مقالات

قافلة إلى البيت العتيق

كان والدي رحمه الله واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة واحد من أصحاب تلك القافلة رحمهم الله تعالى جميعا ..
بعد عيد الفطر لعام 1364 هجرية بدأ التفكير والإعداد للحج وفي ذلك الزمن لا بد من التجهيز المبكر لزواد السفر الطويل ، من طحين وملح وسمن وعسل و بن وبهاراته والأواني وكل مايحتاجه المسافر لمدة لا تقل عن الشهرين أو حول ذلك ، حيث لا يوجد على مسافة الطريق لا مطاعم ولا مقاهي إلا إذا وجد من يطبخ في بعض القرى التي يمرون بها أحيانا ، وكذلك البحث عن الصحيب فهناك مخاطر ويجب ان يكون لك مجموعة ليكونوا عونا  لبعضهم وأُنسا ، وليجمعوا أمتعتهم حتى يتسنى لهم إستئجار ركوب لحمل أمتعتهم والركوب لمن عنده القدرة على زيادة النفقة ، فكان لوالدي صحبة من بقعتنا وهم
العم يزيد بن جابر مفرح الداثري
والعم حسن بن قاسم حسين الداثري
والعم حسن حسين سلمان الداثري
والعم أحمد بن علي أسعد المخشمي ..
حينها اجتمع الصحب وقالوا لا بد أن نبحث لنا عن من يصحبنا ويرشدنا في الدين ومرشدا في العمل والطريق وذالك من حرصهم على أمور دينهم فمعظمهم أميون فقرروا أن يذهبوا إلى منزل الخال حسين بن شريف حسن العبدلي وكان عالما متفقها في الدين معتدلا في مذهبه رحمه الله ورحمهم جميعا ، ولما حكوا له عزمهم للحج ورغبتهم في مصاحبته إن كان عازما على الحج وكان ممن يعاود الحج دائما ، فرحب بهم وقال سنكون صحبة إن شاء الله لا يفرق بيننا إلا الموت وكان معه من جهته
محمد بن سالم العبدلي إبن آل جرادة
محمد بن جابر حسن العبدلي
أحمد بن سالم  العبدلي
مفرح بن جابر العبدلي ..
فعقدوا العزم على أن يكون سفرهم في حدود اليوم الخامس عشر أو نحو ذلك من شهر ذي القعدة لعام 1364 هجرية فانطلقت قافلتهم من سوق عيبان يوم الخميس حيث أن الرواحل لا تتواجد إلا يوم السوق  وكانت مجموعتهم عشرة رجال وقد استأجروا لهم جمالا لحمل متاعهم حينها ، وودعوا أهلهم وذويهم وداعا حارا وداع التفاؤل برضى الله والغفران على أمل اللقاء بعد إنقضاء الفريضة
فعاد المودعون وهم يقولون :
ياليتني سير الحجاج يوم الخميس
نرحل على العيس نقصد ديرتن شاميا
يتناسون بها لوعة الإفتراق ..
فسارت القافلة بعون الله في تلك الشداد الساحلية ليالي وأيام بفرح ومرح وأهازيج مسلية   حتى مكنهم الله سبحانه وتعالى من وصول الميقات ” السعدية ” ميقات أهل يماني مكة وعند الإقتراب منه
كانوا يقولون :
ياوارد السعدية !! بشر بطيب النية!!
وبعد أن أرتاحوا  وغسلوا واغتسلوا لبسوا ملابس الإحرام وعقدوا النية ولبوا لله محرمين طائعين طامعين في رضاه وقبول حجهم ثم توجهوا لإكمال المسير فدخلوا مكة المكرمة فرحين مستبشرين فرحا أنساهم معاناة السفر الطويل والتعب وبعد أن منّ الله عليهم بإكمال مناسكهم حان وداع مكة ، والدموع تنهمر على الخدود حبا وكرامة وحسرة على فراق تلك الديار المقدسة التي لم يكن سهلا الوصول إليها ولكن لا بد من العودة إلى الأهل والديار ..
فشدوا رحالهم عائدين إلى الجنوب “جازان ” اللتي بجبالها ديارهم ومثل ماكان الذهاب كان نمط الإياب ولكن كان هناك أمرا محتوما قد كتبه الله عز وجل وهو بالإنتظار فما إن استمرت القافلة إلى الجزء الأخير من الطريق وبالتحديد طرف الشقيق والجميع بصحة وعافية بدأ على بعض من الصحاب أعراض المرض من الحمى القوية وما إلى ذلك ،
حينها اكتشف قائد القافلة الشيخ حسين بن شريف حسن العبدلي أن هذه أعراض مرض ( الجدري) وكان هو قد أصيب به قبل زمن وشفي منه بمشيئة الله ، حينها رأى أن لا بد من افتراق المجموعة فقال
لمحمد بن سالم العبدلي خذ معك مفرح بن جابر العبدلي وأحمد بن علي المخشمي وحسين بن صبحان الداثري ويزيد بن جابر الداثري وامشو لعلكم تصلون قبلنا بيوم أو يومين وتخبرون الأهالي إننا بخير ولله الحمد ، ونحن سنلحق بكم إن شاء الله وكان الرجل دائما مهاب فإذا قال شيئ وافقه الجميع
دون تردد فما كان منهم إلا الموافقة ، ولو أنهم في نفوسهم غير راضين بذلك وطبعا المؤنة على وشك الإنتهاء فتقاسموها وذهبوا وهو بقي مع الأربعة المصابين فاشتد المرض عليهم  وفاروقوا الحياة واحدا تلو الآخر وهو يمرض وكلما مات واحدا دفنه ، طبعا وصل الحجيج وبشروا الأهل والأقارب أن حجاجهم بخير وسيصلون بعد يومين أو ثلاثة  ، تأخر علمهم وباديهم أكثر من المتوقع فأرسل جدي شريف بن حسن العبدلي والد الشيخ حسين أخوه سالم بن حسن وإبن أخيه علي بن جابر بن حسن ومعهم راحلة محملة بالزاد والمتاع ، وقال لا ترجعون إلا بخبرهم فذهبوا وكلما وجدوا قافلة حجاج سألوهم هل رأيتم  سيرة كذا وكذا فوجدوا خبرهم أنهم رأوهم في طرف قرية الشقيق وان فيهم مرضى فوصلوا الشقيق والتقوا بالخال الشيخ حسين وهو الباقي من الأصحاب ، وقد أنهكه التعب وغبن فراق إخوانه وهم :
1 حسن قاسم الداثري حاذر
2 حسن حسين الداثري المقمور
3 محمد جابر العبدلي العلاج
4 أحمد سالم العبدلي المدرة
فما كان من الجميع إلا أن حمدو الله وشكروه على قضائه وقدره ،،
رحلة كانت مليئة بالحب والوئام والفرح والسرور والفراق والحزن وهذا شيئ من صفات رجال وأمجاد ذلك الزمن جميعهم ومن قبلهم فلا طرق ولا مواصلات ولا وسائل اتصالات ولا شيئ مما بأيدينا اليوم وما نملكه إلا أن العزايم والصبر وراحة البال عندهم يفوق ما عندنا بمراحل فنسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتهم رحمهم واسكنهم فسيح جناته ونسأله أن يلهمنا شكر هذه النعم التي تنقلب بين ظهرانيها ليلا ونهارا وأولها وأهمها الأمن والأمان حفظ حكامنا وبلادنا وجنودنا وامننا واستقرارنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين ..
تلك الرحال  وذاك  عزم الرجالي
أهل المواقف  والصفات  النبيله
فوت  الزمن لو عاد ويعود خالي
واشاهد  بعيني  سمات الفضيله
اللي تناطح  شامخات  الجبالي
واللي لها ف الأرض هيبة ثقيله
تمنياتي  في  نسيج !! الخيالي
ك الشاهد الحاضر بصيغة دليله
رحمك  الله  يا عريب الخصالي
وصحبك اللي من نواة الفصيله
بقلم أبو عبدالله
سليمان حسين الداثري الفيفي
في 20 ربيع أول سنة 1441 هجرية
ملاحظة
كانوا يسمون المجموعة عصبة
فيقولون عصبة حسين شريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق