مقالات

زجاج ملون

محمد الرياني

اعتاد على اللون الأبيض كثيرا،  على الأنوار البيضاء، وعلى ثيابه البيض التي كان يختار الناصع منها بعناية، سئم الإيقاعَ الأبيضَ حتى لون سيارته لم يعد يطيقه، احتاج يوما لتغيير عدسة نظارته، دخل محلا أنيقا للنظارات، كل شيء يسكن فيه ازدان بحلل البياض، لفت انتباهه في إحدى الزوايا ركنا للعدسات الملونة، أراد أن يغير وجه العالم من خلال زجاج أخضر كلون الطبيعة أو أزرق بلون السماء أو حتى أحمر بشكل الورد، اختار اللون الأخضر بعد عدة تجارب واستشارات، خرج من المحل مزهوا وهو يرى عينيه تختبئان خلف الغيوم، اصطدم بعمود بناء ولايزال قريبا من المكان الذي اشتراها منه، سلم الزجاج ونجا وجهه وعيناه، شعر ببعض الألم جراء الاصطدام، بعد راحة على كرسي في أحد الممرات غادر المكان وهو يتأمل الفضاء حوله، رأى كل شيء بلون عدسة عينيه، زرقة السماء لم تعد زرقاء، ولون الغروب لم يعد بلون الأصيل، لم يأخذ الشروق لون المزارع، اخضرت الطرقات، في يوم واحد تبدلت لديه الألوان، حتى الأشخاص الذين كان يعرفهم من بعيد لم تعد لديه المقدرة على تمييزهم، في غرفته وضع رأسه على المخدة ورجلاه تتدليان على السرير، حلّق ببصره في سماء الغرفة، لم يستمتع بالنور، لم يتلذذ بظلام الغرفة، خرج ليرى القمر، لم ير الأبيض المستدير كما كان يراه في قمة النقاء، شعر بالذنب على تفريطه باللون الأبيض وبزجاج نظارته ،  تسللت يده إلى دولاب ملابسه، أخذ نظارته القديمة وخرج إلى القمر ليراه على حقيقته، تأمل وجه البياض، طلب من الآلة المبصرة أن ترافقه نحو الرمال البيضاء ليكتب تحت الطلّ عن الليل وعن جمال ليلة مقمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق