به شيئاً زائداً)، فَرَدَّ مَنْ طَبَعَ المصحفَ: (ولكنها زيادة تُحبونها وتُوقِّرونها)، فَرَدَّ العلماءُ: (إن القرآن توقيفيّ؛ نقرؤه ونطبعه كما نزل)»[7].

مِنْ تدبير الله لحفظ كتابه:

نعلم أنَّ الله تبارك وتعالى قد هَيَّأ للقرآن العظيم ظروفاً تختلف عن الكتب السَّابقة فَحَفِظَهُ دونها، ومن ذلك:

1- هَيَّأ له أُمَّةً قويةً في ذاكرتها وحافظتها؛ ذلك أنَّ العربَ الأوائل في جاهليتهم كانوا متمكِّنين من ذلك، حيث يروون ألوفاً من أبيات الشِّعر بغير تدوين، إنَّما يعتمدون في ذلك على الحفظ.

2- هيَّأ له أُمَّةً مستقرَّةً مُمكَّنةً في الحفظ، والفهم، والأمانة، فكان الحُفَّاظُ يحفظونه على يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى يُتْقِنُوا الحفظ، ثم يُدوِّنونه بعد ذلك، ويقف عليهم صلّى الله عليه وسلّم بنفسه في مراجعة ذلك.

3- هيَّأ القرآن العظيم لسهولة الحفظ: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17].

4- هيَّأ له مراجعة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم له في الملأ الأعلى، حيث كان يحفظ ما يوحى إليه ثم يُراجِعُهُ على جبريلَ – عليه السلام – مرةً كلَّ سنة، وفي السَّنَة الأخيرة من حياته المباركة راجع جبريلُ القرآنَ كُلَّه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرتين.

5- بعد الفراغ من تدوينه لم يَعُدْ هناك مجال لعبث عابث، وظَلَّ الحُفَّاظُ المُتقِنون يُراجعون كلَّ نسخة تُكتب من المصحف مراجعة فاحصة، ولمَّا أصبح للمصحف مَطابعُ خاصة، كُوِّنَتْ لجان متخصِّصةٌ ومتأهِّلَةٌ من كبار حُفَّاظِ العالم الإسلامي تُراجِعُ وتُدقِّق كُلَّ حرف منه قبل أن تأذن بطبعه.

6- عدم حصر حفظه على السُّطور، بل حِفْظه في الصُّدور أولاً، يُعَلِّمُه كلُّ جيلٍ للذي يليه، متَّصل السَّند برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحفظه الآلاف، بل الملايين من المسلمين على مرِّ العصور.

وبهذه الوسائل تَحَقَّق للقرآن العظيم ذلك الحفظ الذي قَدَّرَهُ الله له منذ الأزل وهو في اللَّوح المحفوظ، وأنجز وَعْدَهُ الصَّادِقَ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. وهذا الحفظ من أبرز مظاهر عظمة القرآن الكريم.

ومن آثار ذلك:

1- قَطْعُ أطماعِ الرَّاغبين في تحريفه.

2- شعور المسلمين بنعمة الحفظ، وما يترتَّب عليه من ثقة مطلقةٍ، وبراءةٍ من الشَّك الذي تورَّط فيه غيرُنا.

[1] تأمَّلْ نماذجَ لذلك أيضاً في أرقام آيات السور التالية: (الزخرف: 3، 4)، (الواقعة: 75-80)، (البروج: 21، 22).

[2] تأمَّل نماذجَ لذلك أيضاً في أرقام آيات السورتين التاليتين: (الأنعام: 115)، (الكهف: 27).

[3] انظر: عناية الله وعناية رسوله بالقرآن الكريم (9-11).

[4] التحرير والتنوير (27/304).

[5] تفسير أبي السعود (5 /69).

[6] التحرير والتنوير (13 /17، 18).

[7] تفسير الشعراوي (12 /7653).

رابط الموضوع في شبكة الألوكة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق