مقالات

أسباب التطبيع وعلاج تداعياته

د.علي بن يحيى الفيفي

يكثر الحديث في هذه الأيام عن التطبيع من بعض الدول العربية مع الكيان المغتصب في أرض فلسطين الحبيبة والغالية على كل مسلم ، وقد أصبح من المعتاد في السنوات الأخيرة أن نرى ونسمع الحروب الكلامية ، والاتهامات المتبادلة بين طوائف الأمة وأحزابها ، وأبناء شعوبها هنا وهناك.. حروب هي أشد وأعمق وأعنف في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي منها في حقيقة الواقع بين القيادات السياسية وأهل الحل والعقد في تلك الدول.
   وأمام ما حصل ويحصل من التداعيات والآثار الخطيرة على قضايا الأمة وشعوبها ، بل وكياناتها ووجودها فإن الواجب على قيادات الأمة السياسية والدينية ، وأصحاب الرأي والفكر أن يتحلى الجميع بالصدق والأمانة ، والحكمة والتأني في معالجة الأمور ودراستها ، وأن يكون الكل مخلصاً لله متجرداً في أقواله وأفعاله ، وما يتخذه من مواقف بقدر الوسع والاستطاعة.
  كما يجب وجوباً محتماً على الجميع البعد كل البعد عن ردَّات الفعل غير المدروسة وغير المنصفة ، والتي تضر ولا تنفع ، وتزيد الفجوة ، ويتسع بها الخرق على الراقع ؛ لأن الاتهامات والتخوين ، وقطع العلاقات!! ، وتهييج الناس! ، والخطابات الحماسية الفارغة من الإمكانية والقدرة ، كل ذلك لا يصنع نصراً ، ولا يحقق مطلباً ، ولا يردع ظالماً أو ينصر مظلوماً.
   إن من المؤسف والمؤلم حقاً أن أمراً بهذا الحجم من الخطورة والآثار ، وفي مرحلة من أخطر المراحل التي تمر بها الأمة على الإطلاق تعالجه قيادات السلطة الفلسطينية وقيادات الفصائل بردة فعل غير مدروسة! فيها من الشطط والخطأ  والاستعداء ما يضر بالقضية وأهلها أشد الضرر وأفدحه! ، دون مراعاة لميزان القوة ، وتوازن علاقاتها في محيطها العربي والإقليمي ، ودون تمييز بين من يناصرها قولاً وفعلاً ، وإيماناً بعدالة القضية وقدسيتها ، وبين من يتاجر بقضية الأقصى وفلسطين!.
  فهل يُعقل أن الغبش في الرؤية يحول دون معرفة تلك القيادات بالفرق الواسع ، والبون الشاسع بين مواقف دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية في دعم الشعب الفلسطيني وقضيته – التي هي قضية الأمة الأساسية – ، وبين مواقف إيران الاستعراضية الكاذبة التي تتاجر وتناور بقضيته ، وتقايض عليها بسبب مواقفها الإرهابية المُجَرَّمة دولياً..؟.
  وهل ترى تلك القيادات أن علاقات تركيا مع الكيان المحتل تجلب لهم نفعاً ! ، وعلاقات العرب ستجر عليهم الويلات؟!!.. ولماذا لا يتساءلون ويسألون قيادات تلك الدول بروح الأخوة والتفاهم  والتعاون والتكامل عن الأسباب التي أقدموا لأجلها على خطوة التطبيع ؟!.
     إن التطبيع مع المحتل المغتصب للأرض والمقدسات ، والمُهَجِّرِ للشعب الفلسطيني ، والمتغطرس برفض كل القرارات الدولية ومبادرات السلام العربية هو أمر لم تُقدم عليه بعض دول الخليج إلا لأسباب رأت أن لها فيها مصلحة دون أن تلتزم بما يُضر بحقوق الشعب الفلسطيني وقضيته ومرجعياتها الدولية.. وقد أصبح الحال كما يُقال :
      يُقضى على المرء في يوم محنته                      حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
   إن الواجب على القيادات الفلسطينية ، والإعلام الفلسطيني ،  وأهل الحل والعقد والرأي والفكر أن يضعوا السؤالين التاليين أمامهم.. ويجيبوا عليهما إجابة عقلانية فاحصة عملية إن أرادوا خدمة القضية الفلسطينية ، وتخفيف آثار التوجه الحاصل من بعض الدول بإقامة علاقات مع الصهاينة.
    السؤال الأول: ما هي أسباب إقامة بعض دول الخليج علاقات مع إسرائيل؟.
    والسؤال الثاني: كيف يواجه الفلسطينيون تداعيات هذا التوجه ؟.
 وسوف أجيب على السؤالين باعتباري مواطناً عربياً مسلماً محباً للشعب الفلسطيني الشقيق ، ومؤمناً بعدالة قضيته ، وأنها قضية الأمة الكبرى ؛ لأن فيها المسجد الأقصى الشريف أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين.. مع إيماني بأن القيادات الفلسطينية هي التي يجب عليها أن تتصدى لهذا الموضوع بما يحقق الفائدة والمنفعة للشعب الفلسطيني ، ويدفع عنه الضرر والأثر المتوقع.
 فأقول : إن من أهم أسباب تطبيع دولة الإمارات والبحرين الشقيقتين ما يلي :
  أولاً: العداء الإيراني المجوسي المتغطرس ، والذي فعل بالعالم العربي ما لم تفعل دولة بني صهيون عشره! رغم جرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين!.. وشواهد العدوان الإيراني المجوسي واضحة للعيان في الأحواز العربية ، وجزر الإمارات ، والتهديدات المتكررة للبحرين ، وجميع دول الخليج ، وما فعلته بالشعب السوري والعراقي مما لا يمكن وصفه أو تسطيره ، وكذلك في لبنان ، واليمن ، واعتداءاتها المتكررة على المملكة ، حتى بيت الله الحرام وفي أيام الحج المُحرَّمة لم يسلم من أعمال العنف والإرهاب الإيراني!! ، ولم يسلم من صواريخ الحوثي ذنب إيران في اليمن!.
  ثانياً: وجدت دول الخليج أن القضية الفلسطينية أصبحت مجالاً للمقايضات والاستغلال السياسي والإعلامي من قبل الأنظمة والدول المعادية لها.
ثالثاً: وجدت الدول الخليجية أن القيادات الفلسطينية رسخت واقع الانقسام الفلسطيني ، ورفضت تجاوز خلافاتها ، وحل إشكالاتها ؛ لتستطيع القيام بمهامها في مقاومة الاحتلال.
رابعاً: القيادات الفلسطينية لم تُقَدّر الظروف التي تمر بها دول الخليج بسبب العدوان الإيراني وأذنابه في المنطقة! ، بل انحازت إلى إيران دولة الإرهاب والشر والعدوان ضد أهل السنّة في كل مكان.
  وقد توجد أسباب أخرى ذات أثر تدركها وتعلمها القيادات السياسية في دول الخليج أكثر وأعمق مما يراه المواطن الخليجي والعربي.
    وأما كيف يواجه الفلسطينيون تداعيات هذا التوجه ؟.. فأقول:
أولاً: على القيادات الفلسطينية توحيد صف الشعب الفلسطيني وإنهاء الانقسام بشكل عاجل ونهائي إن كانت تلك القيادات صادقة وجادّة وعازمة قولاً وفعلاً في التصدي للكيان المحتل.
ثانياً: التوافق على عمل خطة مقاومة تراعي مصالح الشعب الفلسطيني ، وتحقق له متطلبات العيش الكريم ولو في الحد الأدنى حسب القدرة والاستطاعة مستعينين بكل الدول الصادقة في دعم الشعب الفلسطيني دون متاجرة أو املاءات تضر بالأهداف السامية للقضية الفلسطينية.
ثالثاً: يجب على القيادات الفلسطينية أن تراهن على تحسين علاقاتها العربية أولاً ، والدولية ثانياً ، وأن لا تستعدي أحداً مهما تباينت المواقف والرؤى والسياسات ؛ لأنه ليس لديها مقومات الدولة والمقاومة إلا ما يأتيها من الأشقاء والأصدقاء ، والشعب الفلسطيني في أمس الحاجة إلى تخفيف معاناته اليومية تحت وطأة الاحتلال ، وظروف المعيشة الصعبة في الضفة والقطاع .
رابعاً: على القيادات الفلسطينية أن توجه لومها لمن أساء وظلم الشعب الفلسطيني وهم : إسرائيل وأمريكا ، وإيران المتاجرة بالقضية الفلسطينية منذ عقود!.. وليس العرب المناصرين لهم في كل المحافل الدولية وبشكل فعلي وصادق.. وإذا أرادت الاحتجاج وتسجيل موقف فليكن بأدب ودبلوماسية، مع الطلب من هذه الدول أن تستخدم علاقاتها وقدراتها في نصر القضية ، وتحقيق العدالة المدعومة دولياً بقرارات أممية . كما يجب على هذه القيادات أن تقوم بزيارات متواصلة ، وتنسيق مكثف مع دول الخليج ، وغيرها من الدول العربية لوضع خطة تقوم على القرارات الدولية ومبادرة السلام العربية ، مع تفعيل كل وسائل المقاومة المشروعة والمدروسة لتثبت للعالم كله جديتها وثبات موقفها.
خامساً: على القيادات الفلسطينية أن تُقوي علاقاتها بالدول العربية ، ودول الخليج خاصة ، وتبتعد عن إيران ، وتظهر تضامنها مع كل القضايا التي تواجه دول الخليج ؛ لأن إيران دولة محتلة ومعتدية، ومعادية لكل الدول العربية ، وناشرة للفوضى ، ومصدرة للثورة الخمينية ، فلا يمكن المساواة بينها وبين دول الخليج المسالمة والمساهمة بكل قدراتها في نصر القضية الفلسطينية.
سادساً: قضية الأقصى وفلسطين هي قضية أمة ، وليست قضية شعب لوحده ، وهذا ما يجب أن يبقى حاضراً في الأذهان والنفوس لدى جميع الشعوب العربية والإسلامية ، وعلى القيادات الفلسطينية التأكيد على هذا المعنى وترسيخه في الأذهان بدلاً من حصر القضية في قيادات لا تملك أي قدرات ذات وزن أو تأثير في حال تخلى عنها الأشقاء! ، كما أن قوة القضية ترتكز على بعدها الإسلامي المستمد من النصوص الشرعية ، ووقائع التاريخ ، وتضحيات الأمة بأكملها.
    وعلى القيادات الفلسطينية أن تحذر كل الحذر من إدخال القضية الفلسطينية في نفق المغامرات الإيرانية الكاذبة!.. فالوضع خطير ، والوقت حرج ، والقضية لم تعد قابلة للمزايدات والمغامرات الطائشة.
 سابعاً: المملكة العربية السعودية وقفت موقفاً تاريخياً مشرفاً تُحنى له الرؤوس احتراماً وإجلالاً بإعلانها الصريح والواضح بأنها متمسكة بمبادرة السلام العربية التي تجعل عودة الأرض المحتلة عام 1967م  مقابل السلام الشامل بين العرب وإسرائيل هو النموذج المقبول والممكن لإحلال السلام في الشرق الأوسط.. وقد أعلنت هذا الموقف الواضح والحاسم رغم الطلبات الأمريكية المتكررة ، ورغم حملة الأكاذيب والأراجيف التي أثيرت حولها من المتاجرين بالقضية الفلسطينية!!.. فأين القيادات الفلسطينية من تبني هذا الخيار ، والقدوم إلى المملكة شاكرين ومقدرين وداعمين لهذا الموقف ، ومتصالحين فيما بينهم ؟.
  ولماذا لا يُعلنون بأن مبادرة السلام العربية انطلقت من الرياض ، وحلَّ القضية سيوقع في الرياض إن رغبت إسرائيل في السلام الشامل والعادل ؟.
                                                         الجمعة الموافق غرة صفر 1442هـ

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بارك الله فيك فضيلة الشيخ الدكتور – علي وحفظك ووفقك
    مقال يكتب بماء الذهب كفيت ووفيت وفصلت فيه بما يقتضيه الأمر فجزاك الله خيراً ونفع بك وبما يسطره قلمه دوما في كثير قضايا الأمة وغيرها بإتزان وحصافة ورؤية صائبة وتحليل موفق زادك الله من فضله توفيقاً وسداداً وبعد نظر هذه الكتابات المفيدة والنافعة بإذن الله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: