مشائخ .. واعلام .. ذكريات

رحلة إلى ايطاليا “أربعة أيام في روما”(1)

عبد الله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ــ أبو جمال

لم تكن روما ولا ايطاليا مستهدفة للزيارة نهائيا ضمن هذه الرحلة، فالمقصود كانت اسبانيا أو بالذات بلاد الاندلس في جنوب اسبانبا، ولكن عندما طرحنا الخيارات عن افضل رحلات الطيران، من حيث التكلفة واختصار الانتظار الطويل في المطارات، للانتقال من رحلة إلى اخرى، وجدنا أن افضلها رحلة بواسطة الخطوط المصرية، التي تهبط في القاهرة ثم منها إلى روما، لذلك سعينا إلى استغلال هذه الفرصة، فادخلنا روما ضمن برنامج الرحلة، ومددنا فترة البقاء فيها لمدة اربعة ايام، لنستطيع التعرف عليها والالمام بمعظم معالمها وآثارها، فعملنا على اعادة تنظيم الحجوزات، في الطيران وفي الفنادق لاستيعاب هذه الفترة، وسعينا للتزود بالمعلومات الضرورية عن البلد ومعالمها، واهم الاماكن التي يجدر بنا زياتها فيها.

روما مدينة عظيمة، وعاصمة قديمة وحديثة، تقع في الجزء الغربي من شبه الجزيرة الايطالية، على نهر التيبر في اقليم لاتسيو، ويمتد تاريخها العريق الى اكثر من الفين وخمسمائة سنة، بنيت في عام 753 قبل الميلاد، لتكون عاصمة المملكة الرومانية، واحدى اماكن ولادة الحضارة الغربية، في الجمهورية الرومانية والامبراطورية الرومانية (البيزنطية)، وكانت لأكثر من 700 سنة هي القوة المهيمنة في اوروبا والاراضي المطلة على البحر الابيض المتوسط، ومن القرن الاول وفيها مقر البابوية، وفي القرن الثامن الميلادي انتهت الهيمنة البيزنطية ، واصبحت عاصمة وحيدة للدولة البابوية، لأكثر من الف سنة، وفي عام 1871م تحولت إلى عاصمة مملكة ايطاليا، وفي عام 1946م اصبحت عاصمة الجمهورية الحديثة، وتعتبر اليوم اكبر المدن في ايطاليا، واكثرها سكانا، حيث بلغ سكانها 2.7مليون نسمة، واما الكيان البابوي فقد تحول إلى دويلة صغيرة في وسط المدينة، لا يفصلها عنها إلا اسوار خاصة، وتعتبر اصغر دولة في العالم من حيث المساحة والسكان، مساحتها 0.44 كم2، وسكانها حوالي 940نسمة.

ومدينة روما صنفت في عام 2010م، بواسطة بحث المدن العالمية والعولمة، بانها مدينة عالمية بدرجة بيتا، فضلا عن كونها المدينة (28) من حيث الاهمية العالمية، وفي عام 2007م كانت المدينة الحادية عشرة الأكثر زيارة في العالم، والثالثة الأكثر زيارة في الاتحاد الأوروبي، واكثر المدن جاذبية سياحية في ايطاليا، ويقع مركز المدينة التاريخي على قائمة اليونسكو لموقع التراث العالمي، ويعتبر متحف الفاتيكان والكلوسيوم من بين اكثر (50) وجهة سياحية في العالم، ويستقبل متحف الفاتيكان (4.2) مليون سائح، والكلوسيوم (4) مليون سائح سنويا.

ابتدأت الرحلة بعد استكمال كل المتطلبات من فيزة الدخول (شنقن) وهو يمنح لدخول كل دول اوروبا عدى بريطانيا، يحتاج إلى اجراءات ورسوم ومتابعة لأكثر من اسبوع، كان الاقلاع من مطار الرياض على الخطوط المصرية في الساعة 4 فجرا، من صباح يوم الجمعة الموافق 15/7/1440هـ، وكان الوصول إلى مطار القاهرة في تمام الساعة 6.45 صباحا بتوقيت القاهرة، الساعة 7.45 بتوقيت الرياض، وبقينا في مطار القاهرة ثلاث ساعات، حيث تم الاقلاع منها الساعة 10.30 صباحا، 11.30صباحا بتوقيت الرياض، وكان الوصول إلى مطار روما (ليوناردو دافينشي) في تمام الساعة 12.40ظهرا بتوقيت روما، الساعة 2.40ظهرا بتوقيت الرياض، (الفارق بين الرياض والقاهرة ساعة واحدة وبين الرياض وروما ساعتين)، يقع المطار في الجنوب الغربي من العاصمة روما، انتقلنا داخل المطار من صالة إلى اخرى بواسطة ترام كهربائي داخلي، يستغرق حوالي خمس دقائق، وفي هذه الصالة الجوازات، واستلام الحقائب، ووقفنا في طوابير كبيرة ضمن الركاب الاجانب، لختم الجوازات لاستكمال الدخول، وكانت الاجراءات سهلة لا تستغرق وقتا طويلا، وبعدها خرجنا إلى خارج المطار، وعملنا على الحصول على شرائح الاتصال (بيانات)، واسعارها تتفاوت من مكتب إلى اخر بشكل كبير، اكتفينا بشراء شريحة واحدة، يتم من خلالها الإرسال للكل، وكنا ستة، صادف وصولنا وصول فريق رياضي لذوي الاحتياجات الخاصة، شارك على ما اظن في بطولة في دولة الامارات العربية المتحدة، واستقبلوه المشجعون يحملون الرايات، ويرددون الاهازيج الحماسية.

كعادة كل المطارات يستقبلك اصحاب سيارات الاجرة، يعرضون عليك التوصيل إلى الجهة التي ترغب، وقد انصرفنا عنهم وتغافلنا عن اكثر من واحد، إلى أن وقع اختيارنا على احدهم لديه سيارة فان كبيرة تستوعبنا، وتم الاتفاق والتفاوض معه ابتدأ من ثمانين يورو إلى أن قبل بأربعين يورو، وهي العملة الموحدة المستخدمة في كل دول اوروبا، والملاحظ أن الحياة المعيشية لديهم مرتفعة جدا، فاليورو يعادل بالريال السعودي ما يقارب (4.50)ريالا، ولك ان تحسب أن اجرة السيارة بما يعادل 225ريالا، وقس على ذلك في كل الاشياء، مع ان المسافة لا تزيد عن خمسة عشر كيلو.

اوصلنا إلى الفندق (شنقرلا روما)، وموقعه في جنوب شرقي العاصمة، من فئة اربع نجوم، ولا يزيد ارتفاعه عن دورين، ولكنه فندق جميل في موقعه وتوزيعه، كل استلم غرفته ودخل الاغلب في نوم عميق، فمعظمنا أو كلنا لم ننم من الليلة السابقة، سهرنا الليل إلى الاقلاع قبيل الفجر، مع الانتظار في مطار القاهرة لحوالي ثلاث ساعات، مع مدة الطيران من الرياض إلى القاهرة ومنها إلى روما.

مع المغرب خرجنا في جولة استكشافية لمحيط الفندق، للتعرف على الخدمات من حولنا، وكان قد سبقنا بعض الاخوة الذين لم يستطيعوا النوم، لذلك كانوا لنا ادلاء في هذه الجولة, وكان في الجوار سوق مركزي ضخم، لا يبعد سوى كيلو أو كيلو ونصف، اسمه (ايرو ماتو) يتكون من اربعة ادوار، الارضي

مواقف، وما فوقها معارض وبها سوبر ماركت، وفي الدور الرابع العلوي مطاعم متعددة، وكان لهم دوام محدد، بحيث ينتهي عند الساعة العاشرة مساء، فان تأخرت عن هذه الساعة وجدتها مغلقة.

تزودنا من هذا السوق ببعض الاحتياجات البسيطة، من مياه وبسكويتات وعصيرات وفواكهة، وتعشينا في احد المطاعم فيه، ومع كثرة هذه المطاعم فانه يصعب أن تجد فيها الاكل المناسب، من حيث الحلال والجودة وما يكفيك منه، وقد تعبنا في هذا المجال كثيرا، ولكننا تعلمنا وتأقلمنا ومشينا امورنا كثيرا، فكنا نعتمد كثيرا على وجبة الافطار في الفندق، المليئة والمتعددة والغنية، فاتخذناها وجبة رئيسية نعتمد عليها، وتكفينا إلى ما بعد المغرب، لنختار لنا بصعوبة عشاء مناسبا ، حسب المكان الذي نحن فيه، وقد يتخلل ذلك بعض المصبرات من هنا أو هناك ولدينا اصحاب خبرة كبيرة في هذا المجال فلا نجوع وامورنا مسددة، وقد يأتي ذكر لبعض هذه الحالات من هنا وهناك من خلال سرد حكايات هذه الايام.

عدنا إلى الفندق سعيدين متفائلين, برحلة جميلة ومفيدة في الايام القادمة, بمشيئة الله.

السبت الموافق 16/7

كان جهاز الجوال والخرائط والمواقع عليه، هي اكبر دليل ومعين على التعرف على الاماكن والطرق والمعابر، وتحديد المقاصد السليمة لجولاتنا، لذلك حددنا من خلال هذا الجوال اقرب محطة منا للقطار، وكانت لا تبعد إلا حوالي كيلوين أو ثلاثة، سرنا اليها على الاقدام بين حدائق وبيوت جميلة متناثرة هنا وهناك، ونمر بأطراف بحيرة نهرية، تقع المحطة في الجهة الاخرى منها.

مع الصباح يكون الجو منعشا للسير، والمناظر الجميلة تحفك من كل جانب، وصلنا للمحطة في حوالي ربع ساعة، واطلعنا على عروض التنقلات في البلدة، لذلك قررنا شراء بطاقات ركوب مدتها اربعة ايام، طوال فترة بقائنا في هذه المدينة، تستطيع بها الركوب في جميع القطارات والترامات والاتوبيسات، في أي اتجاه داخل هذه المدينة، حيث يوجد فيها اربعة خطوط رئيسية، تخترق البلدة من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، ومعظمها في انفاق تحت الارض، إضافة إلى خطوط الترامات والاتوبيسات، التي تمر بمعظم الشوارع، فاذا ما حددت رقم اقرب محطة لمقصدك، سهل عليك بعدها اتباع المسار المتجه اليها، والقطار يتوقف في كل محطة دقيقة او اثنتين، لينزل من اراد ويركب المنتظر، وتتحرك بهذه البطاقة حيث شئت، فهي بالفعل عملية واقتصادية مريحة، فكل محطة فيها مداخل لا تفتح إلا بهذه البطاقة المفعلة، وبعدها لا تسال عنها فاركب حيث شئت، وانزل متى ما شئت، فهي في هذا الجانب مريحة وعملية، ولكن هذه الوسيلة فيها جوانب سلبية، فيجب عليك توخي الحذر اثناء الزحام، لكثرة عصابات النشل والسرقة، وقد تعرض لذلك بعض منا، فقدوا بعض المحافظ من جيوبهم، ولكن الزحام لا يكون إلا في بعض الاوقات من النهار، وفي بعض المحطات وسط البلدة مساء.

ركبنا في القطار وقد قررنا النزول في محطة تقع في منتصف البلدة القديمة، حيث خرجنا منها فاذا نحن امام المدرج الروماني القديم (الكلوسيوم)، يتلقاك وحوله الزحام الشديد، الناس قادمون لهم نفس غايتك، من جميع الجنسيات والاجناس، ويتلقفك كثير من المرشدين، يعرضون عليك خدماتهم، لزيارة المدرج والاثار المتعددة من حوله، وتكتشف أنهم ينتمون الى شبكات كبيرة، كل منها مرتبطة بأخرى، أو بمكتب رئيسي كبير، وكلهم أو غالبيتهم من جنسيات متعددة، يطغى بينهم الجنسية البنقالية، وعدد من الدول العربية، مصريين ومغاربة، وحتى من البرازيل وامريكا الاتينية وغيرها، مهمتهم تسويق تذاكر الدخول، ويبيعون بعض البضائع الصغيرة، مثل التذكارات والمداليات والهدايا، والنظارات والمظلات والقبعات، ومياه الشرب وبعض الالعاب والحلويات.

قررنا في هذا اليوم أن نجعله يوما عاما مفتوحا، نطوف فيه على كل المعالم المهمة في المدينة، واخترنا لذلك الباص السياحي، وهو منتشر في معظم مدن العالم، وسمعت أنه ابتدأ العمل به لدينا في الرياض، وفي المدينة المنورة وابها، وهو هنا باص من دورين، العلوي مكشوف وله غطاء متحرك، يقفلونه اذا اشتدت حرارة الشمس، أو عند نزول الامطار، ومساره في خط سياحي شامل، يمر فيه بأهم المعالم في البلدة، وعند الركوب تصرف لك سماعة للاذن، لها عند كل مقعد منافذ تركبها فيها، وتتحكم من السماعة في قوة وانخفاض الصوت، وتختار اللغة التي ترغب في سماعها، ومن ضمنها في معظم الاتوبيسات اللغة العربية، فيسير ببطئ ويتوقف امام بعض المعالم، وكلما مررت بمعلم اعطاك تعريفا مختصرا به، فيقول انظر إلى يمينك أو يسارك أو امامك، تجد المعلم الفلاني، ثم يسرد لك بعض التواريخ والاحداث والمعلومات المرتبطة به.

كانت قيمة التذكرة لهذا الباص عشرون يورو، ما يعادل (100) ريال سعودي، مررنا بأكثر من محطة خلال هذه الجوالة، على مدى ساعتين أو قريبا من ذلك، ويستطيع الشخص النزول في أي محطة من هذه المحطات، وله الركوب في أي اتوبيس اخر تابع للشركة ما دم حاملا للتذكرة طوال اليوم، ونحن نزلنا وطلعنا أكثر من مرة ، فننزل في بعض المعالم ونجول فيها، ثم نعود للركوب للانتقال إلى محطة اخرى، فالجولة تعطيك صورة شاملة عن اهم المعالم، وتعريفا مختصرا بها، فاذا ما اردت التعرف على احداها بصورة اشمل نزلت في المحطة القريبة منها، أو خصصت لها زيارة مستقلة في يوم آخر، وهو ما توصلنا إليه وعملنا به في الايام التالية، كان هذا الاتوبيس ينطلق من جوار المدرج الروماني، ويتجه إلى الجنوب قليلا، ثم يتجه غربا مرورا بجوار ميدان سباق الخيول القديم (الكالسيوم)، وهو ميدان كبير قد تهدم معظم مبانية، مساحته تقدر كما ذكر في التعريف بثمانية هكتارات، وكان السباق يتم فيه بواسطة عربات تجرها الخيول، كل عربة لها عجلتين وبعضها لها اربع عجلات، وكان تتم فيه عدة استعراضات في الزمن الروماني، نتجه بعده إلى الشمال ونمر بأهم المعالم والمباني الاثرية، ومن هنا تكون البداية الحقيقية لبناء مدينة روما القديمة، تجد في الواجهة وعلى يمينك قصر كبير (قصر فينيسيا)، قصر يشرف على ميدان كبير امامه، يتكون من عدة ادوار وملاحق، وينتهي اعلاه بكثير من الاعمدة المرتفعة ، وفوقها بناء طرفيه مستديرين، فوق كل منهما تماثيل ضخمة، على شكل عربات قديمة تجرها خيول ضخمة

جامحة، والمبنى وما حوله مليء بالتماثيل، التي تمثل كل نواحي حياتهم القديمة، ومعظمها تتحدث عن القوة والفروسية الحربية، وتجد في مقدمة البناء في اعلى سلالم الدرج تمثال ضخم، يتربع فوق عمود كبير من الرخام، لفارس في كامل عتاده الحربي، يتجاوز طوله عشرة امتار ،ولا تخلو زاوية من المبنى من وجود تماثيل وتصاوير مختلفة، فهم يهتمون بهذا الجانب من التماثيل، فيولونها جل اهتمامهم، سواء في هذا المبنى أو في المباني الاخرى والميادين.

من التعريفات بهذا المبنى (يازا فينيسيا) أنه المحور الرئيسي لروما، تتقاطع عنده عدد من الطرق، ويأخذ اسمه من قصر فينيسيا الذي بناه الكاردينال الفينيسي ، وعمل في الاصل سفارة لجمهورية البندقية، ولتميز موقعه وتاريخه العريق، كانت الساحات من حوله موقع الخطب العامة، التي ألقاها الديكتاتور الإيطالي (موسوليني( أمام حشود مؤيديه في العشرينات والأربعينات من القرن الميلادي الماضي.

يمر الباص في جولته بعد ساحة قصر فينيسيا ليتجه غربا، ويستمر في طريقه بين البيوت القديمة الجميلة ، حتى ينفذ إلى ضفة نهر تيفري، وتقع على الضفة المقابلة في الشمال عدة معالم، في طرفها الغربي ترى الفاتيكان، وبعدها شرقا قلعة (سانت انجيلو)، التي كانت سجنا محصنا، والوصول الى هذين المعلمين لا يتم إلا عبر جسر قديم فوق النهر، وهناك جسور كثيرة على هذا النهر معظمها للمشاة، هذا الجسر الذي ينفذ مباشرة إلى بوابة قلعة (سانت انجيلو)، توجد على حافتيه عدد من التماثيل، تصور اوضاع بعض الملائكة (حسب تصورهم) قد عمل لها اجنحة كاجنحة الطيور، وكل منها يصور كأنه يقوم باداء شكل معين، أو في رمزية معينة.

كانت جولتنا الاولى دون أي نزول، مررنا على كل المعالم واكتفينا بالفرجة والسماع، ثم بقينا فيه للجولة الثانية، وحينها هبطنا أولا عند المحطة التي تقع قرب قصر فينيسيا، وجلنا في محيطه، حيث صعدنا درج إلى خلف القصر، يصل إلى ساحات كبيرة في الخلف، تحيط بها مباني من اكثر الجهات، وفي اعلى الدرج في بداية الساحة، يوجد تمثالين عظيمين، لفارسين رومانيين، يقف كل منهما بجانب فرسه، واللافت للنظر انهما مجردان، تبرز كل اعضائهما بصورة فاضحة، مع انه يظهر من خلفيهما وجود رداء يمتد من فوق الكتفين، ويمتد إلى الارض، يغطي كامل خلفية الرجل، واما من مقدمته فيظهر مكشوفا تماما، دون أي ساتر، دلفنا إلى هذه الساحة وهي في حوالي ثلاثين في ثلاثين مترا، وفي نهايتها مبنى كنيسة يزين مداخلها وامامها كثير من التماثيل، واتجهنا إلى احد الممرات في يسارها، وفيه نبع مائي يشرب نته الناس ماء بارد نقي.

ويخرج منه على حديقة مدرجة تطل على القصر من خلفه، والموقع يطل من الاعلى على ميادين روما القديمة، فترى من هنا المدرج الروماني، ومباني من حوله ثم اعمدة وشوارع متهدمة تصل إلى هذا الموقع، بمسافة تقارب الكيلوين.

ويوجد درج يهبط إلى الجهة الشرقية يصل إلى ساحة الجندي المجهول، وعدنا مرة إلى الساحة السابقة، ثم اتجهنا إلى ممر في الجهة المقابلة على يمين الكنيسة، تتخلل اليه من بين بيوت قديمة، ويطل على نفس المشهد الاولى، ولكن بصورة اوضح فلا حواجز تحجب الرؤية، وفيه ممرات معبدة منها (شارع خاص) يتسع لسيارة واحدة، يوصل إلى الاسفل، هبطنا منه في مسافة تقدر بنصف كيلو، ينتهي في الاسفل في شوارع عامة متصلة إلى جهة اليمين، واما في الجهة اليسرى التي تطل على الاثارة الرومانية، فهي مقفلة بسياج حديدية، ويمنع الدخول اليها، وقد عدنا بنفس طريقنا الذي هبطنا به، الى الاعلى في نفس الساحة السابقة، واخترقناها لنهبط من إلى الشارع العام الذي صعدنا منه اول مرة، والذي يفضي إلى الساحات امام القصر، ومنه ركبنا في احد الباصات السياحية لنستأنف مسيرتنا من جديد.
ومع نفس المسار الذي يتبعه الباص غربا، نزلنا في المحطة التالية، التي تقع امام الجسر المودي إلى قلعة (سانت انجيلو) والى (الفاتيكان)، الذي يمر فوق نهر تيفري من الجنوب إلى الشمال، قبل انحناءته إلى الجنوب، وهو نهر عميق في هذا الاتجاه بحوالي عشرين مترا.

عبرنا الجسر مشيا إلى نهايته التي تقع امام الساحة التي فيها بوابة القلعة الجنوبية، وطول الجسر حوالي ثلاثين مترا، وعرضه ما يقارب عشرة امتار، توجد على حافتيه عدد من التماثيل الكبيرة، التي تصور اوضاع بعض الملائكة (حسب تصورهم)، ولها اجنحة في ظهورها كأجنحة الطير، وكل منها يصور وضعا معينا أو بما يحمله بين يديه، وكأنه يقوم بأداء شكل أو وظيفة ورمزية معينة، على حسب معتقدهم وما يؤمنون به.
في الضفة المقابلة امام القلعة، جلنا قليلا في تلك الساحات حولها، ومعظمها في الجهة الغربية والشمالية منها، ولكن لم نحاول الدخول إلى القلعة، فما وجدنا شيء يدعونا إلى ذلك، وبعد تلك الجولة الاستكشافية البسيطة، واصلنا سيرنا غربا، في اتجاه ساحات الفاتيكان، والتي تقطع إليها عدة شوارع مزدحمة بالسيارات، ولكن الناس هنا تتبع التقيد التام بالإشارات المرورية، فهي تعطي المشاة حقهم الكامل في العبور، قطعناهما شارعين لندلف بعدهما إلى بدايات الساحات الخاصة بالفاتيكان، وحركة السيارات فيها شبه معدومة، ويوجد بها اعداد هائلة من السواح، من كل الالوان والاجناس، وفي طريقك تجد كثيرين يعترضونك لعرض خدماتهم الارشادية، وهم في الغالب يبالغون في الاسعار، ولا يصدقونك المعلومة، بل يهولون عليك ويضخمون الصعوبات، وهذا نوع من التسويق المبالغ فيه اعتادوا عليه، لقينا احد هولاء، اخ مصري الجنسية، جاريناه في الحديث، واخذنا منه معلومات وايضاحات، ولكن اسعاره كانت مرتفعة لم تقنعنا، وتابعنا السير وهو يحاول اقناعنا، وفي كل مرة يخفض اسعاره، ولكننا شكرناه وتخلصنا منه بصعوبة، وواصلنا طريقنا وقابلنا اخرون غيره، من كل الدول والجنسيات، من افريقيا وبنقلادش وغيرهما، ولكننا لم نتجاوب معهم فلسنا بحاجة لهم، وسرنا اكثر من ثلاث كيلوات فالمسافة بعيدة، حتى دنونا من الساحة الكبيرة امام الكنيسة الكبرى للفاتيكان، مقر البابوية وعاصمتها الرئيسية، بل هي في الحقيقة كيان مستقل عن بقية المدينة، وما خلف هذه الاسوار المرتفعة امامنا فهو دولة مستقلة، تعتبر اصغر دولة في العالم من حيث المساحة والسكان، مساحتها 0.44 كم2، وسكانها حوالي 940نسمة، وتستقي دورها واهميتها من كونها مركز القيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية في العالم، التي يزيد عدد اتباعها عن المليار نسمة، ولكونها تحتفظ في متاحفها وارشيفها بمجموعة من ارقى المنتوجات الفنية للجنس البشري على مر العصور، ولأجل ذلك ادرجت على لائحة اليونسكو كإحدى مواقع التراث العالمي، بل هي الدولة الوحيدة المدرجة بكاملها على هذه اللائحة،(ويكيبيديا ـ الموسوعة الحرة ـ الانرنت)، جلنا في جوانب هذه الساحات الضخمة، ولأن الوقت كان متأخراً فلم نصل إلى هنا إلا بعد الساعة الرابعة عصرا، وهو الموعد الذي ينتهي فيه وقت دوامهم، حيث لا يسمح بعدها بدخول السواح، لذلك اكتفينا بجولة استكشافية من الخارج، في الساحات المحيطة التي كانت مكتظة بالناس من كل جنس ولون، ومع انها ساحات كبيرة وعريضة، حيث تمتد امام الكنيسة بمساحة تقدر بحوالي مائتين في مائتين متر، وبدايتها من الجهة الشرقية التي قدمنا منها مفتوحة، ويوجد على بداية اطرافها بتر خرسانية قصيرة، مهيأة بحلقات لتثبت السلاسل لقفل المكان مؤقتا إن ارادوا، ويوجد تحديد ممرات متحركة من الالمنيوم، تستخدم لتنظيم الدخول أو لتحديد مسارات المشاة، وعلى اطراف الساحة من الحافتين الجنوبية والشمالية، يوجد مباني شاهقة الارتفاع من الاعمدة الخرسانية، مسقوفة بالخرسانة، يبلغ عددها (284) عموداً بأربعة صفوف تسير في شكل منحن، عبارة عن ممرات واسعة، ينفذ منها إلى مداخل الكنيسة في المقدمة، وفوق شرفاتها المطلة على الساحة، عدد كبير من التماثيل متباينة الاشكال، تبلغ العشرات بأشكالها المتعددة والمتباينة.
واما الكنيسة الرئيسية، فهي بناء ضخم ، يتكون من حوالي ثلاثة ادوار، يمتد للخلف لا نرى عمقه، ويعلوها في الواجهة كثير من التماثيل، وفي اركانها ترى غرف الاجراس الضخمة ، ومن اعلاها قبة ضخمة ضاربة في السماء، بما يوازي ارتفاع كامل المبنى، يتربع فوقها صليب كبير، وقد بنيت الكنيسة على ما يبدو فوق تلة مرتفعة، حيث أن الساحة امامها غير مستوية المناسيب، بل تأخذ من بداية الشارع في الارتفاع بوضع تصاعدي، إلى أن تنتهي بدرج للوصول إلى مستوى مدخلها.

هذه الساحة الممتدة امامها (تسمى ساحة القديس بطرس)، كما اسلفنا تقدر بمساحة تعادل (240)م وعمقها (320)م، عندما تدلف من أولها تجد مسلة فرعونية مرتفعة، تبلغ حوالي الاربعين مترا، ثبتت فوق قاعدة خرسانية كبيرة، تعلو عن الارض حوالي سبعة متر، وفي ملتقى المسلة وهذه القاعدة شكل جمالي عبارة عن أربعة تماثيل لاسود رابضة، يظهر من شكلها الفني وكأن المسلة وضعت فوق ظهورهم، ويعلوهما فوق كل جدار من جدران المسلة مجسم لشكل نسر كبير، وقد فرد جناحيه الكبيرة، ثم يعلو المسلة جرس كبير فوقه الصليب، وتسير قليلا بعد المسلة وعلى يمينك ويسارك نافورتان كبيرتان، ثم يأتي بعدهما على اليمين وفي اليسار تمثالين ضخمين، كل منهما فوق منصة ضخمة، وفي اليسار قبل الوصول إلى الدرج مباشرة شاشة تلفزيونية، يبث منها على ما يبدو بعض الافلام الخاصة بالكنيسة، وعلى العموم فالصلبان والتماثيل والتصاوير تقابلك في هذا المكان اينما اتجهت، فقد اصبحت المسيحية دينا محرفا، قائم على الاوثان والشركيات وتقديس البشر.
هناك اعداد هائلة من السواح، والمكان مزدحم بشكل كبير بهم، ولما كان اليوم التالي هو يوم الاحد المقدس لديهم، حيث ستقام فيه صلواتهم، لذلك كانت هذه الساحات تعد لهذه المناسبة، وترص فيها كراسي الجلوس باعداد كبيرة جدا، لحضور القداس كما يسمونه.

وقد اخبرنا أنه سيكون هنا في الغد زحام شديد، لذلك فإن زيارته لن تكن مناسبة، لذا قررنا أن نفرد لهذا المكان وقتا اخر غير الغد، لنستطيع أن نأخذ جولة كاملة داخل مبانيه وفي متاحفه المتعددة، وسيكون الدخول اليه من بوابات اخرى في الجهة الخلفية، مقابل رسوم يحصلونها عند المداخل.
بعد هذه الصورة المبدئية انطلقنا خارجين، وقد حددنا رقم الباص المناسب، الذي سيوصلنا إلى اقرب محطة للقطار، لنعود إلى الفندق، وكان خروجنا بعد المغرب، فتوقفنا على ناصية احد الشوارع الملاصقة، وركبنا الاتوبيس الذي حددنا رقمه، واوصلنا إلى المحطة المطلوبة، وهبطنا إلى داخل المحطة تحت الارض، وكان الزحام في هذه الفترة شديدا، وقد اوصينا بعضنا بعضا بالتنبه لمن يستغلون هذه الزحام للسرقة ، ومع ذلك ما إن هبطنا بعد هذه الرحلة إلا ووجدنا بعض منا يشكو من السرقة، وتذكرت اني استشعرت ببعض الحركات المريبة حول الحمى، صددتها لحذري الشديد، فنجوت بحمد الله مما وقع فيه الاخرون، مع خفة ومهارة ايدي هولاء اللصوص.
واصلنا تنقلنا من محطة إلى اخرى وإلى بعض الاتوبيسات، حتى وصلنا بحمد الله الى فندقنا بعد يوم متعب وشاق، ولكنه في نفس الوقت ممتع وثري بالمعلومات والفوائد الكثيرة، وانطلقنا بعد راحة بسيطة في الفندق، إلى السوق المجاور لتناول العشاء، وعدنا بعده للفندق للراحة والنوم استعداد ليوم جديد.
وإلى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق