مقالات

المسامح كريم

يحي يزيد سلمان الفيفي مدرب مجال ( اجتماعي وإداري وتطوير ذات )

في الأيام الماضية شاهدت أغلب حلقات البرنامج الشهير ( المسامح كريم) لمقدمه المخضرم جورج قرداحي وكان ذلك عبر اليوتيوب , فلاحظت سمو الفكرة , ومهارة التقديم , وادب الحوار, وفن الإقناع ولباقة الحديث , وحسن الاستقبال , والتجرد من الميول العاطفي لأحد الطرفين .مع احترام تام لوجهات نظر كلا الطرفين , ليسوغ هذه وتلك في جمل مؤثرة , وعبارات تخاطب الضمير , وتهز الكيان وتدمع العين , كلمات تدل على حسن نية تنبع من القلب فتصل إلى القلوب فتكون نتيجتها ( المسامح كريم ). وكلما استمعت إلى حلقة ذات مشكلة معينة دعاني فضولي لأستمع إلى حلقة أخرى ومشكلة أخرى فأجدها مختلفة عن سابقتها شكلاً ومضموناً ,و قد تكون أسهل من سابقتها أو أكثر تعقيداً ,ولكن الإعلامي المخضرم دوماً كان فارس اللقاء يجمع أطراف المشكلة ,ويلم بموضوع الخلاف فيهدئ النفوس ويوحد الحديث , يستخدم شعرة معاوية بذكاء وفطنة ومهارة وحزم . فتكون النتيجة ( المسامح كريم) فخرجت من تلك المشاهدات بفوائد هي :

أولاً : من الركائز التي قررها الإسلام , وعلمها للمسلمين , وغرسها في عقولهم وضمائرهم : أن الناس قد يعادي بعضهم بعضاً , لأسباب مختلفة , دينية أو دنيوية , ولكن هذه العداوات – على حق كان أو على باطل – لا تدوم أبد الدهر , فالقلوب تتغير , والأحوال تتبدل , وعدو الأمس قد يصبح صديق اليوم , وبعيد اليوم قد يصبح قريب الغد , وهذه قاعدة مهمة في علاقات الناس بعضهم ببعض , فلا ينبغي أن يسرفوا في العداوة , حتى لا يبقوا للصلح موضعاً , وهذا ما نبه إليه القرآن الكريم حيث يوضح بعد نهيه عن موالاة أعداء الله وأعداء المسلمين في أول سورة الممتحنة , وضرب مثلاً بصلابة إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم :” إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ” الممتحنة :4 ,

بعد هذا قال تعالى :” عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ” الممتحنة : 7.

ثانياً : الخطأ سمة من سمات البشر , وكل إنسان في هذه الدنيا معرض للخطأ تحت وطأة الظروف والانفعالات , فـــ ( كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) , وليس عيباً أن يخطئ المرء أو يذنب فهو مجبولاً بطبعه على ذلك , ولا يمكن أن يسلم إنسان من ارتكاب الخطأ أو الوقوع فيه – إلا الأنبياء والمرسلين الذين عصمهم الله تعالى عن ذلك . فقد جاء في الحديث الصحيح عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ” رواه مسلم .

ثالثاً : لحصول التسامح الكامل والعفو الوافي التام  لا بد للطرف الآخر من الاعتراف بالخطأ فإن الاعتراف بالخطأ من أخلاق المؤمنين , ومن صفات الأبرار الخيرين ,والمسارعة والمبادرة لطلب العفو عبر جميع الوسائل الممكنة . فهذا يونس عليه السلام اعترف بما اقترف , فنادى ربه في ظلمات ثلاث , ظلمة الليل , وظلمة البحر, وظلمة بطن الحوت , قال تعالى :” وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ” الأنبياء : 87-88..

ولكن العيب كل العيب أن يستمر الإنسان في خطئه , ويرفض الاعتذار والرجوع إلى الحق , بحجة عزة النفس الكاذبة , فالإقرار بالخطأ والإحساس بالمسئولية والندم , هو سلوك حضاري وفضيلة تدل على الثقة العالية بالنفس , وفن ومهارة شخصية واجتماعية .

رابعاً : التسامح من الأعمال التي يحبها الله تعالى مصداقاً لقوله :” والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ” آل عمران : 134, أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم , فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد , وهذا أكمل الأحوال , ولهذا قال :” والله يحب المحسنين ” فهذا من مقامات الإحسان

عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إذا كان يوم القيامة ناد, مناد يقول : اين العافون عن الناس ؟ هلموا إلى ربكم , وخذوا أجوركم , وحق على كل أمرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة ” تفسير ابن كثير ج1. وقال تعالى :” فمن عفا واصلح فأجره على الله ” الشورى : 40

قال الشيخ السعدي رحمه الله : وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو , وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به , فكما يحب أن يعفو الله عنه , فليعف عنهم , وكما يحب أن يسامحه الله , فليسامحهم , فإن الجزاء من جنس العمل ” أ. هـ

قال الأحنف بن قيس رحمه الله :” إياكم ورأي الأوغاد , قالوا وما رأي الأوغاد ؟ قال الذين يرون الصفح والعفو عاراً .”

فليكن التسامح لنا سجية , ولنكتب الاساءة على الرمال عسى ريح التسامح تمحها , وننحت المعروف على الصخر حيث لا يمكن لأشد ريح أن تمحها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق