مقالات

موقفٌ لم يكنْ فيصلاً

أ. عيسى بن سليمان الفيفي

قمت بزيارة لمركز الشيخ علي بن قاسم آل طارش الفيفي – رحمه الله – في يوم الخميس 21 / 12 / 1440هـ ، ودخلت مكتبة الشيخ – رحمه الله – واطلعتُ على ما تحويه من كنوز الكتب وبحور العلم والمعرفة، ومن المؤلفات قديمها وجديدها، وأخذت فيها جولة ما يقارب الساعة، وتصفحتُ من الكتب قديمها وجديدها، ورأيتُ فيها العجب وما يَذهلُ له العقل من كتبٍ قديمةٍ جداً، وبعضهما مخيطة حتى لا تتناثر أوراقها، فهي تراثٌ علمي يجب الحفاظُ عليه، وأوليتُ كتب الشيخ – رحمه الله – كل اهتمامي، لأنني بصدد إصدار كتاب بعنوان (مؤلفات الشيخ علي بن قاسم الفيفي رحمه الله) – سيرى النور بإذن الله بعد العيد – وأردتُ أن أزورَ مركزه لعلِّي أجدُ فيه ضالتي من مؤلفاته، فوقعت عيني على كتيب صغير الحجم، بعنوان (مفتاح دار السلام بتحقيق شهادتي الإسلام) من مؤلفات العلامة حافظ بن أحمد الحكمي وبتحقيق الشيخ علي بن قاسم الفيفي رحمة الله عليهما، ولم يكن عندي منه نسخة، ولم أره من قبل، وكانت عدة نسخ في رف المكتبة، فأخذت نسخة منها واتجهت إلى المكاتب بجانب المكتبة، فسلمتُ ودخلتُ، ولقيتُ أول ما دخلتْ شخصٌ جالسٌ خلفَ أول مكتب عند الباب، تعلو محياهُ ابتسامة، فاستقبلني ورحب بي وسلَّم عليَّ سلاماً حاراً كأن بيني وبينه معرفةٌ من القدم، طبعاً وجهه ليس غريباً عليّ إطلاقاً، لكنني والله لا أعرفه مطلقاً، ولم أعرفه من قبل، ولم يدر بخلدي من يكون هذا الشخص أبداً، ويسأل عن أخباري وعن إخواني وخصص من بينهم أخي الكبير (أحمد)، فوقع في نفسي من هذا الشخص، كيف يعرفني وأنا لا أعرفه، وقلت له باستغراب (تعرف أحمد؟)، لعله يفصح لي عن اسمه، ولو تلميحاً؛ قال وهو يضحك (ألست من آل برقان)!! قلت: بلى؛ وانصدمت ونسيت أسأله عن اسمه، ومن يكون!!، قال أعرف أحمد وأعرف عبدالله وأعرف أبوك، وأعرف عمك حسن وأولاده وأعرف موسى ومحمد وأعرف فلان وأعرف فلان . . . . . وأخذ يعدد لي أسماء العائلة . . حتى قلتُ ليتَني سكتُ . . وهو يضحك، ومعه زملاؤه الأستاذ محمد مرعي، والأستاذ محمد حسن، ورابع لا أعرفه، وأثناء الحديث معه، أعصر مخي وأدير شريط ذاكرتي لعله يخرج أو ألمحه من قبل؛ ولكن للأسف.
ثم تحدثتُ معه بشأن هذا الكتاب، وأني أريد إضافته في كتابي المذكور سابقاً، وسألني عن الكتاب وعن عملي فيه بحرص، ثم قلت له: الحمد لله، كتب الشيخ – رحمه الله – عندي كلها ما عدا هذا الكتاب (مفتاح دار السلام) بأخذ هذه النسخة استعارة حتى أنتهي منه، فقال: من أين حصلت على الكتب كلها؟، قلت: له من أبناءه! قال: أي أبناءه؟ قلت أبو جمال وأحمد وخالد ومنير وعبدالصمد، ومحمد سليمان ابن عمهم، ثم قال: ما شاء الله تعرفهم!! وفي نفسي من هذه الأسئلة شيء، وينظر في صاحبه، في قناعته أنني لم أعرفه؛ وفعلاً والله لم أعرفه، ثم قال إذا تبغى نعطيك نسخة تأخذها لك عادي؟، قلت له: لا، سأستعير هذه وتفي بالغرض، وفي نفسي يا ليت والله!، وقد وصلتني نسخة منه فيما بعد من أبو جمال شكر الله فضله.
ثم أخذتها بعد تسجيل اسمي في قائمة الاعارة، وبعد حديثي معهم قليلاً خرجتُ مودعاً لهم، على أمل اللقاء نهاية الفصل موعد إعادة النسخة، وقال متى ما أردت شيء من المكتبة تعال لي وهذا مكتبي، ولاحظتُ حرصه على أن أستفيد من المكتبة، وفي بالي سأعرفه وأتعرف عليه في موعد الإعادة، وأنا والله مستغربٌ مَن هذا الرجل، وأسئلته، وابتسامته، وحديثه، وكرمه، وحرصه، وخرجت وأنا أفكر فيه من يكون، ولماذا حرصه هذا، والله لم أنساه أو أنسى موقفه ذلك.
وبعد وفاة فيصل بن علي بن قاسم آل طارش الفيفي رحمه الله وانتشرت صورته على مواقع التواصل، فإذا بي أفاجئ أنه ذلك الرجل صاحب الموقف النبيل السابق، فإذا هو فيصل بن علي رحمه الله، الذي يعرفه القاصي والداني، وهذا الموقف لم يكن فيصلاً لمعرفته إلاّ بعد رحيله رحمه الله، ولا تسأل عن الغبنة، أني ما عرفته وقتها، لعلّي أتزود منه ببعض المعلومات عن الشيخ وعن مؤلفاته؛ ليكون التوثيق زيادة في القوة، ودارت في خلدي أسئلة واستفسارات كان كل إجاباتها في ذلك الموقف.
رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته وعفى عنه، وجعله من عتقائه من النار في هذا الشهر الفضيل.
وأحسن الله عزاء أهله وذويه ومحبيه، وجبر مصابهم، وعوضهم خيراً في مصيبتهم؛ إن لله وإنا إليه راجعون.

في
26 / 9 / 1441هـ
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق