مشائخ .. واعلام .. ذكريات

من أوراق القاضي/ علي بن قاسم رحمه الله وغفر له

عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين ــ اما بعد :
الحلقة تتحدث عن: رسالة خاصة من مهندس اوروبي.
الاسلام دين المحبة والعشرة والتسامح، دين التواصل والاختلاط بالناس، دين لا يعزل المؤمن عن بقية البشر، مهما كانت جنسياتهم والوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم، بل دين يحث اهله على التعامل الحسن مع كل الناس، بكل تكويناتهم ومعتقداتهم، ولذا لم يتوسع الاسلام وينتشر إلا بحسن اخلاق اهله، التي يفرضها عليهم دينهم، وتعاملهم الجميل الطيب مع كل الناس، قال صلى الله عليه وسلم (انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) ، والرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله مع كل الناس قدوة ومنهاجا وسنة سنها لاتباعه، ففي حياته الاجتماعية في مكة والمدينة وغيرها، راينا كيف كان تعامله صلى الله عليه وسلم، مع كل اهل الاديان السابقة للإسلام، وحتى مع اهل الشرك المسالمين، فجاوره اليهود في المدينة، فوجدوا فيه التعامل الصادق الحسن، تعاملا فيه الاحترام وحسن العشرة, تعاملا راقيا عادلا، يغلفه الصدق والود والمحبة والالفة، بل وورد في الحديث المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم (مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير)، فقد كان عليه الصلاة والسلام نعم الجار، حسن الاخلاق والتعامل من الجميع، قال تعالى ( وأنك لعلى خلق عظيم)، كان مع المسلمين والمنافقين ومع غيرهم من اهل الكتاب والمشركين المسالمين، ممن كانوا يعيشون معه في المدينة، أو ممن يفدون اليها من خارجها، نموذجا راقيا في حسن التعامل واسوة حسنة لكل المسلمين، فهو صلى الله عليه وسلم القدوة والمشرع، يجب علينا كمسلمين أن نحذو حذوة، ونسير على نهجه، ونتبع سنته القولية والفعلية، ولا نحيد عن ذلك طرفة عين (فبِمَا رَحْمَةٍ من اللهِ لِنتَ لهُمْ وَلَوْ كُنتَ فظّا غَلِيظَ القلّبِ لا نفضّوا مِنْ حَولِك)، لقد سن لنا الطريق الصحيح في كل امورنا وتعاملاتنا.
فكيف استقبل صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، لقد استقبلهم ضمن الوفود التي قدمت إليه في المدينة، ولم يمانع من أن يؤدوا شعائر دينهم في طرف مسجده صلى الله عليه وسلم، وصالحهم وكتب لهم عهدًا جاء فيه: (ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله، على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم، لا يغير أسقف عن سقيفاه، ولا راهب عن رهبانيته، ولا واقف عن وقفانيته، ويروي: “ولا وافه عن وفهيته)، وهو القيم علي البيت المعد لعبادة النصاري، وكذلك نص صلى الله عليه وسلم في معاهدته معهم: (أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم، لا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش، ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين) .
قال تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8] ثم كيف سار على نهجه خلفائه من بعده، وكل المسلمين على مر العصور والقرون التالية، ومن ذلك ما وضعه لنا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في ابرامه المعاهدة مع نصارى بيت المقدس عندما فتحه، وكما هو معروف ومشتهر دخول كثير من شعوب الارض في افريقيا وجنوب شرق اسيا وغيرها في الاسلام بحسن العشرة والتعامل الاسلامي الراقي من بعض المسلمين، فكانت هذه العشرة دعوة غير مباشرة للإسلام الحق.
كانت فيفاء وإلى وقت قريب تعيش في عزلة متناهية، بسبب وعورة تضاريسها وانعدام الطرق الميسرة فيها، ونقص معظم الخدمات داخلها، فهي قاصرة على اهلها في الغالب، والغريب يعاني إن لم يجد من يستضيفه من اهلها، فلن يتوفر له المأوى ولن يجد الأكل، فلا توجد أي خدمات عامة، فلا فنادق ولا مطاعم ولا شيء من هذا القبيل، وهذه هي حال معظم كل المناطق غير المدن الكبيرة العامرة، فالغريب أو الزائر وهم قلة، انما يقصد أحدهم بيوت أهل البلد ليضيفوه، أو علية القوم ومشايخها حسب مكانته، حتى يجد عندهم الضيافة اثناء أقامته، وفي بداية هذا العهد الزاهر كان الغريب يقصد مركز الامارة، أو المشايخ أو احد المسؤولين والاعيان، أو من يحسن استقباله من عامة الناس، ويزداد الأمر تعقيدا للغريب غير العربي، ممن لا يحسن التحدث والافصاح عن نفسه، وبالذات غير المسلم فأمره اشد واصعب، لأن الترسبات لدى معظم الناس في كل المجتمعات عن مثل هولاء الغرباء قاتمة السواد، ويعتريها كثير من الحساسية والنظرة المتوجسة، بل ويجهل معظم عامة الناس الحكم الشرعي الصحيح في التعامل معهم، فيداخلها كثير من التحرزات والتخوف من ان الدين يحرم هذا، ومع أنهم كانوا يعايشون كثيرا من يهود اليمن، قبل أن يهاجر هولاء اليهود إلى فلسطين قبيل حرب عام 48م، فكانوا يأتون الى فيفاء ويبقون فيها لفترات طويلة، لكونهم يشتغلون في صياغة الحلي والمعادن الثمينة التي لا يستغني عنها الناس، ولم يكن بينهم أي تحفظات من أجل المعتقد المخالف.
وكما هو معروف ومشهور فإن معظم الغربيين الاوربيين، يحبون التجوال والاستطلاع والاكتشافات، ويحرصون على دراسة حياة الناس في المجتمعات الاخرى، لأن لها سوق رائجة في بلدانهم، ولها كثير من المتابعين، سواء في جامعاتهم العلمية، أو في دور البحث لديهم، وفي المكتبات والمتاحف ودور النشر، فتعود على هذا الباحث والمستكشف بالشهرة الواسعة والتخليد، ويجني من خلفها اموالا كبيرة، لذلك فهم يحرصون على التسابق في التجوال، وفي اكتشاف الاشياء الجديدة والغريبة في كل مناطق العالم، وبين ايدينا طرف من حكاية رجل من هولاء القوم، كان مهندس معماريا، يعمل ضمن الشركة المنفذة لسد وادي جيزان، في نهاية العقد الثامن الهجري من القرن الماضي (قبل خمسين سنة من الآن)، وكان يستغل وجوده في هذه المنطقة المجهولة المعالم حينها، فيقوم برحلات استكشافية للمناطق في جوار مقر عمله، وبالطبع كان من ضمنها زيارته لجبال فيفاء.
كانت السيارة حينها لا تصل إلا إلى سوق عيبان في سفح فيفاء الغربي، فأوقف سيارته هناك وارتقى الجبل ضمن المشاة، وحيدا ليس له رفيق إلا سواقه الذي انتظره في سوق عيبان، ولما وصل سوق النفيعة حيث مركز الامارة فيه، وعلى ما يبدو أن امير المركز لم يكن موجودا في ذلك الوقت، ولم يجد من يستقبله من موظفي الامارة، وكان بالصدفة أن قابل الوالد قاضي البلدة حينها، المقيم في جوار المركز، فرحب به واحسن استقباله، واستضافه ضيفا مكرما معززا في بيته، واذكر أنه لم يكن يجيد التحدث باللغة العربية، فكان يصعب التحدث والتواصل معه، وكان الوالد يستعين لأجل ذلك بممرض المستوصف، ممرض من الجنسية الفلسطينية اسمه (خضر)، كان يجتهد في التفاهم مع هذا الغريب باللغة الانجليزية، وهما لا يتقنانها الاتقان الجيد، فالمهندس (نمساوي أو سويدي)والممرض ليس لديه الا مبادئ بسيطة، ولكنهما على العموم تواصلا بما سهل كثيرا من التفاهم ، وحقق كثيرا من الترجمة للأساسيات الضرورية.
استضافه والدي في بيته معززا مكرما، وكان يصحبه في بعض جولاته، أو يجعل معه من يرافقه فيها، وكان هذا المهندس شعلة من النشاط لا يكاد يهدئ، وقد بقي ضيفا له لما يقارب الثلاثة ايام، وبعدها غادر فيفاء من حيث اتى عائدا إلى مقر عمله، وعلى ما يبدو أنه استمر التواصل بينهما، لفترات طويلة كما يتضح من الرسالة، فهذه الرسالة وجدتها بمرفقاتها بين اوراق والدي رحمه الله وغفر له، رسالة كما تلاحظون معبرة مفعمة بالحب والوفاء، وتعطينا صورة واضحة عن انطباع هذا الرجل الغريب، وكيف تركت هذه الضيافة وحسن الاستقبال فيه كثير من المعاني النبيلة السامية.
لا نطيل بهذه المقدمة ، بل ندعكم تستكشفون بأنفسكم، كل تلك الامور من خلال استعراض هذه الرسالة المعبرة، وهي كما يلي :

سد وادي جيزان 20/4/68

سيادة قاضي جبل فيفا الجليل
سلام وتحيات ابعثها لسيادتكم راجياً لكم دوام الصحة والعافية.
إن زيارتي لكم يا سيادة القاضي كانت امتع واروع ما شاهدت في المملكة، انني لن ولم انسى هذه الايام الجميلة وما شاهدت، طوال حياتي ، إنني اشكر سيادتكم يا حضرة القاضي على ما قدمتموه لي وعلى ما شاهدته من كرم عربي اصيل.
ارسل لكم يا سيادة القاضي صورة لكم، ارجو أن تنال اعجابكم، وفي زيارتي القادمة لكم، سأطلعكم على مجموعة اخرى من الصور، بعدها يمكن أن تختارو ما تشاؤن ، لقد أسفت جدا يا سيادة القاضي فلقد وعدتكم بان اوصلكم الى جيزان ولكن للأسف لم اوصلكم أو لم اتمكن لان السواق عبدالله اضاع الطريق، ويؤسفني ايضا الصداع الذي حصل لكم نتيجة السرعة الذي قاد بها عبدالله السيارة، لقد تكلمت مع عبدالله السواق ولمته على هذا كله ، ولقد بهذلته على هذا وانذرته فلو عمل مثل هذا مرة ثانية فسوف استغني عن خدماته وعن عمله .
ان بيتكم وحدائقكم يا سيادة القاضي كان اكثر ما اعجبني في جبل فيفا، وبأخص كرمكم ، وحسن ضيافتكم هما اجمل ما شاهدت من انسان جليل مثلكم.
وختاما سلامي وتحياتي مع دعائي لكم بالصحة والرفاهية.

امضاء المهندس
سوهانك
سد وادي جيزان

ثم اما بعد:

يا ترى ماذا خلفت هذه الزيارة، وهذا التعامل الحسن في نفس هذا الرجل، وكيف كانت انطباعاته وذكرياته عنها، وكيف نتصور أنه نقلها إلى الاخرين في بلده، بين اهله واصدقائه وزملائه، وماذا تركه وخلّفه في اوراقه ومذكراته، لابد أنه تحدث وفخر بما قام به من زيارته لفيفاء، ومغامرته في الصعود والتجول فيها، وما التقطه من صور بعدسته وبعينه وقلبه منها، وماذا تركت في نفسه من انطباعات جميلة لا تنسى، وكيف سيتحدث ويفخر من أن قاض هذه البلدة، والحاكم الشرعي بها، ومن اكبر العلماء فيها، قد استقبله واستضافة في بيته، وقام على خدمته طوال هذه الزيارة، وتقبله كما هو، وهو على غير دين الاسلام، وكيف سيتحدث عن سماحة هذا الدين من خلال هذا النموذج، وعن المسلمين وحسن عشرتهم للاخرين، وعن انطباعه الجميل عنهم، ومحاسن هذا الدين واخلاق اهله.

هذه بعض استقراءاتي لهذه الرسالة، ووجهة نظري عنها، وقد يؤيدني البعض، ويرى غير ذلك البعض الآخر، احببت أن ابثها بين ايديكم للفائدة، رحم الله الوالد وغفر لنا وله، وجمعنا به واياكم في جنات النعيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرياض في 11/8/1441هـ

 

‫2 تعليقات

  1. الله يعطيك العافيه ابا جمال
    هكذا هم العضماء ومن خلفهم من المخلصين امثالك قدوه ومثال يحتذى به وها انت تسلط الضوء على امور هي انعكاس لصوره رائعه رسمها عنا الفضلاء امثال الشيخ علي قاسم رحمه الله
    متى ما استشعرنا هذه التصرفات وقيمتها الحقيقيه
    اتذكر انى كنت اتجول في صغري مع بعض انسابي وصهوري في المحيط الجغرافي وانا صغير سن جدا واستغرب الحفاوة التى كنت اقابل بها والاهتمام
    واتيقن الان انها نتيجه افعال وامجاد رسمها ابائنا واهلنا عنا وهذه القيمه التى يجب ان لا نطمسها بتهاوننا وان نحفظ لمن سبقونا قدرهم لما قدموه لنا ولمن بعدنا
    فلا زلنا كعرب مثلا نكافئ ويرد لنا الجميل بكرم حاتم الطائي
    وهكذا باقي المواقف كموقف القاضي وغيره من امثال الاستاذ حسن فرح وشيخ الشمل وجابر جبران الحكمي وامحم ابنحمد الحكمي وغيرهم كثير رحمهم الله وجزاهم عنا خير الجزاء

  2. فعلا الدين الإسلامي لمن يعيه ويفهمه ويجيد التعامل من خلال تعليماته الشرعية سيكون قدوة حسنة ومنبر دعوة من خلال تعامله وحسن اخلاقه ووالدكم فضيلة القاضي الجليل علماً وقدراً عُرف بالرزانة والخلق وحسن التعامل وفق منهج الدين الصحيح وبذلك وصل حبه شغف القلوب في مجتمعه وبين معارفه واصدقائه ومع الغريب اياً كان، وهذا من حسن ذاته، وبهذه الأخلاق وجميل الصفات التي حباه الله بها وصل لهذا الذكر الحسن حيث نستشف ذلك مما عبر عنه هذا المهندس الذي لا يجيد العربية وكذلك فضيلة والدنا لا يجيد لغته الاّ أنه وصل لمشاعره وقلبه بهذا التعامل الراقي والضيافة المعروفة من فضيلة القاضي فهو يشتهر بالكرم والتحدث ببساطة ولطف مع ضيوفه وجلساؤه .. الاّ في مجلس القضاء فهنا الهيبة والحزم رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته…

    والدكم مدرسة وقدوة يقتدى بها بين كل من يعرفه او يقرأ لكم من جميل ما تنقلونه من سيرة عطرة مباركة تذكر له وتشكر ويترحم عليه من القلب…

    فله اسهم في كل مجال من مجالات الحياة وكذلك في التطور والرقي الذي تعيشه فيفاء وتسمو فيه بخلاف غيرها ممن لم يحالفهم الحظ بوجود مثله بينهم حتى يتم نقل مطالبهم وما يحتاجونه لولاة أمرنا حفظهم الله الذين لا يألون جهداً في اسعاد المواطن في كل مكان من مملكتنا الحبيبة…

    نرفع لك الشكر والتقدير لقاء ما تبذله فضيلة الشيخ ـ عبدالله علي قاسم آل طارش وأنت الشبل من هذا الأسد رحمه الله فكان محباً للخير دون تعنصر أو تمييز وأنت أخذت الكثير من دماثة خلق ابيكم وحسن تعامله زادكم الله توفيقاً وسداداً، وبارك الله لك في عمرك واهلك ومالك وعملك…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق