مشائخ .. واعلام .. ذكريات

اسبانيا (الاندلس) الحلقة الثالثة

أ.عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابو جمال

السبت 23/7/1440هـ :
كانت وجهتنا في هذا اليوم مدينة قرطبة، اشهر المدن في الدولة الاندلسية، ومقر امارة الاندلس منذ استقر فيها أيوب بن حبيب اللخمي عام 97هـ (715 م)، ونقل العاصمة اليها من اشبيليا بعد مقتل عبدالرحمن بن موسى بن نصير، وتطورت قرطبة في ولاية السمح ابن مالك الخولاني (100–102هـ 719–721م) الذي اصلح من شانها، وبنى القنطرة فوق نهرها.

وبعدما اتخذها عبد الرحمن الداخل مقرا له، وعاصمة لإمارته في عام (137هـ 756م) ، التي حكمت الاندلس لأكثر من ثلاثمائة سنة، وكانت من افضل ايام الاندلس قوة وحضارة وازدهارا على الاطلاق.

والتي تلى انهيارها تشتت مدن الاندلس، الى امارات متفرقة متحاربة، مما كان سببا في زوالها وتغلب اهلها من المسيحين عليهم، واخراجهم صاغرين منها.
كانت (قرطبة) تبعد عن ملقا بحوالي170كم تقريبا، وتقع في جهة الشمال منها، وموقعها مميز وخصيب، فهي تقع في حضن جبل العروس، (جبال “سيرامورنيا” أو الجبال السوداء)، يكتنفها من جهتها الشمالية الشرقية، وتحتل سهلا فسيحاً بين هذه الجبال والوادي الكبير، كانت وجهتنا مباشرة إلى جامع قرطبة الكبير، وهو قريب من ضفة نهر قرطبة الكبير، ويرى بوضوح عن بعد لعلو مؤذنته، وتميز موقعه، درنا حوله اكثر من مرة نبحث عن موقف للسيارة، ولكننا لم نجد فكل المواقف والساحات في المحيط مشغولة، والزحام في هذه الاماكن في ذروته، فوسعنا دائرة البحث، حتى وجدنا موقفا على بعد حوالي ثلاث كيلومتر، ومن ثم اتجهنا الى الجامع سيرا على الاقدام، كانت طريقنا تمر من داخل الاحياء القديمة، والشوارع الضيقة الجميلة، شوارع مرصوفة بالحجارة والبلاط ، متعرجة وضيقة، لا يتسع عرضها لأكثر من سيارة، ويستخدم فيها العربات التي تجرها الخيول، وتتميز بألوانها الفاقعة من الخارج (يغلب عليه اللون الاصفر والابيض)، وفوق معظم شبابيكها بلكونات من الحديد، للزينة اكثر منها للاستخدام على ما يبدو، ولها ستائر من الخصف او الالمنيوم من الخارج، تحميها على ما يظهر من الامطار، ومعظم البيوت على الطراز الشامي، غرفها تفتح من الداخل على حدائق داخلية، أو ساحات شمسية في وسط الدار، ويستخدم معظمها في الوقت الحاضر مطاعم عامة، يستقبلون فيه الناس ويخدمونهم.

برز امامنا الجامع الكبير من بين هذه البيوت، بعظمته وشكله الفخم.

ارضيته مرتفعة عن مستوى الشارع في المقدمة، لتعديل المناسيب داخل المسجد، والبوابة الشرقية التي دخلنا منها تقع في وسط المبنى، وفي بداية صحن المسجد، والصحن ملي بالحدائق والجلسات، وله رواق جانبي في المشرق والشمال مظلل، يمتد من بداية جدار المسجد هنا، إلى أن يتصل بالمؤذنة في الركن الشمالي الغربي، وله سقف من الخشب عرضه حوالي خمسة امتار، يرى على طول جدرانه تعليقات تحمل خشب السقوف الذي تساقطت من بعض نواحي المسجد في ما مضى، مثبتة على حوامل على طول الجدران في صفوف، وبارزة بنقوشها وزخارفها.

واما وسط ساحة الصحن ففيها نافورة، وبركة صغيرة تتدفق منها المياه، والصحن بكامل تكوينه قطعة فنية إسلامية، يحيط به سور تتخلله سبعة أبواب، وقد زرع فيه أشجار النارنج وأشجار الليمون، ولهذا يسمى صحن النارنج، وتقع المؤذنة فيه في اقصى الركن الشمالي الغربي، عالية جدا بحوالي خمسين مترا أو تزيد، ولا يسمح بالصعود اليها في الوقت الحاضر، وتكللها من اعالي شرفاتها الاجراس الكبيرة بأعداد هائلة.

وبجوارها يوجد كشك لبيع تذاكر دخول الجامع، اخذنا منه التذاكر واتجهنا إلى داخل الجامع، من بوابته الغربية، فقد خصصت لدخول السواح، واما الخروج فمن البوابة الشرقية، وبعد الاطلاع على التذكرة والتفتيش الشخصي، تدخل إلى داخل الجامع، ولا تدري ماذا امامك فالإضاءة ضعيفة، وانت قادم من مكان مشمس قوي الاضاءة، ولكن تبهرك الاعمدة والاقواس الممتدة امامك بشكل منتظم، يقال أن عددها (800 عمود) ، وكانت الارضيات مبلطة وليس عليها فرش.

فتتنقل بينها وتتحسس طريقك إلى مقدمة المسجد، حيث تصدمك في جوانبه الاعداد الهائلة من التماثيل والتصاوير، قد علقت وابرزت في معظم اركانه وزواياه، واماكن منه قد استقطعت بجلسات ثابتة، وملئت بالكراسي والمقاعد الخشبية، وتعليقات فيها من الصلبان والمجسمات والتصاوير، ومكبرات الصوت معدة لموسيقاهم ووعظهم، يمكث فيها كثيرا من الناس يتمسحون بها، ويلتقطون لهم الصور التذكارية بجوارها، وفي مقدمة الجامع زوايا خصصت متاحف تعرض فيها بعض الاثار، من تماثيل وحلي وبعض من المخترعات والساعات القديمة، وعلى العموم لم يبقى من المسجد شيء سليم يخلو من العبث والتعدي، إلا المحراب، ولعله ابقي على وضعه، لما يوجد عليه من النقوش الاسلامية والكتابات، فكانت حوافه وتكوينه قطعة فنية رائعة، مع أن معظم هذه الكتابات اصبح صعب قراءتها بشكل واضح، فتقرأ من هنا كلمة بصعوبة ولا تستطيع ربطها بالكلمات الاخرى، لبعد الجدار فبينك وبينه سياج تصدك عن الاقتراب، ثم ضعف الاضاءة من ناحية أخرى، ومن هذه الآيات التي تهجيتها قوله تعالى (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) وقوله تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

وعلى العموم فالمسجد لم يبقى فيه من اثر يدل على أنه مسجد إلا محرابه، وشكل اعمدته والاروقة الاسلامية فيه، اما بقية الجامع فقد غيرت معالمه وعبث فيها، واصبح معرضا للصلبان والتماثيل والصور، فلا تخلوا منها زاوية ولا ركنا، في منظر محزن يصيب القلب حسرة وغبنا، فقد بدل كل ما فيه تبديلا نهائيا، والله المستعان، لم نطق البقاء فيه أكثر من ذلك، حيث خرجنا إلى صحن الجامع، ومنها غادرناه إلى جهة اخرى.
ولكني فيما بعد جمعت معلومات بسيطة، توضح مقاسات هذا الجامع، ومختصر لبعض التوسعات التي طرأت عليه على مر العصور، وكان ذلك على النحو التالي (يرجع تأسيس المسجد إلى سنة 92هـ، عندما اتخذ الفاتحون قرطبة عاصمة للأندلس، فقد شاطروا في البدأ المسيحيين كنيستهم العظمى، وبنوا في شطرهم مسجداً سمي مسجد الحضرة أي (جامع الخليفة)، ولما ازدحمت المدينة بالمسلمين وجيوشهم في عهد عبدالرحمن الداخل، اشترى في عام 170هـ شطر الكنيسة المتبقي، العائد للروم مقابل أن يُعيد لهم بناء ما تمّ هدمه من كنائسهم وقت الغزو، وبنى الجامع على كامل الارض، بمساحة تقدر بـ (73.5) م في (36.8) م، مقسم إلى 11 رواقاً، بواسطة 10 صفوف من الأقواس، يضم كل منها 12 قوسا ترتكز على أعمدة رخامية وتمتد عمودياً على الجدار الخلفي، وهذه الصفوف تتألف من طبقتين من الأقواس، الأقواس السفلى منها على شكل حدوة فرس، والعليا تنقص قليلاً عن نصف دائرة، وهي تحمل سقفاً منبسطاً، يرتفع مقدار 9.8م عن الارضية فوقها 11 سقفاً جمالونياً متوازياً، بينها أقنية عميقة مبطنة بالرصاص، إضافة إلى الصحن الخلفي، وفي عهد الأمير عبدالرحمن الاوسط تمت توسعته بشكل أكبر، وأضاف اليه المحراب، وانشأ قنطرة فوق الشارع الرئيسي في الغرب، ينتقل بواسطتها من القصر إلى المسجد دون المرور بالشارع، وفي سنة (463هـ 951م) أنشأ عبدالرحمن الناصر المئذنة، في أقصى صحن الجامع من الشمال، على هيئة برج ضخم، له شرفتان للأذان، يصعد إليها بسلم داخلي، وما زالت هذه المؤذنة هي القائمة الآن، ولكنها (للأسف) حولت إلى برج أجراس، ثم اضيف اليه على مر العصور توسعات واضافات، إلى أن وصل إلى المساحة الحالية(125في180م) لتبلغ مساحته الاجمالية (22500) مترا ، بما يعادل خمسة افدنة).

خرجنا من المسجد وطفنا فيما حوله، وسرنا إلى ضفة النهر القريبة، التي لا تبعد الا امتارا محدود، هي عرض الشارع العام في هذا المكان، والنهر غزير المياه، ولها صوت جميل في منحدر تحت القنطرة، وهذه القنطرة (الجسر) بناها الامير السمح ابن مالك الخولاني (رحمه الله)، اثناء ولايته على قرطبة في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني الهجري، بعد أن استئذان من الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، ومازالت القنطرة إلى الآن صامدة وتحفة عمرانية بديعة، وهناك بعدها بقايا طواحين لضخ المياه، اصبحت مهجورة ومتهدمة، كانت ترفع بها المياه من النهر إلى القصور المجاورة، ويوجد بقايا حدائق وممرات وسلالم للنزول إلى مستوى ارضية النهر، التي تهبط بحولي خمس عشر مترا.

وبعد ذلك اتجهنا إلى قصر (الملوك)، الذي يقع في الجهة الغربية من الجامع، كان قبل الفتح الاسلامي حصنا للقوط الغربيين، واعيد بناءه بعد الفتح الاسلامي، واتخذه الولاة وامراء بني امية مقرا لهم، وتوسع القصر ليشمل اجنحة كبيرة، كما ضم مكتبة عظيمة، واستخدمت طواحين المياه لرفع المياه اليه من النهر، وبعد سقوط الدولة الاسلامية، استخدم القصر من قبل الملوك المسيحيين، واقتطعت اجزاء منه ومنحت للأساقفة والنبلاء، ثم استخدم تاليا مقرا لمحاكم التفتيش الرهيبة، وعلى العموم فمازال قصرا فخما يتميز بحصانته وقوة بنيانه وتوزيع غرفة.

واهم تميز فيه ما يحيط به من الحدائق الواسعة والمنسقة بالبرك والنوافير، والاشجار الكبيرة والنباتات المنسقة، في مساحة تقارب النصف كيلا، تحيط بالقصر من الغرب والجنوب، ويطل عليها من الجهة الشرقية.

وورد في الموسعة الحرة (ويكيبيديا) عنه ما نصه: (قصر قرطبة المعروف الآن باسم قصر الملوك المسيحيين، هو قصر يقع في قرطبة ويرجع للعصور الوسطى بالقرب من نهر الوادي الكبير، وبالقرب من كاتدرائية قرطبة (جامع قرطبة)، كان القصر مقرًا لحكم الملكين الكاثوليكيين إيزابيلا وفرناندو، ومنه (كما يقال) تم السماح لكريستوفر كولمبوس (مكتشف امريكا)، في عام 1492م بالسفر بحثاً عن طريق جديد إلى الهند، واتخذ فيما بعد سجنا، وفي خمسينات القرن العشرين، حولته الحكومة الاسبانية إلى مزار سياحي).
عدنا بعد هذه الجولة مغادرين قرطبة، وقبل أن نخرج بحثنا عن طريق جهاز البحث عن مسجد لنصلي فيه، وقد اخذنا يمنة ويسرة حتى دلنا على مسجد داخل البلد، درنا حول المكان وهو يقول قد بلغت غايتك، ولم نجده، بحثنا في المباني حول المكان ولم نعثر عليه، ولكن لم يخطر ببالنا أنه في وسط الحديقة العامة في الجوار، يفصل بيننا وبينها الشارع العام، فاتجهنا إلى الحديقة فاذا هو ماثل امامنا، مسجد صغير انيق، على مدخله لوحة تحمل اسم (مسجد المرابطين)، لا تتجاوز مساحته 10×10م، على قسمين احدهما للرجال والآخر للنساء، وفي كل منهما دورة للمياة خاصة به، كان قد دخل وقت العصر، فلما أن راتنا امرأة مغربية في قسم النساء، ومعها مجموعة من الصبية، حتى نادت بفرح بقدومنا تطلب منا ان نؤذن للعصر، فأذنا ثم صلينا الظهر، واتبعناه بالعصر جمعا وقصرا، وعدنا من حيث قدمنا إلى ملقا.


الاحد 24/7/1440هـ :
كان هذا اليوم هو موعد مغادرتنا لملقا الجميلة، وحقيقة لم نعطيها حقها مع ان مكثنا فيها ستة ايام، فلم نزر بعض المواقع فيها، ومنها ما يسمى بالقصبة، فكنا نجول بالمدينة ليلا عندما نعود من جولاتنا، ونكون حينها متعبون جدا، فلا نتجاوز فيها إلا بعض الشوارع العامة في محيط السكن، مع أنها كما اتضح لنا مدينة كبيرة وواسعة، فيها مطار ضخم وميناء كبير ومحطة القطار، ولكن كان حظها معنا اننا اتخذناها محطة انطلاق إلى غيرها، لذلك لم نعطها حقها من التعرّف الجيد عليها.
في هذا اليوم الاحد كنا قد حجزنا بالقطار إلى العاصمة مدريد، وكان موعد المغادرة في تمام الساعة التاسعة صباحا، وقد بكرنا الى محطة القطار (ملقا ماريازنبرانو).

كانت الامطار في ذلك اليوم هتانة، بل بدأت من مغرب الليلة السابقة، في امطار خفيفة ولكنها مستمرة طول الليل، وفي الصباح استمرت معنا إلى المحطة، وفي الطريق كانت متقطعة، ثم قابلتنا في محطة القطار في مدريد.
ومحطات القطار لديهم منظمة وكبيرة، ولها عدة اتجاهات لمعظم المدن، ركبنا في قطارنا من ملقا حسب الموعد المحدد تماما، وتحرك وكان في سيرة يصل ذروة السرعة، اكثر من مائتين وخمسين كم في الساعة، ويمر في الطريق بأراض جميلة خضراء، ممتدة على مدى النظر يمينا وشمالا، ويعبر بنا كثيرا من الانفاق الطويلة، والجسور بين الهضاب، ويمر في الطريق بعدة مدن ومحطات، مررنا بمدينة قرطبة ومنتريانو، وفي هذه الرحلة قدموا لنا وجبة الافطار المنوعة، واستغرقت الرحلة حوالي الساعتين والنصف تقريبا، والمسافة بينهما حوالي (500) كم، نزلنا في محطة مدريد الضخمة، وهي متسعة الارجاء، تتكون من دورين احدهما تحت الارض، وصعدنا إلى الدور الأول بواسطة سلم كهربائي، وخرجنا منه إلى الشارع العام، وركبنا في أحدى سيارة الاجرة المصطفة في الخارج، لتوصلنا إلى الفندق الذي حجزنا فيه مسبقا (فندق اوبرا)، سمي أوبرا لوقوعه بجوار قاعة الاوبرا الغنائية الضخمة، التي تقع في وسط البلدة مباشرة، قريبة من الاسواق العامة ومن القصر الملكي، وكان موقعا مميزا لسكننا لعدة نواحي، واهمها قربه من وسط البلد، وتوفر كل الخدمات والطلبات في محيطة، فلا نكاد نركب سيارة ابدا، دار بنا السائق كثيرا ولم يستطع الدخول إلى الشارع الذي عليه الفندق، لأنه في تلك الساعة كانت الشوارع المحيطة بالمكان مغلقة، والناس متجمعين بكثافة في بعض الميادين، يرفعون لافتات واعلام ولوحات، والشرطة والامن قد اقفلت الشوارع من حولهم، ولا ندري هل هي تظاهرة رياضية أم سياسية، وبعد اكثر من محاولة للسائق نفذ بنا من شارع فرعي حتى اوقفنا بجانب الفندق، وبعد استقرار كل منا في غرفته، ارتحنا إلى العصر ثم خرجنا للتعرف على المحيط من حولنا.

ومدريد عاصمة اسبانيا الحديثة، عرفت سابقا بمسمى (مجريط)، يعود تاريخ نشأتها إلى عام (855)م، حينما أمر الأمير محمد الأول بن عبدالرحمن الثاني أمير قرطبة، ببناء منطقة دفاعية شمال طليطلة، لحماية الجزء الشمالي الشرقي، أو ما يسمى بالثغر الأعلى، من الهجمات المتتالية للنصارى على طليطلة وما حولها، فتم بناء هذه المدينة (مجريط) فوق سطح جبل وادي الرملة، شمال طليطلة وجنوب غرب وادي الحجارة، وبنيت بها قلعة دفاعية منيعة مشرفة على الضفة اليمنى لنهر (مانثاناريس)، وهو المكان الحالي للقصر الملكي.

استمرت مجريط لمدة (250) عام قاعدة دفاعية هامة، وكانت محور العديد من المعارك في ذلك الوقت، وأما اليوم فهي عاصمة مملكة إسبانيا، وأكبر مدنها، تقع على ضفاف نهر (مانثاناريس) في وسط إسبانيا، بها مقر الحكومة الإسبانية، والعائلة المالكة، وأهم شركات البلاد، و6 جامعات حكومية، والعديد من المعاهد العليا، وكانت من أوائل المدن سقوطا من ايدي المسلمين، حيث اخرجوا منها في عام (476هـ الموافق 1082م)، لم تبقى تحت الحكم الاسلامي إلا (380) عاما.
جلنا في محيط الفندق، ودخلنا في بعض الاسواق الممتدة حولنا، ومنها انطلقنا إلى ساحة مدريد (بلازا ما يور)، تعتبر أشهر ساحة في مدريد، كانت تسمى في العهد الاسلامي (الربض)، تباع فيها المواشي والمنتجات الزراعية، وتحولت فيما بعد إلى مركز تجاري، ويذكر أنها كانت مكانا لحرق واعدام الأندلسيين والهراطقة، ثم اصبحت ساحة لمصارعة الثيران، وأما الآن فهي ساحة تقام فيها الاحتفالات الرسمية للدولة، والمهرجانات المتنوعة على مدار العام، وقد بنيت فيها المحلات التجارية محيطة بها، وهي عبارة عن بناء مستطيل الشكل يتكون من أربعة ادوار، من الدكاكين والمعارض والمطاعم، وفي منتصف الساحة تمثال الملك (فيليب الثالث)، مرتفع فوق منصة راكب على فرسه، ولما وصلناها قبيل المغرب كان معظم روادها ينصرفون منها، وفي هذه الساعة تقفل معظم المحلات، مع غروب الشمس لا تبقى إلا المطاعم وقليل من المحلات، وتعتبر مرتكزا لكامل السوق من حولها، تنفذ منها إلى بقية السوق في شوارع متصلة في كل الاتجاهات، وبنائها يحتوي في دوره الارضي على محلات تجارية، وعدد هائل من المطاعم والمقاهي، وترص الكراسي للجلوس والاكل امام كل مطعم منها داخل الساحة، ويقام في وسط الساحة كثير من العروض الراقصة، والالعاب الخفيفة يستدرون بها عطف الناس ليعطوهم، كما هو مشاهد بكثرة في بقية الاسواق هناك، فترى امامك من يعزف على آلة، أو يقوم بحركات استعراضية، أو العاب خفيفة، وهناك من يقف وامامه ما يمثل اللبس الشعبي لمصارعة الثيران كاملا ، أو ما يمثل لبس الرقصة الفاتيكادو، معروضة من دون الرأس ليستطيع الشخص الوقوف خلفها، ويبرز راسه من اعلاها للتصوير، فيظهر وكأنه صاحب اللباس، وذلك بالطبع مقابل مبالغ نقدية يدفعه.

اطلعنا على معظم المحيط، ودخلنا وخرجنا في الاسواق، نبحث عن مطعم لنتعشى فيه، فوجدنا مطعما لبعض الاخوة السوريين الشباب، في طرف هذه الساحة، فرحبوا بنا وتعشينا عندهم عشاء لذيذا، ثم انصرفنا عائدين إلى الفندق، طلبا للراحة وتجديدا للنشاط، ليوم جديد مرتقب في الغد بمشيئة الله، الذي خططنا فيه لزيادة مساحة التعرف داخل مدينة مدريد.
وإلى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق