مشائخ .. واعلام .. ذكريات

الحلقة الثانية: من أوراق الوالد

عبدالله بن علي قاسم آل طارش ـ ابو جمال

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين ــ اما بعد :

الاتفاق على قاعدة تحديد المهور

يعدّ غلاء المهور من أهمّ أسباب عزوف الشّباب عن الزّواج، لعجز معظمهم عن توفير الاموال المطلوبة، وبالذات إن لم يجد احدهم عملا يدر عليه دخلا، أو لم يجد من يساعده من الاهل والاقارب أو من المجتمع، فالشاب يكون في مقتبل عمره وبداية حياته ليس له دخل أو يكون دخله محدودا، قد لا يستطيع توفير ما يطلبه بعض اولياء الامور من المهور المبالغ فيها، وقد تطول به رحلة البحث عن العروس، لعجزه عن جمع المهر وتكاليف الزواج، مما يفاقم المشكلة وقد يكون سببا لعزوفه نهائيا عن الزواج أو تأخيره، وسببا لتفشي كثيرا من الفواحش والمخالفات الاخلاقية لا سمح الله، وفي العادة أن المجتمعات الواعية تتعاون على ايجاد الحلول المناسبة لمثل هذه الامور، وقد تتدخل السلطات وتفرض الحلول إذا رأت الضرورة إلى ذلك، فالدين الاسلامي حث على تيسير امر الزواج، وفي تسهيل تكاليفه وما يترتب عليه، قال صلى الله عليه وسلم (اعظم النساء بركة ايسرهن مئونة) وقال صلى الله عليه وسلم (اعظم النكاح بركة ايسره مؤنة).

ومن هذا المنطلق ومع بداية ارتفاع المعيشة وتعدد مصادر الدخل في العقد الثامن الهجري من القرن الماضي، تزايدت مشكلة تأخر الشباب في الزواج بسبب المبالغة من بعض الاولياء في رفع المهور، مما شكل حاجزا حد من قدرة كثير من الشباب على الزواج، أو تأخرهم في تحقيقه، وعمت المشكلة معظم مناطق المملكة، مما زاد في انتشار العنوسة في غالب المجتمعات، واستوجب صدور توجيهات عليا بقيام كل اهل بلدة في تدارس اوضاعهم، والاتفاق على تحديد المهور وتكاليف الزواج بما يناسبهم، ويسهل امر الزواج ويكون امرا مقدورا عليه، وهو ما تم العمل بتفعيله لدينا في فيفاء حينها، حيث تم الاتفاق عليه بعد اجتماعات تمت بين امير المركز وقاضي البلدة والمشايخ واهل الحل والعقد، وتم التوافق واعداد هذا الاتفاقية، التي وجدتها بين اوراق والدي الشيخ علي بن قاسم آل طارش الفيفي، رحمه الله وغفر له وكتب ما قدم في موازين حسناته، وتفصيلاتها على النحو التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه، وبعد: فإنفاذا للأمر المعمم به من امارة جيزان، برقم 8191 في 4/5/1386هـ، والمعطوف على خطاب وزير الداخلية 324 في 10/3/1386هـ، المبني على خطاب جلالة الملك المعظم، رقم 4702 في 27/2/1386هـ، حول ما قرره سماحة رئيس القضاء، ازاء ما لوحظ من عزوف الشباب عن الزواج، وما نجم عن ذلك من اضرار اجتماعية واخلاقية، نتيجة لمغالاة اولياء امور النساء في المهور، وعملا بما اقتضاه الامر الكريم من اجتماع اعيان كل بلدة، للاتفاق على تخفيض المهور، بما يتناسب مع حالة الفقير ومتوسط الحال منهم، فقد اجتمعنا نحن الموقعين ادناه، مشايخ واعيان بلدة فيفاء، بقصر الامارة بحضور القاضي والامير، وبعد الاطلاع على الامر المذكور، وتدارس

حالة الاهالي، والعرف السائد في البلد، واستعراض القواعد المتفق عليها سابقا حول هذا الموضوع، وتداول الرأي في ما يلائم مستوى الاهالي بالنسبة للوقت الحاضر، واتفقنا على ما يلي :

اولا.. الغاء القواعد السابقة بين الاهالي بفيفاء عموما حول هذا الموضوع، لكونها اصبحت لا تتلائم مع مستوى الاهالي بالوقت الحاضر، وتحل محلها هذه القاعدة، اما بالنسبة للقبائل التي بينها اتفاقات تخصها على اقل مما تتضمنه هذه الاتفاقية، ويرغبون بقائها فتعتبر سارية المفعول، اذا لا تعارض بينها وبين هذه الاتفاقية.

ثانيا .. اتفقنا على أن يكون الحد الاعلى لصداق البنت البكر، بين عموم قبائل فيفاء، للموظف منهم وغير الموظف، والمقيم والمغترب، الف وخمسمائة 1500ريالا، يشمل جميع التكاليف، ما يسمى بمهر وشروط وهود، بحيث يكون الحلي ومشارط البنت، من اوضاح ومسك وعلوج وقطع ومثاقيل، ونحو ذلك مما يعود لنظر البنت عادة، بحدود ثمانمائة 800 ريال، ووليمة العرس المعروفة بالهود، لا تتجاوز المائتين 200 ريال، وهي بنظر الولي، أولم أو لم يولم، ويكون الحد للمهر خمسمائة 500 ريال، نصف المبلغ معجلا، والباقي مؤجلا لمدة سنة.

ثالثا .. اتفقنا على أن يكون الحد الاعلى لصداق المرأة الثيب الف 1000 ريالا، في جميع التكاليف، بحيث يكون الحلي والمشارط في حدود خمسمائة 500 ريالا، والهود مائة وخمسون 150 ريالا للولي، أولم أو لم يولم، وثلاثمائة وخمسون 350 ريالا مهرا، نصف المبلغ معجلا، والباقي مؤجلا لمدة سنة.

رابعا .. حفاظا على هذه القاعدة من التلاعب بها، والتحايل للخروج من مقتضاها، واعتمادا لمقتضى الامر الصادر، قررنا تطبيق العقوبات المالية والاحتياطات الاتية:

أـ ينشأ صندوق اعانة للفقراء المحتاجين للزواج، مرجعه القاضي، تورد اليه جميع العقوبات المالية على كل مخالف لهذه القاعدة، ويتولى القاضي رصدها لديه، وصرف المساعدات لمن يرى استحقاقه لها.

ب ـ يعاقب من يزيد عما ذكر آنفا، بمصادرة الزيادة في المهر أو الشروط أو الهود، تحت أي ستار، سواء سميت رضوة أو هدية، أو دفعت اشياء قيمت باقل من ثمنها، وسواء سلمت للولي مباشرة، أو لولده أو قريبه، بتواطئ بين الزوج والولي، وسواء سلمها الزوج أو سلمها عنه غيره، أو غير ذلك من الحيل، مهما انتحل لها من اسماء، ويكلف الولي أو من دفعت له تلك الزيادة بدفع ضعفها معها، لصندوق الاعانة.

ج ـ الزوج الذي يرغمه الولي إلى زيادة ما، بحيث يخشى أنه لو لم يرضخ لها أن يفسد عليه امر الزواج، بالضغط على المخطوبة بالتراجع عن رضاها، أو يتظاهر بان البنت مخطوبة من غيره، أو نحو ذلك من الاساليب، فاذا كشف النقاب عنها سواء قبل العقد، تعاد اليه الزيادة كاملة، أو بعد العقد مباشرة، فيعاد له نصفها، والنصف الثاني يورد لصندوق الاعانة، ويكلف الولي في الحالتين بدفع مثل الزيادة كاملا لصندوق الاعانة، اما إذا تقاعس الزوج حتى ابلغ عن الزيادة عن طريق غيره، فلا يعاد إليه منها شيء.

د .. الذي يكشف الزيادة ويبلغ عنها، من العرفاء أو المشايخ أو الافراد، فيكافئ بواقع عشرة بالمائة من الزيادة التي بلغ عنها، وبمثلها من الذي ارتكب المخالفة.

هـ .. يعاقب الولي الذي يثبت امتناعه عن التزويج بما في هذه القاعدة، بما يقتضيه الوجه الشرعي في العاضل، وبحرمانه من الهود، ويعتبر ممتنعا عن التزويج اذا هددها بالتخلي عنها، والتبرئ منها، أو عدم القيام لها، أو خوّفها بالضرب، أو بهجرها وقطيعتها، أو نحو ذلك من اساليب التهديد، التي يستعملها الاولياء عادة.

و .. من قوي اتهامه بالخروج عن مضمون هذه القاعدة، فيجري جلية التحقيق الدقيق معه من قبل الجهات الحكومية، وإذا لم يسفر التحقيق عن شيء يدان به فيحلف، واذا نكل، فيعاقب بما نكل به من مخالفة من عقوبة في هذه القاعدة.

ز .. على المحكمة أن تبلغ مأذوني عقود الأنكحة، بالتأكد عند العقد عن كون الصداق في حدود هذه القاعدة، ويأخذ تعهد خطي على المزوج والمتزوج تحت توقيعاتهما بعدم الزيادة، ورضاهما بتطبيق العقوبات المنصوص عليها في هذه القاعدة عند انكشاف أي زيادة، واعطاء الامارة بيانا باسماء المأذونين، لمنع أي متعاطي للعقود غيرهم.

ح .. كل شيخ قبيلة من المشايخ الموقعين على هذه الاتفاقية، ضمن في وجهه لبقية الموقعين، على من تحته في احترام هذه الاتفاقية وتطبيقها بكل دقة، على الصغير والكبير، وعدم الخروج عنها، ومراقبة ذلك والتبليغ عن أي مخالف للجهات الحكومية، وسوقه وضبطه لما يترتب عليه من عقوبة، وله التامة المتفق والمتعارف عليها، وهي العشر مما يسوق فيه، وله مثلها على مرتكب المخالفة.

هذا ما تم عليه الاتفاق بالإجماع، وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .

شيخ الشمل: حسن بن علي، شيخ الابيات: حسين احمد، شيخ آل العمامي: يحيى بن جابر، شيخ آل سلمان: سلمان بن قاسم، شيخ آل مخشم: سليمان بن اسعد، شيخ الاشراف: سلمان بن احمد، شيخ آل ظلمة: حسين بن محمد يزيد، شيخ العمريين: يحيى بن سالم، شيخ أهل الدفرة: جبران بن سعيدة، شيخ آل شراحيل: جبران بن مفرح، شيخ آل عبدل: اسعد بن يزيد، شيخ آل الثويع: يحيى بن اسعد، شيخ آل مشنية: جابر بن سالم، شيخ آل بالحكم : محمد بن احمد، شيخ اهل مدر: فرحان بن جبران، شيخ آل حرب: علي بن يحيى، شيخ الخسافي: جابر بن جبران .

مصدق عليه منا في 15/6/86

قاضي فيفا : علي بن قاسم امير فيفا: سليمان البشري

هذا هو نص الاتفاق وكما نلاحظ ما تضمنه من قوة، ودقة في قفل أي تحايل يصدر، من قبل أي فرد، وجعل الكل مراقب على تنفيذه، وفي عدم التلاعب والتحايل على مضمونه، ولذلك تلاه التعميم على المأذونين الشرعيين المخصصين لعقد الانكحة، للتأكد من الالتزام بمضمونه، وضمان تفعيله، والخطاب التعميم كان على النحو التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

خطاب رقم الصادر 192 التاريخ 25/6/86

المكرم الشيخ حسن يحيى شريف المكرم المطوع احمد علي سالم

المكرم محمد احمد يحيى المكرم سليمان جبر الظلمي

المكرم يحيى جابر العمامي المكرم يحيى سلمان الشراحيلي

السيد يحيى عبدالله مشكاع السيد حسين عبدالله مشكاع

المكرم هادي فرحان العبدلي المكرم جابر شريف الثويعي

المكرم سالم حسن الحربي المكرم سليمان احمد يزيد

المكرم قاسم محمد الحكمي المكرم سلمان يزيد المدري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد نشعركم اننا قد أذنا لكم بتولي عقود الانكحة، كل واحد منكم في جهته، مع مراعاة تطبيق ما يلي ..

أولا ـ شرط التأكد من أن الصداق المتفق عليه في حدود القاعدة بين اهل فيفاء، وهي الف وخمسمائة 1500 ريال للبكر، في جميع التكاليف، بحيث يكون المهر في حدود خمسمائة ريال، والهود في حدود مائتين ريال، والحلي والمشارط في حدود ثمانمائة ريال، نصف ذلك معجلا حال العقد، والنصف الثاني مؤجل لمدة سنة، والاحتفاظ بصورة الاتفاقية على المهر والشروط، وعدم اجراء أي عقد نكاح بأكثر مما ذكر، وإلا تحمل المأذون المسؤولية.

ثانيا ـ أخذ تعهد خطي من المزوج والمتزوج بعدم التواطئ على أي زيادة مهما كانت، ورضاهما بتحمل العقوبات المالية المنصوص عليها في القاعدة، عند انكشاف الزيادة، ودفعها لصندوق الاعانة في المحكمة، وهي الزيادة ومثلها معها، يدفعها الولي مع ما يتبع ذلك من عقوبات، سواء كانت الزيادة رضوة أو هدية، أو تحت أي ستار من الحيل.

ثالثا ـ التأكد من رضاء المعقود عليها، واذنها لوليها بالعقد إن كانت بكرا، وامرها له إن كانت ثيبا، بموجب شهادة شاهدين، يحتفظ المأذون بشهادتهما خطيا.

رابعا ـ التأكد من انتهاء عدة المطلقة المدخول بها، وهي ثلاث حيض لذوات الحيض، وثلاثة اشهر للائي لم يحضن، أو اليائسات من المحيض، ووضع الحمل للحامل، واربعة اشهر وعشرا للمتوفى عنها زوجها، وهي غير حامل، وذلك بأن تدلي بقولها عن انتهاء العدة على ايدي شاهدين، يحتفظ المأذون بشهادتيهما، مع احتفاظه بصورة رقيم الطلاق، أو بشهادة شهود الطلاق لديه لوقت اللزوم.

خامسا ـ لما كان بعض الناس يغرون المأذونين بإجراء عقود الانكحة على حبالى، لغرض الستر عليهن، وما يدرون ما وراء ذلك من المفاسد، وما يترتب عليه من فساد العقد، والوقوع في محظورات كثيرة، فينبغي الاحتراز عن ذلك، وعدم اجراء عقد النكاح إلا بعد التحري التام، خوفا من التلبيس، وأخذ تعهد الولي بتحمل مسؤولية ما سيترتب على فساد العقد عند ظهور التغرير.

سادسا ـ قد قدرنا لكم عشرة ريال على كل عقد قران، مكافئة لتعبكم، واعطينا الامارة صورة من هذا لمنع أي متعاطى لعقود الانكحة لا يحمل اذنا منا، ومجازاته حسبما تقضي به الاوامر، فعليكم ابلاغنا عن أي

متعاط لها خلافكم، لأجراء اللازم نحوه، وعليكم مراجعتنا في ما اشكل عليكم، من ما لم نوضح عنه اعلاه، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قاضي فيفاء/ توقيع : علي بن قاسم

صورة لأمارة فيفاء للإحاطة، ومنع أي متعاط لعقود الانكحة خلاف المذكورين.

فكما نلاحظ في مثل هذه الاتفاقية دور القاضي في السعي إلى اقرار الاتفاقية والعمل على تنفيذها بكل قوة وحزم، فالقاضي في الواقع هو القائم على اقامة العدل وما يصلح حال المجتمع، ومراقبة تنفيذه وسريانه في المجتمع، فهذه وظيفته التي نصبه ولي الامر من اجلها، فهو بحكم منصبه يملك الكثير من الادوات المهمة، التي تعينه على ذلك، ويستطيع بما اوتي من الصلاحيات، وما يفرضه منصبه من القوة والاحترام، في اصلاح كثير من الامور التي يتضرر منها المجتمع، وايجاد كثير من الحلول بالتوافق، بعد تدارسها مع اهل الحل والعقد في البلدة، ثم الصرامة في تنفيذها ليضمن نفعها وازالة ما يخالفها.

وإلى اللقاء في اوراق تالية بمشيئة الله تعالى وتوفيقه ـ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرياض في 28/6/1441هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق