مشائخ .. واعلام .. ذكريات

الشيخ الاستاذ . عيسى بن سليمان اسعد المخشمي

عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابو جمال

يمر اناس كثيرون بالطريق الواحد، وبنفس المسلك، وبكل المراحل والمحطات، ولكن لا يتأثر أو يتفاعل مع ما فيه الا قلة منهم، وافراد معدودين قد منحهم الله ميزات جعلتهم يتفاعلون مع هذه الإيجابيات المتاحة بين ايديهم، ومما وجدوه منها في طريقهم، في حين مر بها الاخرون مرور الكرام، لم تلفت نظرهم، ولم يلقوا لها بالا، ولم تحرك فيهم ساكنا، لأن الانسان الايجابي هو من يتفاعل ويكتشف الايجابيات من حوله، فيستغلها في بناء ذاته وتقويم شخصيته.

لذا لا يتفاعل مع معطيات الحياة الايجابية، إلا من منحه الله التوفيق والقدرات الذاتية، والميزات الشخصية التي تمكنه من استيعابها والاستفادة منها، ثم السعي الدؤوب للتمكن منها، والجد والاجتهاد والمثابرة في سبيل الترقي فيها، وتنمية مهاراته وصقل مواهبه بكل نافع مفيد، إن هذه الحياة قائمة على الاخذ والعطاء، وبقدر ما تعطي تنال، وبقدر اجتهادك يكون تحصيلك :

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ## لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

كان في سنين الطلب شعلة من العطاء، متفوقا في دراسته، متفاعلا مع الانشطة الا منهجية في مدرسته، يميل إلى الجانب الاعلامي منها، مشاركا في الخطابة المنبرية، وفي الصحافة الحائطية، وفي الاذاعة المدرسية، وكان يعد كثيرا من المواد التي يشارك بها، ويبتكر الوسائل بجهده، وينافس في كل المجالات المتاحة، حتى تفوق واصبح عضوا مبرزا فاعلا، له حضوره وابداعه وتألقه، حتى أنهم كانوا يعتمدون عليه في الاذاعة لسد الخلل، وتغطية مكان المتأخرين فيها، وكان مؤهلا بالإمكانيات العديدة، من الجراءة والثقة بالنفس، مع ما يملكه من خامة صوتية رخيمة، وفصاحة لغوية بارزة، وحضور ثقافي متنوع، يمتع المتلقي بما يقدمه ويفيده، ويملئ الوقت بكل نافع وجميل، يحسن الاختيار والتنسيق فيما يقدم، واكتسب الخبرة والمهارة، وابدع وتفوق على نفسه، حتى كاد أن يتخذها مهنة ووظيفة في حياته، فقد سعى بعد تخرجه من الجامعة للعمل متعاونا مقدما في التلفزيون السعودي، إضافة إلى عمله الرسمي في مجال التدريس، ولكن حال دون ذلك كون باب التعاون موقوفا حينها، ولكنه وقد اجتاز الاختبارات الصوتية واللغوية، عرض عليه التثبيت متفرغا فتردد، حيث ترجح لديه حب العمل في التعليم عما سواه.

انسان ناجح بمعنى الكلمة، مؤهل بشكل كبير ومتمكن، يملك الثقة الحقيقية في نفسه وفي قدراته، والثقة تتولد بكثرة التجارب، وبالنجاحات المتوالية، وبقدر ثقة الانسان في نفسه يثق فيه الاخرون، فيتخذون منه قدوة يسيرون على خطاها وتوجيهاتها، فالناس في العادة يرون أن من يحسن الاختيار لنفسه قادر على حسن الاختيار للآخرين من حوله، لذا تم اختياره في التعليم موجها ومشرفا لتميزه، واختاره جماعته شيخا لقبيلتهم خلفا لوالده، واخيرا تم اختياره عضوا في مجلس منطقة جازان، وهو لا شك جدير لكل ذلك، اهل لكل ثقة اسندت اليه، مؤهل للنجاح والتفوق، نسال الله أن يعينه ويسدده ويوفقه.

أنه الاستاذ الفاضل الشيخ /عيسى بن سليمان أسعد مفرح يزيد جابر يحيى علي المخشمي الفيفي حفظه الله ووفقه.

واما والده فهو الشيخ سليمان بن أسعد مفرح المخشمي (رحمه الله)، شيخ قبيلته آل مخشم بفيفاء لما يقارب ستين سنة، تولاها خلفاً لعمه أحمد بن مفرح المخشمي (المشوى)، في عام 1378هـ تقريباً، إلى وفاته في عام 1438هـ رحمه الله، وهو انسان عرف بالصلاح والتقوى والاستقامة، وتعامل مع الحياة بكل مرونة وسلاسة، وتأقلم مع كل مستجداتها المتسارعة بكل حكمة وروية، مرن في كل جوانب حياته العامة والخاصة، وفي تعامله مع كل الناس، ليس لديه أي تعنت أو انغلاق، ولا يتصادم الا فيما كان فيه معارضة للدين والمعتقد، فيعتبر ذلك خط احمر لا يسمح بتجاوزه، وكان عنصر ثبات في عصره السريع التغير الذي عاشه، نموذج في لبسه وفي خلقه وتعامله النبيل، لا تراه إلا باللباس الشعبي التقليدي، (مصنف أبيض (وكوت) أبيض أو سكري، مع (غترة) يخمر بها رأسه كالعمامة، وحزام يحمل جوفيه صغيرة أو منقلة).

ثم تميز بخلقه المثالي، والصدق في القول والعمل، حتى أنه لقب بالصدوق، ومما يؤثر عنه في ما يؤمن به في هذا الجانب قوله: (الصدق أمر مطلوب مع الله، ثم مع الناس والنفس، وإن اعتبر في هذا الزمان منقصة، لأنهم يرون صاحبه لا يستطيع مسايسة الآخرين، ولكنك إن (صدقت) فسوف يوفقك الله).

درس صغيرا في المدارس القائمة (المعلامة)، في كرعان وغيرها، ثم التحق بمدرسة الشيخ/ محمد بن عبدالله القرعاوي (رحمه الله)، التي افتتحها في النفيعة عام 1363هـ، ولكنه تشاغل عنها وفترت همته فلم يكمل، وكان من زملائه فيها كما يذكر فضيلة الشيخين علي بن قاسم الفيفي وعلي بن أحمد الفيفي (رحمهما الله) الذين كانا الوحيدين من هذه المدرسة من اكملا دراستهما، والتحقا بمدارس الشيخ القرعاوي في صامطة وبيش وغيرها، ولذلك كان يتندر على نفسه فيما بعد بسبب تركه للدراسة، فيقول: (تركت مقعد القضاء في بلغازي شاغراً، فزملائي أصبحوا قضاة في المنطقة، في فيفاء الشيخ علي بن قاسم، وفي بني مالك الشيخ علي بن أحمد، وأما بلغازي فقد تخليتُ عنها (يقولها ضاحكاً)، رحمهم الله وغفر لهم.

وكانت حياته حافلة بالعطاء والجديًة والإخلاص، عمل في بداية حياته في التجارة، وجاب الأسواق في الجوار في عيبان وهروب والضيعة، وفي سوق النفيعة يبيع الاقمشة واللبان والبخور وغيرها، وكانت التجارة حينها مهنة شاقة ومتعبة، يقتحمون الصعاب والمتاعب في سبيل جلب البضائع، يسيرون رفقة في سبيل ذلك، وكان من رفقائه المتلازمين، جاره الشيخ يحيى بن أحمد الداثري (رحمه الله)، وكانت الامور صعبة ومتعبة، ولا تحقق المردود الذي يوازي الجهد الكبير المبذول، والحركة المرهقة والغربة والتعب، لذلك ترك التجارة عن قناعة تامة، وعاد إلى الاعمال الزراعية في مزرعته، وكان ماهر ايضا ببناء البيوت الحجرية والخزانات (البرَك)، وكانت اموره ميسرة وتعطيه الكفاف بحمد الله وتوفيقه.

كان في قبيلته ومجتمعه قائداً لا شيخاً، يبدأ بنفسه قبل الآخرين، خدم مجتمعه وقبيلته في كل المجالات بكل طاقته، بادر في فتح الطرق في جهتهم الغربي، التي كان امامها كثير من المعوقات، فبذل جاهه وماله في سبيل ذلك، وعمل مع نخبة من المتعاونين من جهته، حتى تدرجت طريق السيارة من السربة إلى النفيعة، وكان ممن يعتمد عليهم شيخ شمل فيفاء (الشيخ حسن بن علي رحمه الله) في كثير من الأمور المهمة، توفي (رحمه الله) في شهر شوال من عام 1438هـ بعد مرض لم يطل به كثيراً.

واما امه فهي الفاضلة خيرة بنت يحيى ساتر المخشمي (رحمها الله وغفر لها)، كانت تعرف بلقب (راعية المعروف)، كان والدها من المتعلمين القلائل في فيفاء، كانت له (كتاتيب) يقيمها في بيته، وفي بعض المساجد المجاورة (كرعان وغيرها)، لتعليم القرآن الكريم والقراءة والكتابة (رحمه الله)، تزوج منها والده وهي صغيرة السن، وأنجبت له من الأولاد ثمانية، كان ترتيب عيسى السابع بينهم، وتوفيت وهو صغير قبل دخوله المدرسة الابتدائية (رحمها الله وغفر لها).

ولد لهذين الفاضلين في بيتهما المسمى (جميلة)، الواقع في وسط بقعة آل مخشم، بغربي الجبل الاعلى من فيفاء، في شهر جمادى الثانية من عام 1388هـ، وإن كان المسجل في بطاقته الشخصية أنه من مواليد1/7/1392هـ، وانما ذلك عائد إلى تقدير الطبيب عند اخراجه شهادة الميلاد لا حقا.

كانت طفولته طفولة هادئة، محلقة في فضاء واسع من الحب والأمان من غوائل الدهر، وخبايا المستقبل، وكانت اللحظة هي الحياة لا ذكرى تؤرقها، ولا خوف من القادم يحزنها، والأسرة والأقارب والجيران هم الكون الذي يدور في فلكه، هكذا كانت طفولته الأولى، أبوين حانيين وإخوة وأبناء عم وأخوال محبين، ولكن في ضحى أحد أيام عام 1394هـ كان كل شيء مختلف, عندما بدأت القريبات من النساء يتوافدن على البيت، ويدخلن في صمت مطبق غريب، وكن من قبل يأتين باسمات ضاحكات، حاملات معهن بعض الحلوى، أما اليوم فيبدون متغيرات وأفعالهن وراءها سر لا يعلمه, ولم يدري لماذا اخذه أخوه الأكبر أحمد سليمان(رحمه الله) مع اختيه [واحدة أكبر منه والأخرى أصغر]، أخذهم إلى دكانه في احد اطراف البيت (الذي كان محرم عليهم دخوله من قبل)، ولكنه في هذه المرة ادخلهم فيه، وقال خذوا ما شئتم، ولكن لا أحد يخرج حتى يستأذن مني، وأحضر لهم الماء، وأغلق عليهم الباب من الخارج.

والتهوا بفرحة تمكنهم من الدخول إلى هذا المكان، والتلذذ بما لذ فيه وطاب من الحلوى والبسكويت، ومن جرب حظك الذي كان أشبه باللعبة، كل منهم يأخذ دوره ويفتح الجزء المغلق من الصندوق، ليكتشف ذلك المجهول الذي تخيله وانتظره بشغف، ونسوا كل ما يدور في الخارج، يقول ( فلما عدت إلى واقعي بعد فترة، وحاولت فتح الباب الخشبي القديم ولم أفلح، نظرت من فتحة الباب، ورأيت إحدى عماتي وهي تكنس الدرج ودموعها في خدها، تمسحه بطرف منديلها الأصفر، وما فاض عن ذلك يختلط بما تكنسه، وأحسست بمشاعر غريبة لا أقدر أن أصفها، ولعل أبرزها شعوري بالخوف الشديد، لأنني لم أرى الكبار يبكون أبدا، وكنت أظنهم لا يفعلون، وضربت الباب بما أوتيت من قوة، وأقبلت إلينا وقد كفكفت دموعها.. وقالت: ماذا تريد؟ قلت: افتحي الباب.. ففتحت.. وقلت لها لم تبكين يا عمة؟ وبعد إنكارها وحواري معها.. قالت: يا عيسى أمكم ذهبت إلى الله، فقلت ومتى ستعود؟ فقالت: سوف تتأخر.. فقلت لها: وأين الله.. قالت: في السماء..)

ويستطرد قائلا : (من يومها وأنا أرقب السماء، وكلما رأيت سحابة قلت لأخواني: أمي هناك وسوف نصعد إليها في أي وقت).

فقد والدته مبكرا بسبب مرض ألزمها الفراش لفترة طويلة، ثم ذوت شيئا فشيئا إلى أن وافاها الأجل المحتوم رحمها الله، وما اصعب فقد الام، وبالذات لصغير السن، الذي لم يشبع حنانا، وما زال محتاجا إليه، فالأم هي اقرب الناس إلى الابن، ويقول (رغم بلوغي حينها خمس سنوات أو تزيد، إلا أنني لا أتذكر ملامحها.. وأتعجب من تذكري لبعض التفاصيل في الأحداث غير أني فقدت الصدر الحنون، والعاطفة الجياشة والاهتمام والرعاية والأمان النفسي.. فقدت الأم بكل معنى متفرع منها أو متأصل فيها. (رحمها الله وغفر لها وتجاوز عنها في جنات النعيم).

تعليمه :

كانت بنيته ضعيفة وجسمه نحيل، لذلك لم يحرص والده على إلحاقه بالمدرسة؛ لأن موقعها في النفيعة، وبين بيتهم وبينها عقبات وصعاب شديدة، قد لا يقوى على اجتيازها، ولما كان اخوه الاكبر منه (علي) قد سبقه في الالتحاق بهذه المدرسة، ويدرس حينها في الصف الثالث الابتدائي، فكان يرقبه في ذهابه وعودته، ويسمع حكاياته اليومية عن هذه المدرسة، ويتطلع بلفهة وشوق إلى ما يحمله من كتب ودفاتر وأقلام وألوان، بل من فرط اعجابه قلده محتفظا بشنطة من القماش الأبيض، لها سحاب طويل، يحمل فيها دفترا وحيدا يملكه، يسطر فيه كثيرا من الخربشات، تقليدا لما يرى اخاه يفعله، وكان كلما سأل اخاه عن المدرسة، امتدحها واعطاه الجانب المشرق فيها، مما حفزه وزاد الشوق في نفسه لهذه لمدرسة، فكان يتجه برغبته إلى أبيه ليلحقه بها، وهو يرجيه شفقة به، ويكتفي بقوله: السنة القادمة إن شاء الله.

وفي احد ايام الاثنين، اليوم الاسبوعي لسوق النفيعة، صحب والده وأخيه (علي) إلى السوق، وكان في الطريق يلح على أبيه في أن يلحقه بالمدرسة، ومع تكرار الطلب تدخل حينها أخوه، معضدا طلبه، ومتكفلا بأنه سيتولى الاهتمام به في الطريق وفي المدرسة، وصادف ذلك رغبة عند والده ازالت كل التحفظات والمخاوف، وكان الوقت مناسبا لقرب بداية عام دراسي جديد، لذلك ما إن وصلوا إلى السوق، حتى اخذه مباشرة إلى المدرسة، وكان موقعها في طرف السوق الشرقي، وفيها تم استكمال اجراءات قبوله طالبا مستجدا، ومما يذكره من كل ذلك أن اباه اخذه إلى محل التصوير(استوديو)، الواقع في طرف السوق في غرفة علوية بجانب الجامع، ولها درج خارجي، وبعدها يقول: (لا ادري ما ذا جرى، ولا أتذكر إلا وأنا بعد ايام، ارافق أخي وبعض من أبناء الأقارب والجيران، منطلقين إلى المدرسة، في رحلة استمرت سنين، نغدو ونروح إلى المدرسة، في طريق متعب وشاقٍ، يبدأ يوميا من بيتنا (جميلة)، مروراً (بالثواهر)، ثم صعودا في حبيل الجبل رأساً، لنمر ببيوت (القفية) و(ريسان) و(الشنيف)، وعند هذا البيت تكون استراحتنا الأولى لدقائق، ثم نواصل الصعود إلى (الجرنة) ومنها إلى (الداحنة)، وفيها تكون الاستراحة الثانية لدقائق، وعندما نصل إلى هذه النقطة نتنفس الصعداء؛ لأننا نعتبر انفسنا قد وصلنا هدفنا، فالطريق بعدها إلى النفيعة متدرج بين الاستواء والصعود البسيط، مروراً (بالدمينات الثلاث)، فاذا نحن ندخل من بين مسجد النفيعة (الجامع)، وبيت آل يحيى سلمان (رحمه الله)، لنصل السوق ومنه إلى المدرسة، وفيما بعد كنا نسلك طريقا آخر متفرع عن هذا الطريق، سأتحدث عنه إذا وصلت للحديث عن الدراسة فيما بعد في المعهد العلمي).

كانت هذه الاحداث في بداية العام الدراسي 1396/1397هـ، حيث التحق لأول مرة بالمدرسة الابتدائية بالنفيعة، ولكنه اصطدم في الواقع بخلاف ما كان يعيّشه فيه اخوه من قبل، من احلام وحكايات جميلة عن هذه المدرسة، فوجد المدرسة في تلك الفترة شبيهة بالمعتقل، فيها كثير من الشدة والفظاظة والضرب المبرح من الجميع، وبدأت الصور الإيجابية تتلاشى من مخيلته، ليحل محلها الخوف والقلق والتوتر، إلى أن تم تقسيم الصف الأول إلى صفين، وكان من نصيبه الصف الذي كان رائده المعلم الفاضل علي بن عيسى الزهراني، معلم شاب رائع متحمس، حديث العهد بالتخرج والتعيين، (الآن دكتور ومدرب معتمد في التنمية البشرية ـ حفظه الله ووفقه).

كان هذا المعلم مختلفا بالكلية عن بقية المعلمين، عامل طلابه كأبناء أو إخوان صغار، لا تفارق محياه الابتسامة المشرقة، يشرح ويوضح الدرس بأسلوب مبسّط، ويتابعهم حين الكتابة والقراءة باهتمام بالغ، ويوجههم بحب واحترام، ويترك لهم جزءا من الحصة للعب، أو لحل بعض الألغاز، فنشر بينهم الطمأنينة والتفاؤل.

كان له اسلوبه التربوي الرائع، يحاول إقناع طلابه بالإجابة أو المعلومة دون أن يفرضها عليهم، مع ما وجده فيه شخصيا من الاهتمام الخاص، (لكونه ما زال متأثر بموت امه رحمها الله)، فقد كان يجيبه على أسئلته الكبيرة، بصدر رحب وبأسلوب سهل مقنع، وربما خصه ببعض الإجابات في الفسحة أو بين الحصص، إذا رأى أن الجواب لا يصح تعميمه على الجميع، فأحبه طلابه وحبب إليهم المدرسة، وحفز فيهم الجد في طلب الدرس والاجتهاد، لذلك كان هذا الفصل (واحة) وسط صحراء قاحلة (كما يصفها).

كان شخصيا مؤهلا من صغره للتعلم، لأنه لم يدخل المدرسة إلا وقد حفظ جزء (عمّ) كاملا، ولديه مبادئ بسيطة في الحساب، حيث كان والده (رحمه الله)، يتعهد كل ابنائه بحفظ القرآن من الصغر، ويستغل كل فرصة متاحة لأجل ذلك، فلديهم في الأسرة جمعات عائلية، يطلب فيها من كل واحد منهم قراءة شيء من القرآن، إضافة إلى حرصه على تعليمهم أمور الطهارة والصلاة والعبادة، وفي رمضان يزداد التركيز على القرآن، فيجعل لهم حلقة لمدارسته، يشارك فيها الكل ولو مستمعين، وكان اسلوبا التزمت به الاسرة ولم ينقطع أبدا، حتى أنه يقول: (شاركت في هذه الحلقة قبل الدراسة مستمعاً، ثم مشاركا بعد ذلك، واستمر ذلك إلى تخرجي من الثانوية)، وكان من أعمدة هذه الحلقة السنوية، الوالد والإخوان الكبار، إضافة إلى جارهم الشيخ/ محمد بن علي آل طالع المخشمي (رحمه الله)، الذي كان قرآنا يمشي على الأرض، وكان لا يترك فرضا إلا صلاه معهم، قبل أن يبني مسجدا له عند بيته، ، وكان (رحمه الله) صاحب صوت شجي في قراءة القرآن، تردده جنبات المسجد إن قرأ فيه، وتردده الشعاب والوديان إن قرأ فوق سطح بيته ليلاً، وكثيرا ما كان يفعل ذلك، فترتاح له الآذان، وتخشع له الأرواح والأبدان.

كان ذلك التأسيس القوي في صغره، سبب مباشر في تفوقه الدراسي، وفي ترتيبه الأول في جميع مراحل التعليم العام، ما عدا الصف الثاني الابتدائي (كما يقول)، حيث كان ترتيبه في هذا الصف هو الثاني، لذلك ضاقت به الدنيا وكأنما هو راسب، وكانت ردة فعل سلبية أوشكت أن تكون له نقطة ارتكاس، لولا وقفة والده وإخوانه وامتداحهم لدرجاته، وبث الحماس في نفسه من جديد، إلى أن عاد للمبادرة والتفوق في الصف الثالث، وقد يعود السبب في تدني مستواه في هذه السنة، لعوامل اهمها فقدانه لمعلمه السابق ولأسلوبه الرائع، فيقول: ( في الصف الثاني درّسنا معلم مصري اسمه (سعيد)، لم أجد فيه ما وجدته في معلم الصف الأول، كان مختلفا تماماً، شديدا في تعامله إلى حدَّ القسوة، وتدريسه ممل، يأخذ الحصة بجدٍ زائد، لا يراعي فروقاً بين الطلاب، بل يهتم بترديدنا للآيات القرآنية طول اليوم، فالمدرسة تحفيظ القرآن الكريم، ولا بد من التسميع في اليوم التالي، ويرهق الطلاب بكثرة واجبات الحفظ والكتابة، مما لا يكفي الوقت لإنجازها، حتى أنني كنت أكتب سوراً من القرآن على ضوء السراج، وقد نام كل من في البيت وانا لم انتهي، حتى يصل بي التعب إلى حد البكاء، فيختلط دمعي بما خطّه قلمي).

وكما قيل لكل جواد كبوة، فقد واصل بعد هذه الكبوة النجاح والتفوق، وتأقلم مع المدرسة ونظامها، وفي التعامل مع كل النوعيات من الناس، وتقبلهم كما هم، وتدرج في فصول المدرسة عاما بعد عام، وصادف فيها كثيرا من المعلمين الفضلاء، كان لهم حق الشكر والثناء، ومنهم كما يذكر: الأساتذة حسن بن سليمان المثيبي، ووكيل المدرسة الأستاذ يحيى بن علي الأبياتي، ومديرها الأستاذ حسن بن محمد الأبياتي، والأستاذ أسعد بن فرحان الظلمي، والأستاذ يحيى بن حسن الابياتي، والاستاذ اسماعيل المصري الذي افاده كثيرا في علم اصول اللغة والخط الجميل، رحم الله من مات منهم وحفظ بحفظه الباقين.

وبقي في نفسه كثيرا من الذكريات الجميلة، والتجارب والخبرات النافعة، ولا شك أن المكتسبات سواء من الدروس المباشرة، أو مما يأتي عرضا من غيرها بقصد أو غير قصد، بما يثبت في النفس ويبقى نفعه طول العمر، ومن ذلك كما يقول : ما جرى له في الصف الثاني، حيث اتفق كل الطلاب في احد الايام، على عدم امتثالهم للعقوبة الجماعية، التي يفرضها عليهم المعلم، حيث كان يعاقب الكل إذا ما تخلف واحد منهم عن أداء واجبه، فيلزم الجميع بكتابة الواجب المدرسي لخمس مرات أو تزيد، لذا تعاهدوا هذه المرة على عدم الانصياع، وأن لا ينفذوا ما فرضه عليهم، ولكنه كما يقول : (تفاجأت في اليوم التالي أنهم جميعا قد كتبوا هذا الواجب، إلا أنا واثنين معي، وبسبب ذلك نلنا العقاب الأليم بالعصا دون الآخرين)، وحكاية أخرى مع التغذية المدرسية، التي كانت توزع على كل طلاب المدرسة يوميا، وتحتوي على مواد غذائية منوعة ولذيذة، لا نعرفها من قبل ولم نألفها في بيئتنا، ومن فرط اعجابنا الكبير بها، كنا نتشوق اليها ونحرص عليها، بل ونستبقي احيانا اشياء منها لنأخذه إلى البيت، وفي ذات يوم طرت لي فكرة، تقليدا وتشجيعا من البعض، لأتحايل ليصرف لي منها مرتين، ولكنه كشف امري القائم عليها وكيل المدرسة،

الأستاذ/ يحيى بن علي الابياتي, فأنبني وأغلظ لي في القول أمام الطلاب، ثم استرد ما كنت قد أخذته منها، مع أنه في نهاية اليوم استدعاني عند الانصراف، وأعطاني ما كان قد أخذه مني، وأمرني بكتمان السر (رحمه الله وغفر له)، ولكنها بقيت في نفسي درسا وتجربة لم انساها.

وكنت في هذه المرحلة بسبب تميزي الدراسي، اكلف احيانا بأن اكون عريفا على الفصل، وتسند لي فيه بعض المهام، التي تشبع عندي رغبة القيادة والسيطرة، ومنها متابعة بعض الزملاء، حيث اسمّع لهم ما قد حفظوه، وكم انبني ضميري كثيرا، عندما يدخل المعلم فجاءة، ليجد بعض اسماء الطلاب قد كتبتها على السبورة، ولم يكن قصدي منها إلا تهديدهم لا غير، ولكن بدخوله المفاجئ، لم يعد في الامكان محوها، مما يجعلهم عرضة للعقاب بسبب ذلك، ومما يزيد في ألمي عندما يطلب مني المعلم إحضار العصا، اما من الإدارة أو من احد المعلمين لأجل معاقبتهم بها.

وتعلمت كثيرا من هذه المدرسة، وكان طابور الصباح فيها مجال اخر للتعلم، وفي مواجهة الناس، وإن انسى لا انسى ما سمعته من تعليق احدى العجائز، وهي تثني وتدعو لي بعد انتهائي من القاء كلمة امام الطابور، كانت هي أول تجربة لي اقفها امام الاخرين، وانا حينها في الصف الثالث الابتدائي، حيث صادف ذلك اليوم يوم السوق الاسبوعي، ولما كان الطابور يقام في طرف السوق بين المتسوقين، وكان موضوع هذه الكلمة دعاء الخروج من المنزل، وتحتوي على بعض الأدعية المختارة، واضطربت وشعرت أن الأرض تدور تحت قدمي، ولم اعد ابصر ما حولي بسبب الارباك والخجل، إلا أني مع ذلك سمعتُ عجوزا قريبة من مكان وقوفي، تقول (الله يحفظَّك وابني)، فوددت لو أني رأيتها لأقبل رأسها، ولا أدري أهي بائعة السمن أم بائعة الريحان؟، يا الله كم تترك الكلمات العابرة من نقاط دعم في النفوس، قد يلقيها صاحبها لا يلقي لها بالا، وانما جاءت عفو الخاطر في تفاعل وقتي، ينساها قائلها بعدها، ولكنه يبقى اثرها في نفس الاخر طول العمر.

المعهد العلمي:

انتقل من هذه المدرسة بعد الصف الرابع الابتدائي، ليواصل دراسته في المعهد العلمي، حيث قبل في المرحلة التمهيدية، وهي تعادل الصفين الخامس والسادس الابتدائي، وكان المعهد حينها في جهة (مغر) تحت السوق في الجهة الغربية، ولذلك لم تتغير الطريق فهو نفس المسار السابق، لكن المعهد لم يلبث أن نقل إلى بقعة العذر، وحينها تغير المسار عن سابقه، وبدأ يفترق عن الطريق الاول من جهة بيت (ريسان)، ليتجه إلى جهة العفارة جنوبا، وهي طريق وعرة قليلا، ويستمر إلى أن يصل إلى بقعة (حيدان)، وهناك طريق آخر يبدأ من بيتهم إلى (الثواهر)، ليواصل السير باتجاه (الواسط)، ومنه صعودا بالجنيب تحت(استراحة فيفاء حالياًّ)، وهو طريق اقصر لكنه اكثر صعوبة، وكلا الطريقان يلتقيان عند شجرة (الظلامة المشهورة)، ومنها إلى بيت (الحليط)، ثمّ بيت (الشباب)، متجها إلى بيوت (آل خفشة العلايج والوقح)، ومن جوار بيت الشيخ حسن فرح (النسيم)، وبيت (العذر) وبيت (البوادح)، ليصل مباشرة إلى مقر المعهد هناك.

كان لانتقاله للمعهد ما يبرره، من حب التغيير، ثم لأسباب مادية، حيث تصرف في المعهد مكافأة مجزية، والاهم من كل ذلك حرصه على استمرار الرفقة التي ألفها من جهتهم، فأصبح معظمهم يدرسون في هذا المعهد.

ما اسرع ما تأقلم مع المعهد، فالأمور متشابهة، ومعظم الزملاء لم يتغيروا، وقد قضى فيه من تلك اللحظة ثمان سنوات، كانت من امتع الاوقات واحلاها، كانت مليئة بالجد والاجتهاد والإنجاز والتفوق، وحقق فيها كثيرا من اكتشاف ذاته، وممارسة هواياته، فبنى شخصيته وتعلم واكتسب الثقة والخبرة.

كان المعهد زاخرا بكثير من المناشط العلمية والثقافية، ويتميز بقيادة قوية ورائعة، ومعلمين أغلبهم علماء افذاذ، فالمدير الشيخ موسى بن حسين ضيف الله، ذا هيبة وحضور متمكن، حريص على توفير كل وسائل البيئة التعليمية المناسبة، لذلك اكتملت امامه سبل التفوق والنجاح، وتدرج في فصوله ومراحله على خير وجه، وتوج ذلك بحصوله في الصف الثالث الثانوي، على جائزة (الطالب الأمثل)، وكانت جائزة تقدمها الجامعة بناء على ترشيح من المعهد، عبارة عن خطاب شكر وتهنئة بنفس العنوان (الطالب

الأمثل)، ومعها مجموعة قيمة من كتب وأدوات عينية، هذا من الجانب العلمي البحت، واما الجوانب الاخرى والمناشط المصاحبة، فهي كذلك متعددة ومتنوعة، تستهوي كل الرغبات والهوايات، من رحلات خلوية، وممارسات رياضية، وبرامج اعلامية وثقافية، ما بين اذاعة نشطة، ومجلات حائطية، ومسابقات شعرية وادبية، حيث وجد فيها ضالته، وحقق منها احلامه وامانيه، وشارك بكل حماس في معظم جوانبها، له ادوار في الاعداد والالقاء، وفي المقالة وكتابة القصة، فكان له حضوره وفاعليته في كل جانب، برز نجم في فريق كرة القدم، ومشارك رئيسي في الإذاعة المدرسية، ومنافس نشط في إعداد المجلات الحائطية، وله ادواره في كتابة المقالة والقصة، وغير ذلك من الانشطة المتعددة المفيدة، حيث استهوته وانغمس فيها بكل جدية وفاعلية، واولاها جل اهتمامه ووقته، دون أن تؤثر على مساره الدراسي والتحصيلي، حيث استطاع التوفيق بين الجانبين العلمي والثقافي بكل حكمة، وتفوق في كل منهما واثبت وجوده، فكما هو متفوق وناجح في دراسته، فقد كان كذلك في الجانب الثقافي، وصب فيهما كامل اهتمامه وجل وقته، وحقق منهما المنافع والفوائد العديدة، واكتشف أن من نتائج هذه المناشط ما يبقي تأثيره طول العمر، ويعينك على اكتشاف نفسك ومواهبها، وما يكسبك الخبرات العلمية والعملية، وينمي لديك المهارات الفكرية والابداعية، وقد تحدد من خلالها مسارك، وطريقك في مستقبل ايامك.

ما زال إلى اليوم يعتز ويجد في نفسه لذة النجاح، عندما شارك وهو في المرحلة المتوسطة، في التهيئة لزيارة مدير عام جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، فضيلة الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي للمعهد، فكان ضمن الفريق الذي قام بإعداد اللوحات الترحيبية بمقدمه، وعلقت حينها في الشارع العام، وتم إعدادها تحت اشرف المعلم عنتر (مصري)، كان متميزا بخط جميل وخبرات رائعة، فاكتسب منه خلال هذه التجربة كثيرا من الفوائد والخبرات، وتعرف عمليا على مبادئ وأصول الكتابة الجميلة، يقول (لا تسأل عن الشعور الذي اجتاح كياني، واحساسي بالنجاح والفرح الغامر، وكأن كل الناس تعلم أني مشارك في كتابة هذه اللوحات، رغم أنه لا يوجد عليها ما يشير إلى أي من المنفذين)، إنها بالطبع مشاعر النجاح الذي كان شريك فيه.

لم يدع بعدها أي نشاط إلا وانخرط فيه، وكانت اكثر ميوله تتجه إلى المناشط الاعلامية، فقد شارك بقوة في الصحافة الحائطية، فكانت هناك جماعات ثقافية، وكل مجموعة منها تنفذ لوحات ورقية تمثلها، يعلقونها على جدران المعهد وفي ساحاته، وكان بين هذه المجموعات تنافس قوي وشديد، كل منها يسعى إلى البروز والتميز، مما نمى فيهم قوة الملاحظة والابداع، والاحساس بالتقاط اللمسات الفنية من المحيط، والاستفادة منها في تخطيط وزخرفة لوحاتهم، حتى أنه يقول: (وصل التنافس إلى أن كنت وانا اعد هذه القوالب، اتنبه إلى كل ما تقع عليه عيني من زخارف، سواء في صحيفة أو في مجلة أراها، أو حتى على عبوات المنتجات المستهلكة، فكنت أصمم لوحات بجهد مضاعف، وتفنن مقصود، وابداع فوق التصور، لم يكن يفوقني فيه إلا اثنان أخوان، هما الأستاذان محمد أحمد علي (معشم) واخوه الأستاذ إبراهيم، فقد كانا يأتيان بتصاميم لا تخطر على البال جمالاً وإتقاناً)، وهكذا يتولد الابداع ويكتسب المرء الفائدة، ويتحقق الهدف المنشود.

ومثلها كان له دوره البارز في الاذاعة المدرسية، التي تدرج فيها ومعها إلى حد التفرد والتفوق، لأنه عشقها وضاعف جهده في حسن الاعداد لها، مع ما يتميز به من جمال الصوت وحسن الالقاء، وبما وجده من التشجيع والثناء، وكانت البدايات فيها مع سنواته الأولى في المعهد، عندما كان مقر المعهد في مبنى الشيخ القاضي/علي بن قاسم (رحمه الله) في (مغرّ)، حيث كانت الاذاعة هناك تسمع من الجهات المجاورة، وبالذات من الغربي حيث بيتهم، ففي احد الايام أوكل اليه المعلم محمد مطيع (سوري)، قراءة شيء من القرآن الكريم، ولم يمهله أو يدع له مجالا للاعتذار، فقرأ ذلك على خوف، والمعلم بجانبه يشجعه بكلمات الثناء، وكاد الامر يمضي بسلام دون أن يتنبه إليه أحد، لولا أنه بعد عصر ذلك اليوم قابله جارهم الشيخ محمد بن علي آل طالع (رحمه الله)، وبادره متسائلاً : هل انت الذي قرأت اليوم في اذاعة المعهد؟، فلما اجابه بالإيجاب، مسح على رأسه قائلا ما شاء الله تبارك الله، ثم دعا لي بدعاء جميل لم يعد يذكر تفاصيله، ولكنه مازال يجد تأثير هذه الكلمات واللفتة الجميلة في نفسه إلى اليوم.

وبعد تلك القراءة بزمن، كان الدور التالي لمعلم أزهري فاضل، الاستاذ (عبدالله داود)، تخصص لغة عربية، متمكن جدا في تخصصه، ولذا لا يتهاون في أي خطأ نحوي أو صرفي، وكان قد اعد كلمة عهد إلى عيسى بإلقائها، ولم يدع له مجالا للاعتذار والتنصل، فوقف لإلقائها أمام الطلاب والمعلمين، وزاده ارباكا وقوف المعلم بجواره، ويصف هذا الموقف الرهيب بقوله : (بدأت أرتعش، والورقة ترتعش في يدي، ولكن من حسن حظي أني كنت بجانب عمود إنارة صغير، فاتكأت عليه فاستقرت نفسي وكأن شيئا لم يكن، وانهيت الكلمة ولا أدري كيف)، ثم يردف ( تناول المعلم الميكرفون وأثنى عليّ كثيراً، ثم نظر إلي وتلا قوله تعالى (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات).

كان هذا سبب مباشر لتجاوزه البدايات الصعبة، وفي ثقته بنفسه وبقدراته في هذا المجال، وذلك بفضل الله ثم بفضل هولاء المحفزين، حتى أصبحت الإذاعة لديه شيء عادي (كما يقول)، بل صارت أمرا محبباً إلى نفسه، فعشقها وجدد فيها بما كان يقدمه من جديد البرامج، وفي حسن إخراجها عن الروتين الممل الذي كانت تسير عليه، بما ابتكره من التجديد والتنويع، ويقول: (كنت أعمد إلى شرح الآية والحديث، واقرأ مقاطع قصيرة بين الفقرات بلا تقديم، مستفيدا ومقتبسا من البرامج الصباحية في الإذاعة السعودية، وأحيانا أضيف بعض الأخبار الخفيفة، والمواقف الطريفة)، وما ذلك الا دليل على تمرسه وخبراته، وشاهد على نجاحه وتمكنه، وفي النظرة الصائبة لمعلميه الذين اكتشفوا مواهبه في هذا الجانب، وبثوا فيه الثقة والحماس.

ولكنه كما يقول: انفتح عليه باب لم يستطع اغلاقه فيما بعد، حتى تخرج من المعهد، فكان لنجاحه وتميزه ضريبة اضطر إلى ادائها، فكان هو البديل الجاهز لكل مقصر عن اعداد دوره المفترض في التقديم، بل قد ينسى المشرف على الإذاعة أحيانا تكليف احد بتقديمها، فيكون هو الحل الوحيد الاقرب لدى المدير، فينادى عليه في الحال ليقوم بتقديمها ارتجالاً، ولأجل ذلك وخوفا من الإحراج، كان يبقى دوما مستعدا ومحتاطا، يحمل في جيبه تصورا للبرامج، ولديه عدد من الفقرات والكلمات المناسبة.

مضت به السنين في المعهد العلمي بأفراحها واتراحها، والحياة لا تخلو من المكدرات والاحزان؛ لأنها بنيت على كدر ومنغصات، ففي منتصف الصف الثالث الثانوي، خطط هو واربعة من زملائه من اهل الغربي، للقيام برحلة ترويحية في عطلة نهاية الاسبوع إلى مدينة ابها، وفي طريقهم إليها تعرضوا لحادث انقلاب، في اسفل الجبل، في (طلعة الصوالين أسفل خط 12)، مما تسبب في وفاة زميلهم وابن جارهم، (يحيى بن محمد آل طالع المخشمي)، فأحدث لهم صدمة كبيرة، وكان حادث مأسويا شملهم جميعا، لفقدهم زميل غال عليهم، خلف في الانفس حزنا عميقا، ويقول: (ما زال يطل بين خبايا الذاكرة إلى حينه)، فمرت بقية أيام تلك السنة طويلة كئيبة عابسة، رحمه الله وغفر له وتجاوز عنه.

الدراسة الجامعية:

اتم دراسته الثانوية في المعهد العلمي في فيفاء، في نهاية العام الدراسي 1407/1408هـ، وكان هذا العام بالنسبة له، عام كئيب وحزين، بسبب فقده لأعز اصدقائه وأقرب زملائه، كما اشرنا إلى ذلك من قبل، ولذلك ما إن انتهى العام حتى آثر الابتعاد عن هذا المكان، فاختار اكمال دراسته في مدينة الرياض، رغم ما اشار عليه والده بان الافضل له الدراسة في مدينة ابها، اقتداء بأخيه (علي) الذي سبقه إلى ذلك، وليكون قريبا منهم يسهل له الزيارات الدورية، ومع ذلك فلم يعارضه في اختاره، بل ترك له مطلق الحرية، وبالذات وأن أخاه الاكبر (احمد رحمه الله) مقيما في الرياض.

كان قد عرف الرياض من قبل واحبها، وسبق له زيارتها اكثر من مرة، وعندما وصلها هذه المرة وجد معه مجموعة كبيرة من زملائه، كانت تجمعهم الاهداف والطموحات الواحدة، وكانت اموره واضحة ومحددة، حيث حدد مساره واختار اتجاهه، وكانت رغبته الوحيدة كلية اللغة العربية، ولذلك سهلت اموره وتيسرت، واتم بحمد الله جميع متطلبات القبول، وكان ضمن المقبولين في هذه الكلية، وابتدأ العام الجامعي

الاول على خير ما يرام، وكان موقع الكلية حينها في مباني مستأجرة في حي الناصرية، واستمرت هناك لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقلت بعدها إلى داخل المدينة الجامعية الجديدة.

وبعد قبوله تهيئ له السكن الجامعي، وفي هذا السكن التقى بمجموعة طيبة من ابناء فيفاء، من عدة كليات وفي تخصصات ومستويات مختلفة، تجمع بينهم الاخوة والاهداف المتقاربة، وتوحدهم الانشطة والملتقيات وحسن التعاون، بل انهم اتخذوا لهم شيخا عرفيا منهم، كانوا يرمزون به إلى وحدتهم وتقاربهم، وليكون همزة وصل فيما بينهم، وفي التنسيق في مناشطهم ومعظم امورهم، وفي تنظيم تلاقيهم وادارة شئونهم، وكان هو شخصيا قد حظي بشرف هذا المنصب في العام الأخير له في الجامعة.

مضت هذه السنوات الجامعية جميلة وهادئة، وكانت بالنسبة له من اجمل السنوات وامتعها، اكتملت فيها شخصيته وتبلورت، ونضجت فيها عقليته واتسعت، كان في هذا العمر وما قبله يحلم بأشياء واشياء، ويتمنى أن يكونها، او أن يحقق لنفسه شيئا منها، فكانت هنا الفرص متاحة امامه لتجريبها، يحاول في كل مرة أن ينزل واحد من هذه الاحلام على واقعه، ليكتشف في النهاية أن معظمها أنما كانت مجرد اضغاث احلام، ليست منطقية أو لا تناسبه، فما اسرع ما يزول ظنه بها ويتبدد، ومن ذلك أنه رغب في أن يكون شاعرا، ولم يوفق (وجده عنبا حامضا)، وكانت لي خربشات نثرية حلم بان يكون بها كاتبا، نشر بعضها واحتفظ بالكثير منها لنفسه، وكم كانت سعادته حين رأى أول مقال له ينشر في صحيفة الجزيرة عام 1409هـ، تحت عنوان اليوم الوطني(57)، وانقطع بعدها مدة، ثم عاود نشر مقال آخر في نفس الصحيفة، وكان حلمه اكبر من هذا، ولكنه يعترف أنه أخفق في أن ينشر له في (المجلة العربية)، التي طالما احبها كثيراً.

ولا ينسى مشاركته وهو في المستوى الثالث، في مسابقة القصة القصيرة، على مستوى الجامعة، وكم كانت سعادته وزملائه من ابناء فيفاء، عندما اعلنت النتيجة بفوزه وحصوله على الترتيب الأول، وحصول زميله د/احمد بن علي آل طارش على الترتيب الأول ايضا في الشعر.

كان بالطبع هذا التفوق وهذا الطموح وهذه الاحلام، قائمة على ما لديه من مخزون لا باس به في العلوم والثقافة، بناه على مدى السنوات السابقة، من خلال تعلقه بهواية القراءة الحرة في كل الفنون، فهي هواية احبها وعشقها ومازال، لا يشبع ولا يروى من العل منها، ويقول عن هذه التجربة الغنية، وهذا الرافد العظيم من المعارف، وكيف أنه انغمس فيه واحبه وعشقه، (كانت بداية التشكيل الفكري والثقافي من المرحلة المتوسطة، حيث كنت مغرما بالبحث والقراءة، وكانت البدايات قراءة الصحف والمجلات، التي كان يوفرها الشيخ/ يحيى بن حسن جبران آل وعالة (رحمه الله)، بما يجلبه في مكتبته التجارية الصغيرة، الواقعة في طرف سوق النفيعة، فقد كنت زبونا دائما لديه، اشتري تلك الصحف والمجلات وأقرأوها كاملة، ولم اكن اهتم كثيرا بتاريخ صدور هذه الاعداد، فكلها تعتبر جديدة عندي، ثم كانت مكتبة المعهد العلمي، رافداً مهماً يمدني بكثير من هذه المصادر، حيث كنت أستعير منها الكتب والمجلات القديمة، واذكر أن أول كتاب قرأته كاملا كان بعنوان (جواهر الأدب) لأحمد الهاشمي، وكنت استمتع به واحفظ بعض نصوصه، ولكن بعد أن ازددت علماً اكتشفت أنه كتاب لا يرقى لمنزلة الاحتفاء به).

كان يتابع كثيرا من المجلات الثقافية والادبية المهمة، من امثال مجلات (الفيصل والمنهل والمجلة العربية والجيل)، ومن المجلات الاقل مستوى، التي كانت تقيّم حينها (بالهابطة) من مثل (اليقظة والمجالس وزهرة الخليج)، كان يحب الاطلاع بشكل لا يقوى معه التحكم في اختياراته، أو حرمان نفسه من مجرد سماع احكام الآخرين، ولكنه اكتسب في نفسه غربالا ينقي هذا من هذا، فلا يخلو شيء من النافع ولو بدرجات متدنية، فالمثقف الواعي يميز ويتتبع النافع ويدع ما سواه.

كان لا يشبع في هذا المجال، قراْ كثيرا للأدباء من القديم والحديث، قرأ للمنفلوطي كثيرا، وللرافعي، وللشعراء القدماء، وبالطبع هذه القراءات المتعددة والمتنوعة، هي لا شك السر الاكبر لثقافته وسعة فكره، وفي استيعابه لكل جديد من العلوم والثقافات، فالقراءات المتعددة تشحذ الهمم، وتطور الافكار، وتنضج العقول، كانت له رافدا مساندا، دون أن يكون لها أدنى تأثير على دراسته وعلى مبادئه ومعتقده، فقد كان يحرز المراتب الاولى في تعليمه في كل المراحل.

كان الوقت الذي عاش فيه شبابه الاول، من احرج الفترات الثقافية والايدلوجية، وكان المحيط يمر بأهم مراحل الصراعات الفكرية، ولكنه لما كان في طفولته المبكرة يعيش في بيت متدين، يملك كثيرا من التحصينات الذاتية، لذلك لم يجد في نفسه اهتماما أو ميلا لأي فريق أو حزب منها، كالأصالة والحداثة والإسلاموية والتغريب، فكان يطلع على ما ترتاح له ذائقته الأدبية، سواء انتسبت لهذا الفريق أو ذاك، انسان واثق من نفسه رغم أنه كان موضع شك من بعض المؤدلجين، ومما يذكره في هذا الجانب كشواهد، أنه في مرحلة المعهد العلمي، كان يحاسب من بعضهم تحت بند (رقة الدين)، كالثوب واللحية، وقد يخصم بعضهم من درجات سلوكه لهذا السبب، وتواصل معه شيء من ذلك في الجامعة، وتبدى بوضوح وصراحة في السنة النهائية من الكلية، حين التطبيق العملي في احد المدارس، فغمطه احد المشرفين حقه العادل في التقييم، ولم يمنحه إلا تقدير جيد، وجعله الأخير في كامل المجموعة، حتى بعد زملائه من غير الناطقين بالعربية، ويقول: (لما ناقشته وحيداً لم كل هذا؟ قال: لأنك لست مؤهلاً للتدريس، لأنك قدوة غير صالحة في مظهرك، وفي كلامك عن الاسم السادس من الأسماء الخمسة، وهو لفظ لا ينبغي ذكره للطلاب)، بالطبع كانت تلك الحقبة هو ما اطلق عليه فيما بعد زمن الصحوة.

ومضت بهم السنين مسرعة، وهو سائر ومستمر على نهجه، محافظ على مستوياته المتقدمة في دراسته، وعلى حصوله في كل المستويات على تقدير (ممتاز)، إلا أنه في السنة الرابعة نزل معدله إلى تقدير (جيد جدا مرتفع)، وكان هذا هو التقدير الذي تخرج به من الكلية.

كانت له طموحات في مواصلة دراساته العليا، وتقدم إلى عميد كلية اللغة العربية، لطلب ان يكون معيدا في الكلية، إلا أنه اعتذر لانتهاء فترة التسجيل حينها، وطلب منه أن يترك لديهم ملفه ليكون مع المرشحين في الفصل الثاني، وان يترك عنوانه وهاتف منزله، إلا أن ذلك لم يتحقق له، وقد أشار عليه بعضٌ من الزملاء في أن يتقدم إلى كلية المعلمين، لكون الفرص فيها متاحة، إلا أنه لم يفعل مفضّلا الانتظار للتعيين على وظائف التعليم العام؛ لظروفه المادية في ذلك الوقت، وهو حديث عهد بعرس، وبعد انضوائه في مجال التعليم التحق بعدد من الدورات والبرامج التنشيطية والتطويرية في مجال تخصصه، ومنها:

1 – دورة المشرفين التربويين جامعة أم القرى 1429هـ.

2 – مدرب أساسي في برنامج التطوير المهني العالمي للتعليم 1431هـ.

3 – برنامج تحليل المشكلات واتخاذ القرارات – معهد الإدارة بالرياض 1433هـ.

4- برنامج نظام الاختبارات المركزية.

5 – ساعات تدريبية متنوعة في التخصص وغيرة.

العمل الوظيفي:

يقول من المفارقات الجميلة بين الامس واليوم، أنّ مندوبا من الخدمة المدنية كان يمرّ على طلاب السنة النهائية، ليسألهم عمن يرغب في الالتحاق بالتدريس في التعليم العام، لأن الاحتياج في تلك الفترة مازال قائما في معظم المجالات الوظيفية.

كان تخرجه في العام 1412هـ، وقد اتجه إلى ديوان الخدمة المدنية راغبا العمل في التدريس، وكانت رغبته أن يتم تعيينه في مدينة الرياض، على أمل أن يستطيع مواصلة دراساته العليا، والفرص في الرياض ستكون افضل من غيرها، وبالفعل صدر قرار تعيينه مع بداية العام 1413هـ في منطقة الرياض، ولما باشر في إدارة التعليم، خيّر بين ثانويتين، ثانوية الإمام الشوكاني في الدخل المحدود، أو ثانوية عبدالعزيز بن محمد في الدرعية، وقد اختار الأخيرة لقربها من حيث يسكن، وباشر عمله فيها من تاريخ ٤/٤/١٤١٣هـ.

سعد بعمله الجديد، وتأقلم سريعا مع وظيفته التي طالما حلم بها، وانفرط الوقت من بين يديه سريعا، فمضت به السنين دون أن يشعر بها، حيث أمضى في هذه المدرسة ثلاث سنوات دراسية، كانت حافلة بالجد والعطاء، واكتسب فيها عددا من الخبرات والمهارات الجديدة، وتعلم كثيرا من الأساليب المختلفة في

هذه المهنة الممتعة، وفي حسن التعامل مع الطلاب، وخلالها تعرف على عدد من الزملاء الأفاضل، من سعوديين وغيرهم، وممن يذكره منهم الأستاذ/ شمس الدين درمش (سوري الجنسية)، معلم في اللغة العربية، متمكن جدَّا في مادته، وحازم في تعامله مع طلابه، حيث استفاد منه ومن بقية الزملاء، العديد من التربويات التي لم يقدمها له التعليم الأكاديمي.

بالطبع كان خلال هذه السنوات الثلاث، يحدوه الامل في مواصلة دراساته العليا، وكان يقول في نفسه في كل سنة، سيكون ذلك في السنة القادمة، ففي السنة الأولى قال ستكون في السنة التالية، وهكذا مرت السنين وفترتْ همته، واستكان طموحه، ورضي بوضعه الذي هو عليه، وحينها عزم على العودة إلى فيفاء، فلم يعد من داعي لبقائه بعيدا عن اهله ووالده، فإن أهله الأقربين أولى بقربه منهم، لقضاء حوائجهم، وبالأخص وقد كان الوحيد حينها في العائلة من يقود سيارة، والحاجة منهم ماسّة إلى مَنْ يخدمهم، فطلب النقل إلى إدارة التعليم في صبيا، لكونها المشرفة على التعليم في فيفاء، وفيها تم توجيهه إلى ثانوية الداير، حيث لبث فيها عاما دراسيا، وفي السنة التالية تم توجيهه إلى مدرسة العدوين بفيفاء، وكانت في ذلك الوقت مجمع لثلاث مراحل، ومديرها الاستاذ الفاضل حسن بن حسين الخسافي، وله وكيلان.

استمر يعمل في هذه المدرسة لعامين دراسيين (١٤١٧و ١٤١٨هـ)، وبعدها تم ترشيحه في عام 1419هـ ليكون مشرفاً تربوياً للمادة، واضطر للمباشرة في صبيا في ادارة التعليم، وفي العام التالي 1420هـ افتتح مركز الإشراف التربوي في الداير، وكان أحد ستة مشرفين كلفوا بالقيام على تأسيسه، وكانت كل البدايات فيه من الصفر، وواجهوا كثيرا من الصعوبات والتحديات، حيث افتتح المركز أولا ملحقاً في مبنى مدرسة ابتدائية، ولم يكن له اعتمادات أو أي من مقومات النجاح، ولكنهم تحملوا وبذلوا كثيرا من الجهد والصبر، ومضت بهم ومعهم الامور يترقون به حتى أصبح كيانا قائما بذاته، كانت جهودا فيها كثير من التحدي والاصرار والعزيمة، حافلة بالإنجاز والعطاء، والعمل كفريق واحدٍ، إلى أن وصل به إلى التميز، واصبح كيانا شامخا يفخر به، وواصل العمل فيه بكل تفان واصرار، إلى عام 1431هـ حيث هيأ الله افتتاح مكتب التعليم في فيفاء، وكان ضمن من كلفوا بالعمل فيه، وعلى نفس المنوال ساروا، فقد كان له بفضل الله دور مؤثر وايجابي في تأسيسه، وشارك وساند زميله الاستاذ حسن بن احمد الظلمي، الذي كلف بالعمل مديرا لهذا المكتب، مع نخبة من الزملاء كانوا خمسة أو ستة، فاستفادوا من خبراتهم السابقة في مكتب الداير، مما سهل لهم كثيرا من الادوار، وساعدهم على سرعة ونجاح تهيئة هذا المكتب، وكان لتعاون مديري المدارس دور في ذلك، مع الدعم اللامحدود من مدير التعليم بصبيا حينها، الأستاذ/ إبراهيم بن محمد الحازمي (حفظه الله).

وفي هذا المكتب كلف بالعمل مساعدا للمدير، وفيما بعد عندما دمج تعليم البنين والبنات، كلف بالعمل مساعداً للشؤون التعليمية، وبقي يودي عمله من خلاله بكل جدية، إلى أن تمت الموافقة على طلبه للتقاعد المبكر، حيث صدر هذا القرار في ١/٥/١٤٣٨هـ، بعد أن امضي ٢٥ عاماً في هذا الميدان التربوي الممتع.

شيخة القبيلة:

بعد وفاة والده رحمه الله وغفر له، الذي بقي شيخا لقبيلته ستين عاما، توافق افراد القبيلة على تنصيبه شيخا لهم خلفا له، وكان ولا شك اختيار موفق، لما لديه من العلم والخبرة والدراية والهمة العالية، مما يجعله مناسبا لمثل هذه المهمة، ولخبراته المكتسبة من خلال ملازمته لوالده، فقد تشرب كثيرا من القيم والمبادئ القيادية، من خلال ترعرعه في هذا البيت ملازما لوالده، المدرسة والقدوة والنموذج رحمه الله، يقول عن شيء من ذلك: (أزعم أن مما أثر في قيمي ومبادئي، هو حضور مجالس والدي، وملازمته صغيراً وكبيراً، ففي صغري كنت أجلس معه مجالس الصلح، وأحاديث الكبار وقصصهم، وربما كنت مزعجا في بعض الأحيان لوجود أسرار لا يصح اطلاعي عليها، واما في الكبر فقد رافقته في اجتماعاته، وفي مجلسه، وكنت ساعده في تحرير الخطابات، والرد على المعاملات، والقيام ببعض المهمات، وتحديداً في آخر ١٥ عاماً من حياته، واتطلع الآن إلى استكمال سيرته الحميدة في القبيلة وما جاورها، بل وفي فيفاء عامة، وفق معطيات الحقبة الزمنية الحالية)، وفقه الله وحقق امانيه واماني قبيلته فيه.

عضوية مجلس المنطقة:

عرض عليه عضوية مجلس المنطقة من قبل شيخ الشمل، لما يعرفه عنه من الصلاحية ليمثل بلدته واهله ومنطقته خير تمثيل، وهو عندما رأى أن المجلس سيحقق بعضاً مما يحبه لفيفاء وأهلها، تم قبوله لهذا الترشيح، وتمت الموافقة رسميا ليكون عضوا في هذا المجلس، ومما يتطلع إليه قوله: (اتطلع بإذن الله إلى خدمة المنطقة، وفق أهداف المجلس واختصاصاته، ومعلوم أن العضوية للمنطقة كلها، وليست خاصة بفيفاء، ولكن بحكم المعرفة ببيئة فيفاء وتضاريسها واحتياجاتها، فسأوليها بمشيئة الله اهتماما خاصا)، وفقه الله وسدده، ولا شك أن في جعبته كثير من الافكار والرؤى، ومن المبادرات والمقترحات النافعة، ولديه كثير مما يسعى إلى تحقيقه من خلال هذه العضوية المهمة، وهذا المركز المهم الذي هو جدير به، ونأمل منه كل خير، وندعو له بكل توفيق وسداد.

وله خبرات واسعة، وهو عضو ايجابي ومتفاعل مع كل نافع لوطنه ومنطقته وبلدته، وله ادوار ايجابية متعددة، ومشاركات نافعة ، ونذكر من خبراته وادواره باختصار ما يلي:

1 – عضوية ورئاسة عدد من اللجان في مكتب التعليم.

2 – عضو لجنة متابعة المشاريع في المحافظة.

3-المشاركة في المناسبات الوطنية في المحافظة وفي إمارة المنطقة.

ومن الانجازات التي يفخر بها:

1 ـ مشاركته في اكتشاف عدد من المواهب الأدبية الطلابية، اثناء عضويته في (نادي اللغة العربية) في محافظة صبيا.

2 ـ مشاركته الفاعلة في تأسيس مركز الإشراف التربوي (مكتب التعليم) بمحافظة الداير عام 1420هـ، وفي تأسيس مكتب التعليم في محافظة فيفاء عام 1431هـ .

3 ـ المشاركة في إنجاز المكتب الرائد في فيفاء.

4ـ عمله مساعدا لمدير مكتب التعليم في فيفاء لتسيير العمل التعليمي وتطويره.

وغير ذلك من الاعمال التي يحمد الله كثيرا أنه كان له دور ولو بسيط فيها.

ملاحظة: وقبل أن نختم حكايته والتعريف بسيرته، وتوافقا مع ما يتمتع به من حسن الوفاء وصادقه لمن يستحق ذلك، نفرد في هذه الاسطر التعريف بشخصية كان لها ادوار ايجابية في حياته، لمحت هذا الاسم يتردد في كل منحنى من مراحل حياته، وإلا فهناك الكثير، ولكني تجاوزتهم كلهم، لأفرد له بعد والديه الكريمين هذه المساحة، انه اخوه الاكبر(احمد رحمه الله)، الذي كان يعمل في كلية القيادة والأركان في الرياض، وكان بالنسبة له (كما يقول) الأب والأخ والصديق، وكان يلجأ إليه في كثير من المهمات، ويستشيره في الملمات، وكان سنده أثناء دراسته الجامعية في الرياض، يمده بالنصح والتوجيه، وبما ينقصه من المال، رغم قلة ذات اليد، ولكنه كان كريم معطاء، ومما لا ينساه له أنه وهبه عند زواجه مبلغا كبيرا جدا، كان يحتفظ به ويعده لتأسيس بيت له في فيفاء، ولكنه آثره على نفسه، وقدمه له بكل اريحية، قائلا خذه ديناً ليسرك، (قالها ليقبله)، ثم فيما بعد رفض استرداده منه بكل اباء، وقال (اعتبره هدية صغيرة مني لك)، رحمه الله وغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

الحالة الاجتماعية:

زوجته هي الفاضلة محسنة بنت علي محمد المخشمي (كرعان)، يلتقيان في النسب في الجد الرابع، ربة بيت فاضلة، وزوجة صالحة مدبَّرة، وام مربية حازمة، ولهما من الأولاد سبعة، خمسة ابناء وبنتان على النحو التالي:

١- بشاير جامعية، تخصص قسم اللغات والترجمة، من جامعة جازان.

٢- إياد في السنة التطبيقية، كلية التربية (التربية البدنية) جامعة جازان.

٣- زياد في السنة الثانية، كلية الحاسب وتقنية المعلومات، جامعة جازان.

٤- ريان طالب في السنة الاولى ثانوية، نيد الضالع بفيفاء.

٥- ربا طالبة في متوسطة الداثري والمخشمي بفيفاء.

٦- مازن طالب في ابتدائية الداثري والمخشمي بفيفاء.

٧- أوس أربع سنوات دون سن الدراسة.

حفظهم الله وبارك فيهم.

ونختم هذه السيرة العطرة، باقتباس شيء من فلسفته للحياة، التي لخصها في قوله (بقي القول إن كل ما تحقق في حياتي، إنْ كان يصح اعتباره إنجازاً، فهو أمر لم أخطط له.. ولم أفكر فيه.. وإنما في تدبير الله ما يغني عن الحيل.. فكان العمل هو الأساس في كل مشوار حياتي.. والله قضى أمراً كان مفعولاً..) جميل هذا القول، وهذا الايمان والتوكل والاعتماد على الله.

نسال الله له دوام التوفيق والسداد والنجاح، في الدنيا والاخرة، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرياض في الرياض في 24/4/1441هـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى