تقارير وتحقيقات

“ﻣﺤﻤﯿﺔ ﻓﯿﻔﺎء اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ”

ﻋﺒﺪاﻟﺴﻼم ﺣﺴﻦ ﻣﻮﺳﻰ اﻷﺑﯿﺎﺗﻲ

*الجوهرة المفقودة (جبال فيفاء)!*
لقد تميزت جبال فيفاء وعرفت منذ القدم بطبيعتها الخلابة، وتنوعها الثقافي ، المعماري، والطبيعي بشقيه النباتي والحيواني. هذا التنوع الطبيعي أفضى إلى خلق نظام بيئي مغاير للكثير من الأنظمة البيئية الموجودة في جبال السروات أو حتى في المملكة العربية السعودية والذي قل ما تجد مثيله في المملكة العربية السعودية التي يغلب عليها المناخ الصحراوي، وقد كان من الضرورة بمكان أن يتم النظر إلى هذه البيئة على أنها ثروة طبيعية جالبة للكثير من المشاريع السياحية ، والدراسات الميدانية للكثير من التخصصات العلمية الجيولوجية والنباتية والبيئية والجغرافية الطبيعية والأحيائية فهذه بيئة خصبة للباحثين والأكاديميين.
لذلك في هذا المقال سنقوم بطرح علمي يناقش فكرة ضرورة حث المسؤولين على تسجيل فيفاء كمحمية طبيعية، تحت إشراف الهيئة السعودية للحياة الفطرية، وذلك للحد من بعض النشاطات المحتملة والغير مهنية التي قد تسبب تدهور و انهيار هذا النظام البيئي الفريد، كما سنقوم بعرض لمحة موجزة عن جبال فيفاء يشمل موقعها، جغرافيتها وتنوعها الحيوي، وأهمية الحفاظ على الحياة الفطرية.
*نبذة عن جغرافية فيفاء الطبيعية*:
تقع جبال فيفاء في جنوب غرب المملكة العربية السعودية على مساحة ما يقرب من 600 كم٢، على امتداد جبال السروات، وتقع ضمن الدرع العربي الذي انفصل عن الدرع النوبي الافريقي بواسطة أخدود البحر الأحمر في العصور السحيقة، ولهذه المنطقة ميزة جغرافية ساعدت في نمو نظام بيئي مميز عبر السنين، كما أنها تتمتع بمناخ فريد شبه استوائي بسبب أنها لا تقع تحت تأثير ظل المطر ( Rain Shadow Effect ) لأي منطقة أخرى ومواجهتها المباشرة للبحر الأحمر مما يعطيها نسبة أعلى في معدلات هطول الأمطار والرطوبة، كما تنحدر من قمم هذه الجبال الكثير من الروافد المائية والمنحدرات الشديدة التي تغطيها النباتات الكثيفة مُكونةً بذلك وفرة وتنوع فذّ في الحياة الفطرية والنباتية.
*التنوع النباتي في فيفاء
تحتوي جبال فيفاء على العديد من الأشجار المعمرة دائمة الخضرة والمتساقطة والشجيرات و الصباريات والعصاريات والسرخسيات وغيرها الكثير، وقد تم تسجيل ما يقارب 3000 نوع نباتي في المملكة العربية السعودية ، وفيفاء بمفردها  تحتوي على ما بين 500 إلى 700 نوع نباتي ، بناءً على بحوث ميدانية استمرت لسنوات عديدة في رصد فلورا جبال فيفاء من قبل الباحثين والمهتمين بتوثيق فلورا فيفاء أمثال المهندس الزراعي محمد موسى الفيفي والأستاذ عيسى علي الفيفي، وأيضاً الكتاب المرتقب للباحث علي أحمد العبدلي والذي قام برصد أكثر من 500 نوع نباتي و 92 فصيلة ، فهذا يعني أن  فيفاء تحتوي على ما يقارب ثلث الأنواع النباتية الموجودة في المملكة ككل وهذا الرقم كبير جداً بالنسبة لمنطقة بهذه المساحة الصغيرة نسبياً، و لتتضح الصورة أكثر سنأخذ هذا المثال: المنطقة الشرقية تعتبر أكبر منطقة في المملكة العربية السعودية حيث تغطي ما يقارب ثلث مساحة المملكة ، حيث تبلغ مساحتها 540.000 كم٢، حيث لم يتم تسجيل سوى 439 نوع نباتي، بناء على الطبعة الأخيرة لكتاب النبات البري في المنطقة الشرقية حميد الدوسري، وفي المقابل فإن مساحة فيفاء 600 كم٢ حيث تحتوي على أكثر من  500 نوع نباتي مرصود وأنواع أخرى غير مرصودة، كما أن فلورا فيفاء مميزة وفريدة سواء على مستوى كثافة الغطاء النباتي ، أو على مستوى التنوع النباتي (Diversity) ، كما أن هناك العديد من النباتات المسجلة ضمن فلورا المملكة والتي لا توجد الا في جبال فيفاء فقط ، وهناك أنواع جديدة حالياً في طور النشر لم تسجل من قبل في فلورا المملكة.
لذلك أليس من الواجب على الجهات المختصة الحفاظ على هذا التنوع النباتي في هذا النظام البيئي المتكامل والفريد؟!
 *أهمية البيئات الجبلية*:
تمتلك الأنظمة البيئية الجبلية طابع خاص ومميز ، حيث تعتبر من أهم الأنظمة البيئية في العالم وفي المملكة العربية السعودية بشكل خاص لما تتمتع به من تنوع نباتي وحيواني كبير ، فهي تحتفظ بوفرة في الأنواع النباتية والحيوانية، حيث تمثل الغابات الجبلية مأوى وملجأ للكثير من الأنواع النباتية والحيوانية. حيث  تراجعت هذه الغابات الجبلية في السنوات الاخيرة بشكل حاد ، كما أقيمت الكثير من المؤتمرات وورش العمل حول العالم للحفاظ عليها لما لها من فوائد قيمة في حفظ الأنواع النباتية والحيوانية على حد سواء ، ولا شك أن انحسار الغابات الجبلية له تأثير كبير على المجتمع الحيوي بشكل عام حيث يؤدي تراجع الغابات الجبلية الى انجراف التربة وانكشافها، انقراض الكثير من النباتات والحيوانات التي تعتبر فريدة لهذه البيئات الجبلية.
على الرغم من أهمية البيئات الجبلية إلا أنه لا يوجد على مستوى المملكة العربية السعودية إلا محميتين جبلية وهما؛  محمية جبل شدا الأعلى بالباحة، و محمية جرف ريدة بعسير، من مجموع 15 محمية في المملكة العربية السعودية، فلذلك إضافة بيئة جبلية ثالثة كجبال فيفاء إلى المحميات الطبيعية في المملكة العربية السعودية تعد خطوة مميزة نحو تحقيق أهداف تنموية كثيرة وزيادة عدد الواجهات السياحية المميزة للمملكة.
*بعض الإيجابيات لتسجيل فيفاء كمحمية طبيعية تحت إشراف هيئة حماية الحياة الفطرية*:
١- الحد من النشاطات اللامسؤولة والممارسات غير المهنية من بعض الجهات المعنية بتطوير فيفاء والتي بلا أدنى شك فشلت فشلاً ذريعاً في الرقي بالمنطقة مع الحفاظ على النظام البيئي والحياة الفطرية ، وقد تسببت هذه النشاطات في تدمير النظام البيئي مثل ( الغطاء النباتي ، الحياة الفطرية ، والمدرجات الزراعية) الذي أخذ عشرات ومئات السنين ليصل إلى ما هو عليه ، ولكن مع الأسف تدميره لا يأخذ سوى عدد ساعات قليلة من عمل الجرافة ( الشيول ، والبوكلين) لتنفيذ مشروع من المنفذ ( المقاول)  ليدمر الحياة الفطرية والبيئية والنباتية الواقعة تحت هذا المشروع من مكان تنفيذ المشروع إلى حيث يشاء الله لهذا ( الردم) التراب والأحجار أن يتوقف في سفح الوادي، فيتم تدمير المدرجات الزراعية والغطاء النباتي والحياة الفطرية كاملة ليعود ذلك المكان أجدب خالي من أي نوع من أنواع الحياة ، والأمثلة على مثل هذه المشاريع معروفة وواضحة للعيان، علماً بأن المكان الذي يتم تدميره لن يعود إلى سابق عهده ولا بعد عشرات السنين.
٢- الحفاظ على النباتات الطبيعية الأصيلة الموجودة في فيفاء حالياً، وعدم السماح لإدخال أي نوع جديد إلى فلورا فيفاء، حتى لا يكون النبات غازي ( Invasive ) ويقوم بتدمير النباتات الطبيعية الأصيلة (Native) ، على سبيل المثال قامت هيئة تطوير فيفاء بإحضار نبات للزينة Lantana Camara ، ولكن مع الأسف تحول هذا النبات إلى غازي لعدم وجود الحرفية في مراقبة أماكن زراعته والسيطرة على انتشاره السريع، وقد كانت له آثار سلبية على البيئة كما أنه يدمر النباتات الأصيلة المجاورة له ويصبح هو المسيطر.
٣- الحفاظ على الأنواع النباتية المهددة بالانقراض  وإكثارها، ومن هذه النباتات على سبيل المثال لا الحصر؛ نبات الصومل، العراب أو الخزم، اللبخ ، العوسج،  العرفط ، العرعر وغيرها، أيضاً استجلاب الأنواع المنقرضة وإعادة توطينها.
٤- الحفاظ على الحياة الفطرية (Fauna) بما فيها الثدييات والطيور، والحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض وإعادة توطين الأنواع المنقرضة مثل النمر العربي ، وإيجاد برامج للسيطرة على الحيوانات الضارة مثل القرود.
٥- عدم السماح بقطع الأشجار والاحتطاب وكذلك الصيد الجائر للطيور مثل : الوبر والأرانب والحجل العربي ( القرعة) وغيرها التي شهدت تراجعاً حاداً في السنوات الأخيرة بسبب الصيد الجائر من قبل الزوار والمواطنين.
٦- زيادة الوعي البيئي لدى الزائرين والمواطنين والسكان لتجنب التصرفات السلبية التي تؤدي إلى تدهور الحياة الفطرية والنباتية في المنطقة وذلك من خلال معرفتهم بأن هذه المنطقة محمية طبيعية ولا يسمح بأي ممارسات ضد الحياة الفطرية والنباتية والبيئة.
كل هذه الإجراءات ستنعكس إيجاباً على جبال فيفاء وتزيد من فرص السياحة الطبيعية، وزيادة فرص إجراء الأبحاث والدراسات على هذه المنطقة من قبل الباحثين والمختصين في علوم النبات وعلوم البيئة وعلوم الحيوان وعلم الجيولوجيا والجغرافيا الطبيعية، كما ستساعد على الارتقاء بالمنطقة وتوفير خدمات كثيرة لهذه المناطق المحمية والقاطنين بها.
الجدير بالذكر أن تسجيل فيفاء كمحمية طبيعية لن يضر بالممتلكات الخاصة، حيث أن نظام المحميات ينص على تنظيم المحميات بحيث لا تتضرر أملاك المواطنين وقراهم وهجرهم التي تقع ضمن نطاقها، وللحد من الصيد، والرعي الجائر، ومنع الاحتطاب؛ من أجل زيادة الغطاء النباتي وحمايته، وكذلك إنماء البيئة الطبيعية للحيوانات والنباتات والمحافظة عليها.
ومن الأمثلة المميزة على المحميات الطبيعية التي تشرف عليها هيئة حماية الحياة الفطرية، محمية جبل شدا الأعلى بالباحة حيث تعتبر ثاني اغنى منطقة بالتنوع النباتي بعد جبال فيفاء، محمية ريده عسير، محمية جزر فرسان كل هذه المحميات وغيرها ، والتي تعكس صورة دينية مميزة من صور الحفاظ على البيئة والنبات، وهذا واجب ديني وطني.
في ختام هذا المقال العلمي المقتضب، لقد حاولت الايجاز بقدر الامكان والابتعاد عن شرح بعض المفاهيم الاحيائية المعقدة واكتفيت بالاشارة إليها فقط، لأن الغرض الرئيسي من المقال هو لفت نظر المسؤول والمختص إلى الاهتمام بهذه البيئة الخصبة ، وليس المقام تعليمي ، لذلك نتمنى أن يصل إلى المسؤولين في هيئة حماية الحياة الفطرية و وزارة البيئة وذلك للنظر في اعتماد هذه الجوهرة الخضراء كأحد المحميات الطبيعية لهذا الوطن الغالي على قلوبنا والسير نحو تحقيق رؤية المملكة 2030 في زيادة الرقعة الخضراء والتوسع في المحميات، بما لا يتعارض مع مصالح القاطنين في هذه المناطق.
بقلم:
عبدالسلام حسن موسى الأبياتي
باحث دكتوراه في علم البيئة والنبات بجامعة شفيلد، بريطانيا .

 

‫2 تعليقات

  1. ياسبحان الله جيل الله المستعان يريد تسليم ارض اجداده الذين تعبو وشقوا حتى جهزوها لك تسلمها محميه او متنزه لك واشكالك المعنى يبقى لك بيتك فقط كأنك ساكن في اي مدينه احمدو ربكم ياخوان ترى اذا كانت محميه والله مالك إلا بيتك فقط تنزل وتطلع مافي وتعليق الاخ hoop يكفي

  2. الحمد لله المنعم على عباده وكفى .
    لما كنت قد قرأت بعضا من مقال الكاتب الكريم أحببت أن أسأله وبعض المختصين عما يلي :
    اولا؛ كم مساحة فيفاء؟
    ثانيا : كم عدد سكانها؟
    ثالثا : ما المقصود بمحمية؟
    رابعا : ماذا يترتب على اتخاذها محمية؟
    خامسا :اذا فرض عليها نظام المحميات فأين سيعيش أهلها هل سيسمح لهم بالبناء وفتح طرق وزراعة واستفادة من منتجاتها؟
    سادسا : هل ستتسع مساحتها وطرقها ومبانيها للسياح واللذين تذمر المواطنون من تواجدهم في ايام مضت لما سببوه من ازدحام بالطرقات
    سابعا : هل يعني تحويلها لمحمية نزع الملكية لصالح جهات أخرى.
    وأخيرا أقول هناك أسئلة كثيرة لا يمكن حصرها وتوقعات بإثار سلبية على أهل الجبل لكن ذلك ربما يكون نظرة تشائمية مني شخصيا فاليعذرني الكاتب ومن يشاطره الرأي.
    وأسأل الله أن يديم علينا نعمه وأمنه. ولكم جزيل الشكر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: