مقالات

صلوا في رحالكم….ولا تهلكوا أنفسكم

يحي يزيد سلمان الحكمي الفيفي

الله رؤوف بعباده, لا يرضى لهم الضر ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به, أمرهم بعبادته وجعل لأهل الأعذار منهم رخص, فقال ” فاتقوا الله ما استطعتم “التغابن : 16 , وقال :” لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ” البقرة : 286, وقال :” ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين “البقرة : 195 وإذا حصل منا تقصير بشرنا بأن رحمته سبقت غضبه .

ومن رحمته بنا أن شرع لنا ديناً سمحاً , يتجلى في كل أمر من أوامره ونواهيه , دقيقها وجليلها , فكانت بحق بعثاً جديداً للقيم في جوهرها , وكل مسالكها , ودروبها , ونظمها . قال سبحانه وتعالى :” يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ” البقرة : 185. وقال تعالى :” وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ” الحج : 78

ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم رسول الرحمة للعالمين فقال تعالى :” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” الأنبياء : 107 , فلم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بين لنا سماحة هذا الدين بالأقوال والأفعال وأبان لنا عزائمه ورخصه , وأن هذا الدين يحافظ على القواعد الخمس ومنها النفس, فلا يرضى للإنسان أن يهلك نفسه ويوردها موارد الهلاك ومعه في دينه رخصة من خلالها يبقي على حياته .

فقد روى أبو داود وغيره من حديث جابر قال : خرجنا في سفر , فأصاب رجل منا حجر فشجه في رأسه , ثم احتلم , فسال أصحابه , فقال : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء , فاغتسل فمات , فلما قدمنا على الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله , ألا سألوا إذا لم يعلموا , فإنما شفاء العي السؤال , إنما كان يكفيه أن يتيمم , ويعصب على جرحه خرقة , ثم يمسح عليها , ويغسل سائر جسده ” أهـ

وفي عدم حضور صلاة الجمعة إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك رخصة , فعن أبي قلابة , عن أبي المليح , عن أبيه , أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في يوم جمعة وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم , فأمرهم أن يصلوا في رحالهم . قال الألباني : صحيح

هذه الرخصة رحمة وجاءت في موقف رحمة نزول الغيث ليحيي الأرض بوابل السماء ليشرب العطشان , وينبت الزرع . فماذا لو كانت هذه الرخصة في موقف بلاء وشر ووباء ؟ ألا يكون الأمر أوجب للأخذ بها لما فيه من المحافظة على النفس من الهلاك وانتشار هذا الوباء بين المسلمين.

وفي هذه الأيام يعيش العالم فترة انتشار وباء ” كورونا” وكل دولة اتخذت التدابير التي ترى أنها حل أو جزء من حل لهذه الكارثة , وحكومتنا الرشيدة وفقها الله أتخذت حزمة من التدابير الوقائية للحفاظ على المواطنين والمقيمين على أرض المملكة والمسلمين من خلال تعليق العمرة والزيارة وما يتبع ذلك من صلوات في المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمساجد بوجه عام بالإضافة إلى إغلاق جميع المواطن التي تكون سبباً لتجمع الناس فيها.

كل هذا من أجل المحافظة على المواطنين والمقيمين على أرض هذا الوطن المعطاء من الإصابة بهذا الفيروس .

وحيث أن عدم إقامة صلاة الجمعة في هذه الفترة أمر لم يعهده الناس عبر التاريخ إلا القليل فقد شق عليهم نوعا ما , ولكن الموقف يحتم ذلك لأن الأحداث الماضية كانت إما عدو غاشم فيكافح بالرجال والمعدات ويكون في موقع دون آخر أو أمطار فهي كذلك تكون في مدينة دون أخرى . ولكن الأمر الذي جعل الصلاة لا تقام جمعة هو عدو لا يرى فيصد ولا يعرف وجهته فيرد ,فكان لا بد من منع التجمعات بهدف الحد من انتشاره لما قد يترتب على انتشاره من كارثة بشرية عظيمة.

وهنا يجب أن نركز على أربع نقاط هن أساس الحديث :

الأولى : أن هذا الوباء وكأي وباء عبر التأريخ البشري يلزم أخذ الحيطة والحذر منه والتمسك بنصائح وإرشادات الدولة وفقها الله , فالأمر جد لا مزح فيه.

الثانية : أن حكومتنا الرشيدة تسعى جاهدة مسخرة جميع إمكاناتها للحفاظ على المواطنين والمقيمين من أي بلاء يلحق بهم لا قدر الله.

الثالثة : أن لدينا علماء أجلاء نثق بهم وبعلمهم وورعهم وتقواهم فلا يمكن أن يصدر عنهم إلا ما يستندون فيه إلى الكتاب والسنة وأقوال وأفعال السلف الصالح.

رابعاً : أن العقلاء في هذا الوطن يقفون مع حكومتنا الرشيدة في كل ما تتخذه من تدابير وقائية ويؤمنون إيماناً كاملاً أن ذلك حفاظاً على مصالحهم الدينية والدنيوية .

نسأل الله أن يرفع عنا هذا البلاء , وأن يجعل مصيره إلى الزوال في القريب العاجل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق