مشائخ .. واعلام .. ذكريات

الاستاذ علي بن احمد شريف الكدفي الخسافي

عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابو جمال

انسان عصامي، ذاق اليتم والفاقة من طفولته، فصبر وكافح، ولم يفت ذلك في عضده، بل سعى إلى تغيير حاله، وتحسين وضعه، وغيّر بنفسه كامل حياته، بكل معاني التغيير والتبديل، اتخذ العلم وسيلة، ومركبا مضمونا، ارتفع به واعتز بنفسه، وتحمل وصبر وصابر، وإن تعثرت به الدروب يوما، قام اشد اصرارا، وأبى أن يتراخى أو يتقهقر، بل يجدد نشاطه ويقوى عزيمته ويحفزها للارتقاء، ويزداد مع الوقت قوة وصلابة، إلى أن استقامت له الامور، وطاوعته منقادة على خير ما يؤمل، بفضل من الله وتوفيق منه، شاكرا له سبحانه نعمه ومواهبه، ولم يصبه نجاحه وما تحقق له بالغرور، ولم ينسه كل من سانده في مسيرته، أو وقف معه في طريقه، بل ما زال حافظا للود، معترفا لأهل الفضل بفضلهم واحسانهم، لا يغمط احدا مهما كان معروفا، فهو انسان مؤمن بالله وفيّ لكل الناس، زرع لنفسه بحسن أخلاقه وجميل تعامله محبة وقبولا لدى كل من عرفه، خدوم يحسن التعامل مع الجميع، سواء من عرف ام لم يعرف، يملك كثيرا من سمو الاخلاق، واصالة المعدن، والطيبة وجمال النفس، وقد قيل في الامثال (من شابه اباه فما ظلم)، فمن عرف اباه لم ينكر منه هذا المذهب، بل هو امر طبيعي مغروس في جيناته وتكوين نفسه، مع أنه لم يعرف اباه تمام المعرفة، ولم يميز شخصيته بطول عشرة واعية، فقد توفي والده وما زال طفلا صغيرا دون الخامسة من العمر، ولكن صورته وخلقه تشكلتا على كثير من صفات هذا الاب، فكان والده في زمنه نوارة ذراع منفة، عرف بالطيبة والمعروف وحسن الخلق، رحمه الله وغفر له وتجاوز عنه، واصلح ذريته وبارك فيهم.
بأبه أقتدى عدي في الكرم ### ومن يشابه أبه فما ظلم
إنه الاستاذ علي بن احمد بن شريف بن سالم الكدفي الخسافي الفيفي حفظه الله.

والده كما اسلفنا أحمد بن شريف بن سالم رحمه الله وغفر له، توفي شابا وما زال (علي) صغيرا، يدرج في السنة الخامسة من عمره، لذلك لم يعي كثيرا عن والده، ولا يتذكر شيئا ذو بال عنه، إلا ما كان عليه من المرض المنهك، حيث كان يشكو من مرض صدري، بقي يعاني منه كثيرا، ويضطره للغياب عن البيت لفترات طويلة، طلبا للاستشفاء، ومراجعة بعض المستشفيات المحدودة في جازان وغيرها، إلى أن اشتد به المرض، وتوفي رحمه الله وتجاوز عنه، مخلفا بعده اسرة واطفالا صغارا يشكون الحاجة واليتم.
واما امه فهي الفاضلة فاطمة بنت علي جبران آل الترابي القبلي المثيبي الفيفي حفظها الله ، تزوجها والده بعدما توفيت زوجته الاولى أم حسين (رحمها الله)، كانت صغيرة السن عندما تزوجها، في حدود الخامسة عشرة من عمرها، وعاشت معه على الكفاف والكد والتعب، لطبيعة مرضه واحوال ذلك الزمن.
وولد لهما بكرهما (علي) في تاريخ 4/6/1384هـ، في بيت (امخمر) بيت جدة لامه (علي بن جبران المثيبي)، مع ان التاريخ المسجل في بطاقته مختلف، وقد رزقا من بعده بثلاثة أولاد (ابنان وبنت)، توفي احد الابناء والبنت صغارا، وبعد موت الاب أصبحت الام هي كل شيء لهما في حياتهما، هي من تقوم بكل الادوار في شؤونهما، اصبحت لهما (الأب والأم)، حيث سعت بكل جهدها، وكدحت لتغطي حاجتهم، وتضطر احيانا للعمل لدى الاخرين بالأجر اليومي، وتجمع اعلاف الدواب تبيعه على من يطلبه من الجيران، من أجل أن توفر لهما الحياة المستقرة، ولا تجعلهما عالة على الاخرين، فشقيت وتعبت إلى أن كبرا وتجاوزا المرحلة المتوسطة، وبلغا سن النضج والادراك، بعدما بلغا الخامسة عشرة أو يزيد، وعندها استطاعت أن تقبل بالزواج بمن خطبها، بعد أن كانت تمانع من قبل لأجلهما، فارتاحت قليلا من كثرة المعاناة وقلة ذات اليد، حفظها الله وكتب لها اجر ما قدمت وضحت به.
عاش في هذا الجو الاسري الصعب، من اليتم وضيق ذات اليد، فتأقلم مع اوضاعه مضطرا، ولكن كل ذلك انعكس ايجابا على تكوينه النفسي والفكري، وفي صقل شخصيته، وفي قوة عزيمته، واعطاه الاستقلالية، وقوة الارادة، والاعتماد على النفس، وفي تقبل الحياة بحلوها ومرها، وفي احساسه الصادق بالآخرين، ورحمته وتعاطفه مع المحتاجين والضعفاء والمساكين، فقسوة الحياة واليتم تنعكس تجارب، تترك اثرا على صاحبها، وتشكل له شخصيته وتصقلها، فالمعاناة التي يمر به الانسان، تبقى لديه تجارب ذاتية، ومحكّات عملية، وخبرات تراكمية، يبقى تأثيرها ومفعولها واضحا عليه مدى الحياة، فهي قوالب تتشكل فيها مكونات النفس، وعلى ضوئها تتحدد المعالم والاتجاهات، ويبقى تأثيرها واضح المعالم على توجهه الفكري، وفي تعامله وتفاعله وفهمه الصحيح لطبيعة الحياة من حوله، وتبني شخصيته البناء الايجابي الفعال، بتوفيق الله وحفظه وبركته.
كل ذلك ملاحظ ومشاهد على هذه الشخصية الايجابية، المبادرة إلى كل خير، القوية الصابرة، المحتملة لكل معوقات الحياة ومصاعبها، وفي مرونته وحسن تعامله، وفي اعتماده شبه التام على نفسه، وقوة عزيمته وارادته، حفظه الله وسدده.
تعليمه:
لم يكن في محيط سكنهم القريب مدرسة، واقرب مدرسة قائمة، كانت مدرسة النفيعة الابتدائية، التي يفصلهم عنها مسافات بعيدة، وعقبات صعبة متعددة، ويلزم الوصول اليها السير لما يقارب الساعة، مشيا على الاقدام، حيث لم تشق طرق السيارات حينها، ولظروف اليتم وقلة ذات اليد، وليس هناك من يهتم لأمرهم أو يوجههم، ويساعدهم على سلوك الطريق الأقوم، ولكن الله هيء لهم صديق والدهم الصدوق، جارهم الشيخ احمد بن قاسم آل طارش، الذي كان يتفاقد امورهم بين حين واخر، فعندما رأى انه قد بلغ واخيه الاصغر حسن، سنا مناسبة للدراسة، فقد اخذهما الى مدرسة النفيعة، وسجلهما طلابا فيها، ثم تكفل لهما بتوفير كل ما يلزمهما للدراسة، من الحقائب والدفاتر والاقلام، وكان يتعهدهما بين فترة واخرى، ويتخولهما بالنصح والتشجيع والتحفيز (لا يذهب العرف بين الله والناس).
استبشرا وفرحا بهذا التجديد في حياتهما، واستشرفا المستقبل بين ايديهما، حيث انتقلا إلى طور اخر في حياتهما، مع انهما عانيا كثيرا من بعد الطريق، ومشقة الوصول والعودة من المدرسة، وكانا يترافقان مع مجاميع من طلاب المدرسة من هذه الجهات، تنطلق مع بعضها بعد أن يقابلاهما في اعلى ذراع منفة، ويستغرق السير الطويل المجهد حوالي الساعة، يتحركان قبل شروق الشمس، وفي العودة تلفحهما حرارة الشمس المحرقة، ويمران بمناطق قفرة وموحشة، وقد تعثرت دراستهما قليلا، ليس لإهمال منهما ولكنها المعوقات الطبيعية، التي لا يجدان لها حلا لصغرهما، وانعدام الراعي الحاني لهما، ومما يذكره أنه في الصف الأول مرض اخاه بالحصبة في أيام الاختبارات، ولم يجرؤ هو في الذهاب الى المدرسة وحيدا، لذلك فوتا الاختبار واعادا السنة ، وفي السنة الثانية تكرر المشهد بحصول العكس، حيث مرض هو مما اضطر أخاه للجلوس معه، فخسرا سنتان دراسيتان، ومع ذلك فلم يفت الامر في عضديهما، بل واصلا دراستهما بنجاح، ولكنه في الصف الخامس تغير دوام الحضور في المدرسة، بعدما تزايد أعداد طلابها، ولم يعد المبنى يستوعب لكامل الطلاب دفعة واحدة، مما اضطر القائمين عليها في جعل الدراسة فترتين، صباحية للفصول الدنيا، الأول والثاني والثالث، وبعد الظهر للفصول العليا، الرابع والخامس والسادس، فأصابه هذا التغيير بشيء من الخمول والتكاسل، فقد كان لا يعود إلى البيت إلا بعد الغروب، وكانت نتيجة ذلك أنه ترك الدراسة نهائيا، ولما لم يكن حوله من يتابعه ويضغط عليه إلا امه، والأم بطبيعتها ضعيفة الحيلة تجاه من يتمرد من الابناء، وقد حاولت معه بشتى السبل، في اعادته إلى جادة الصواب، حتى انها في النهاية غضبت عليه وطردته من المنزل، عندما لم تجدي معه كل الحلول ، فتحول إلى السكن في بيت خالته، التي نسقت معها الام في العمل على التضييق عليه، لعله يصحو ويعاود الدراسة، حيث كانت خالته تكلفه بأن يرعى لها أبقارها وأغنامها، وتتعبه متعمدة سعيا إلى أن يذوق الجانب الآخر من الحياة، مما يجعله يعيد حساباته، عندما يحس بالتعب الحقيقي من هذا العمل المجهد، وتقابله بزيادة في الشدة والمحاسبة، على أي اهمال أو تفريط يصدر عنه، والأم تتابع مسيرة هذه الخطة من بعيد، وبالفعل فقد اعطت الخطة نتائجها الايجابية المرجوة، حيث ابدى رغبة اكيدة في العودة إلى المدرسة.
في هذه الاثناء كانت قد فتحت مدرسة ابتدائية في الجوار، مدرسة ذراع منفة الابتدائية، ومع أن فصولها مازالت دون ما قد وصل اليه في مدرسته السابقة، ولكنه رغب في الالتحاق بها قابلا التضحية بعام دراسي، حيث اعاد فيها دراسة الصف الرابع، رغم انه قد نجح منه من قبل، ولكنه اقبل على دراسته بكل شوق، وراحة بدن ونفس، واستمر مواصلا في تفوقه ونجاحاته، إلى أن تخرج من الصف السادس فيها، مع اول دفعة تتخرج من هذه المدرسة، في نهاية عام ١٤٠١هـ.
وكان خلال هذه الفترة منغمسا في انشطة المدرسة، ومتفوقا في فريق كرة الطائرة، الذي تكون فيها بقيادة الاستاذ حسن بن حسين الخسافي(حفظه الله)، استاذ التربية البدنية في المدرسة، حيث شكل من طلابها فريقا منسجما، اطلق عليهم الفريق الذي لا يقهر، فكانوا يدخلون في منافسات متعددة، مع كثير من المدارس المماثلة، ويتفوقون على معظمها ويفوزون عليهم، وبعد تخرجه وانتقاله للدراسة في مدرسة العدوين المتوسطة، استمر على وضعه السابق من التفوق، وفي موالاة نجاحه عاما بعد عام، حتى أنه تحصل على الترتيب الأول في الصف الاول المتوسط، ونال فيها جائزة التفوق، التي تكفل بتقديم جوائزها، رجل الاعمال هادي بن جبران ساري المثيبي (رحمه الله)، وكانت الجائزة عبارة عن( حقيبة دبلوماسية)، فرح بها كثيرا واحتفظ بها لمدة طويلة (كما يقول).
وفي هذه المدرسة المتوسطة، واصل نشاطه وتفوقه الرياضي السابق، مستمرا مع فريق كرة الطائرة فيها، حيث كان قد انتقل اليها استاذهم السابق، الاستاذ حسن بن حسين الخسافي، الذي واصل متابعتهم وتدريبهم، مما زاد من انسجام هذا الفريق وتفوقه، واصبح فريق مدرسة العدوين لكرة الطائرة فريقا بارزا متفوقا، الي درجة انهم كانوا يلعبون مع فرق رياضية كبيرة، مثل فريق نادي الأمجاد بصبيا، لأجل اكتساب مزيد من الخبرات والاحتكاك المفيد.
وما إن تخرج من الكفاءة المتوسطة إلا وكان الاتجاه إلى ثانوية النفيعة، كانت كما يصفها المرحلة الذهبية بالنسبة له، لاختلاف الادارة، حسب تعليله بوجود مديرها آنذاك الاستاذ حسن بن فرح رحمه الله، ولوجود المعلمين المتميزين، واختلاف الاساليب فيها، وتوفر الوسائل التعليمية، من المختبرات المتكاملة والمعامل، ووجود جو من الالفة والترفيه والمسرح والرحلات، التي يحتاج إليها الشاب في ذلك العمر، اجتاز الصفين الأول والثاني، إلا أنه تعثر في الصف الثالث الثانوي في مادة الرياضيات، وفي الدور الثاني لم يحالفه الحظ، مما جعله يعيد دراسة الصف الثالث مرة اخرى، وينجح بحمد الله.
ولتعلقه بالرياضة البدنية، وبالذات كرة الطائرة، فقد قام على تنفيذ ملعبا بجوار بيتهم في ذراع منفة، كان يأتي إليه كثير من الشباب، من كل النواحي والبقع المجاورة، من هواة هذه اللعبة، يأتون من جهة مروح والعدوين، ومن قبائل الخسافي والمثيبي وآل ظلمة والسلماني والشراحيلي، ويعتبر متنفسا وحيدا في جهة ذراع منفة، وقد سبق له في المرحلة المتوسطة أن نفذ بجهوده الخاصة ملعباً لتنس الطاولة، نفذه على المواصفات المعتبرة لهذه اللعبة، بناء على ما شاهده في المدرسة، وكان يتدرب عليه هو ومجموعة من زملائه وجيرانه، وغيرهم ممن يحبونها، ويذكر منهم الاستاذ مفرح بن شريف الكدفي، والاستاذ موسى بن حسن ومحمد هادي السلعي، وكانت مجالا لبروز مجموعة متفوقة في هذه اللعبة، حتى أنه لما اقيم دوري لتنس الطاولة في الثانوية، كان أغلب المتفوقين فيها ممن تدرب على هذه الطاولة, ومما يذكره عن تلك البطولة التي فاز بها حينذاك، انه تقابل في النهائي مع محمد بن هادي السلعي، وتغلب عليه بصعوبة، بفارق نقطتين فقط، وتحصل على الميدالية في تلك المسابقة، التي احتفظ بها إلى عهد قريب.
بعد تخرجه من الثانوية العامة اتجه مباشرة إلى ابها، راغبا التسجيل في كلية التربية، ولكنه لم يتحقق له القبول فيها، وانتهى الفصل الاول دون الاستفادة منه دراسيا، لذلك اشتغل فيه مع بعض المقاولين، وكسب من ذلك بعض المال، ومع بداية الفصل الدراسي الثاني، تم قبوله في كلية اعداد المعلمين بأبي عريش، وكانت دراستها على نظام الدبلوم سنتين، ولكنه تغير في هذه الاثناء النظام إلى البكالوريوس أربع سنوات، وتم قبوله في قسم الدراسات القرآنية، لأنها توافقت مع ميوله الشخصي، ومضت به سنواتها متسارعة، مع ما كان يمر به العالم من حولهم من احداث كبيرة، سواء على مستوى الوطن والخليج، واهمها حرب الخليج وتحرير الكويت، وقد واصل نجاحاته وتفوقه، إلى أن تخرج منها مع نهاية عام ١٤١٣هـ، يحمل شهادة البكالوريوس في الدراسات الاسلامية.
وبعد تخرجه وانهماكه في العمل، وارتباطه الشديد بطلابه، ومع واجباته المدرسية المتعددة، فقد سعى إلى تنمية قدراته، أولاً عن طريق الاطلاع، ثم الاقتباس من الزملاء، ومتابعة بعض البرامج، وإن كان يحول دون التحاقه بالعديد من الدورات، بعض المعوقات ومن اهمها عدم توفرها في مكان قريب، فهو يحرص على أن لا يوثر شيء على عمله الاساسي، فبعد المدرسة، وعدم توفر المؤسسات المتخصصة، في مثل هذه الدورات، ومع ذلك فقد سعى جاهدا إلى الاستفادة مما توفر منها، ليبقى متجددا ملما بكل نافع ومفيد في عمله التربوي، وطبق منها ما رءاه مناسبا، وبالذات ما استفاده من دورة (التعليم النشط)، حيث كان من اول من طبقه في المدرسة، وهي تقوم على تقديم الدروس على شكل ألعاب، وادخال بعض الانشطة التي تساعد على ايصال المعلومات دون املال، وقد واجه في البداية لأجل ذلك نقدا من بعض زملائه، وحتى من مدير المدرسة، فكانوا يتساءلون باستغراب، هل هو يدرّس أم يلعب.
وقد حضر عددا من الدورات، اقيمت في مكتب التعليم بفيفاء، ومن هذه الدورات: (استراتيجية العصف الذهني، استراتيجية العمل الجماعي ، استراتيجية المناقشة، استراتيجية الألعاب والالغاز، استراتيجية خرائط المفاهيم، استراتيجية الخيال العلمي، استراتيجية الكرسي الساخن، استراتيجية القصة، وغيرها الكثير من الاستراتيجات التعليمية التطويرية المستحدثة).
فكان دوما متجددا، ساعيا إلى اكتساب الخبرات والمهارات، التي تعينه في اداء عمله على افضل وجه واتمه.
العمل الوظيفي:
تم تعيينه معلما تابعا لإدارة التعليم بصبيا، وعندما راجع ادارة التعليم لأجل ذلك، وكان لا يدري إلى أين سيتم توجيهه، وقد هيء نفسه على قبول أي مدرسة دون اعتراض، مع ما في النفس بالطبع من آمال ورغبات وامنيات، والله سبحانه هو المقدر والميسر لكل خير، فالخير دوما فيما يختاره الله ويقدره، فالأمور ييسرها سبحانه بفضله ومنته، وكان من فضل الله أن صادف وهو في الادارة، مدير الثانوية العامة بفيفاء، الشيخ الاستاذ حسن بن فرح (رحمه الله)، ولما عرف سبب تواجده فيها، اصطحبه آخذا بيده دون أي تعليق، وتوجه به إلى مكتب مدير التعليم، الاستاذ كرامة بن محمد الاحمر (حفظه الله)، وخاطبه قائلا هذا من ابنائي السابقين، ونريده اليوم ان يباشر في أقرب مدرسة إلى منزله، إلا أنه يخشى قلم الاستاذ الكميت (كان الكميت حينها المسؤول عن توجيه المعلمين في الادارة)، فرفع مدير التعليم في الحال سماعة الهاتف، وكلم الكميت بشأنه، لذلك تم توجيهه إلى مدرسة ذراع منفة، التي كانت بجوار بيته مباشرة، وهي مدرسته التي درس فيها آخر المرحلة الابتدائية، ليعود إليها بحمد الله بعد اثنتي عشر سنة معلما.
تم مباشرته في مدرسة ذراع منفة الابتدائية في4/4/1414هـ، واستقبله مدير المدرسة فيها، الاستاذ الفاضل محمد بن حسين الظلمي (حفظه الله)، وقد كان بالأمس مديرها ايام ما كان هو طالبا فيها، وفرح به، واستبشرا ببعضهما، لذلك كان له في بداياته الوظيفية خير معين وموجه، وأوكل اليه من المواد ما كان يحسنها ويميل اليها، فابدع في عمله خير ابداع، وارتاحت نفسه كثيرا، واكتسب كثيرا من الخبرة والثقة والتطور، واكتشف قدرات نفسه وكوامنها الابداعية، وتشكلت شخصيته وزادت خبراته، لذلك تمسك بهذه المدرسة ولم يغادرها ابدا، عاملا بكل جدية واخلاص، حيث تفاعل مع طلابه ودروسه، واحب عمله بل وعشقه، وها هو اليوم يكمل فيها سبعة وعشرين سنة، تعاقب خلالها على ادارة المدرسة ، عدد من المدراء الافاضل، فبعد الاستاذ محمد بن حسين الظلمي، خلفه الاستاذ يحيى بن محمد آل سنحان المثيبي، ثم الاستاذ موسى بن محمد علي الخسافي، وحالياً الاستاذ ماجد بن موسى العبدلي حفظهم الله ووفقهم، وكان طول عمله مثال المعلم المثالي، المجتهد المتفان في عمله، حتى انه نسي كثيرا من حقوق نفسه، من تتبع الدورات والبرامج المتاحة، لأنه لا يريد التغيب اطلاقا عن طلابه، أو البعد عن متابعتهم.
منح خلال سنوات عمله عدد من شهادات التقدير المستحقة، ودروع التميز، سواء من مدرسته، أو من مكتب التعليم، أو من محافظة فيفاء، وله عدد من الانشطة في مجالات التربية، ولديه بعض من الابتكارات في مجال الوسائل التعليمية، وشارك ببعضها في المعارض التربوية، ومن ذلك المعرض الذي اقيم في مدرسة العدوين، وحضره مدير عام التعليم، حيث عرض فيه بعض الأدوات والمقتنيات والألعاب، التي كان يستخدمها ويستفيد منها في دروسه، وفي ايصال المعلومة الواضحة إلى طلابه، والتي ساعدتهم على سهولة فهم المادة، وحصل في هذا المعرض على الترتيب الأول.
أنه انسان مبادر، وانسان فاعل في مجتمعه، وقد اتخذته اسرته (آل الكدفي) عريفة لهم، وهو يسعى في مجتمعه إلى قوة الترابط، وفي عمل كل ما فيه بث الالفة والتواصل، سواء في محيطة الصغير، أو في كامل المحيط، ومن شواهد ذلك ما قام به من اعداد مخيم في اطراف مزرعته للمناسبات والاعياد، كان له دور كبير في لمّ الشمل، وتواصل الاقارب والاصدقاء، وكان لذلك صدى موثر بين الشباب والجيران والأقارب، ولكل من يحب الاجتماعات والزيارات والتواصل، وقد حاول تطوير هذا المشروع النافع، وقام بتحويلة إلى شبه صالة للألعاب الخفيفة، كلعبة التنس وبعض الانشطة البسيطة، ووفر فيه مساجا كهربائيا، واوجد بها ركن للقهوة، مع محافظته على بقائها موقعا صالحا لوظيفتها الاولى، لإقامة المناسبات والأعياد وغيرها، على مستوى ذراع منفة بكامله، ولموقعها المجاور للمسجد كانت اكثر تشجيعا لروادها من الكبار والصغار، في الجمع بين اداء الصلوات جماعة والترفيه البريء، ولتقاربهم الاجتماعي مع بعضهم، وفي خلق الألفة والمحبة فيما بينهم، وعلى كل ما يندب إليه شرعنا الحنيف، وله ادواره الحيوية المتعددة الاخرى، وفي مشاركاته النافعة في كل مجالات البر والخير، وله ادواره ومشاركاته في كثير من اعمال الخير، مما لا يحب الافصاح عنها، فيما يتعلق ببناء بعض المساجد، او توسيعها أو ترميمها، جزاه الله كل خير، وكثر في مجتمعاتنا من امثاله الايجابيين، وفقه الله واعانه ورفع من قدره.
اشخاص في حياته:
هناك اشخاص لهم تأثيرهم الايجابي في حياته، فالإنسان لا يخلو من الحاجة إلى وجود هولاء الاشخاص، ممن يكون لهم تأثير وادوار ايجابية تنفعه، وقد كان له من ذلك الكثير، يذكر بعضا منهم ويخص من كانوا اكثر ايجابية في مسيرته، ولهم بصماتهم الواضحة في حياته، وتأتي في مقدمة كل هولاء (امه) الفاضلة، حفظها الله وأطال في عمرها، وهل هناك من يداني الام في الفضل والتأثير، أو يصل إلى مستوى بذلها وتضحياتها، وكيف وأمه الكريمة ترملت عليه وعلى اخيه، وهي ما زالت صغيرة في السن، وكانت في بداية شبابها وزهرة حياتها، ولكنها عقدت العزم على تفريغ نفسها لهما فقط، وكم عانت هذه الاسرة بعد فقد الأب، وواجهت كثيرا من الحرمان والفقر والحاجة، وقلة ذات اليد وعدم وجود المعين، أو توفر مصدر دخل أو رزق ثابت، مما اضطر هذه الأم إلى الكدح والعمل المضني، في سبيل توفير لقمة العيش الكريمة لهم، ولم تتوانى او تتكاسل، حتى أنها لم تقبل ان تتزوج وتتركهم وما زالوا في أمس الحاجة اليها، ولم ترضى أن تتخلى عن واجبها تجاههم، فبقيت تعولهم وتراعي امورهم حتى وصلوا إلى سن النضج والتمييز الكامل، ولا شك أنها كانت انسانة صبورة مضحية عاقلة، مدبرة في كل امورها، حفظها الله وكتب لها اجر وثواب كل ما فعلت.
ثم يأتي من بعد هذه الام الرؤوم والدها، جده الفاضل علي بن جبران الترابي المثيبي رحمه الله، الذي زرع في قلبه الايمان، ومخافة الله والتقوى له سبحانه، من خلال كلامه ونصائحه التي لا تفتر، وفي تعامله مع كل الناس وحسن اخلاقه.
ثم بعدهما جارهم السابق، وصديق والدهم المقرب، الشيخ احمد بن قاسم ال طارش حفظه الله، الذي كان يتعاهدهم ويتفاقد امورهم، ويشجعهم على كل ما ينفعهم، ومن ذلك أنه اخذ بيده ويد اخيه إلى المدرسة، وسجلهما فيها، ثم تكفل بكثير من مستلزماتهم المدرسية فيها.
ثم يأتي مدير مدرسة ذراع منفة السابق، الاستاذ الفاضل محمد بن حسين الظلمي حفظه الله، الذي عرفه ومازال طالبا لديه في المدرسة، ثم عندما عمل تحت ادارته معلما في نفس المدرسة، وما يذكره له من حسن الصحبة، وكريم الاخلاق وجميل التعامل.
ثم لا ينسى كذلك مدير ثانوية فيفاء، الاستاذ الشيخ حسن بن فرح رحمه الله، ولا ينسى معلميه القدماء، الاستاذ حسين بن جابر، والاستاذ علي بن فرحان رحمهما الله، والاستاذ حسن بن حسين حفظه الله، ثم يذكر بالخير دوما عمه فرحان بن سليمان ال السلعي رحمه الله، وكثير من الاخيار، رحم الله من مات منهم، وحفظ بحفظه الباقين ومتع بهم.
حالته الاجتماعية:
تزوج بعد تخرجه من الكلية، وبعد تعيينه معلما، حيث وفقه الله في الزواج من الفاضلة المعلمة نعمة بنت فرحان سليمان آل السلعي الخسافي حفظها الله، وكانت من اوئل خريجات معهد المعلمات بفيفاء، وعملت في سلك التربية والتعليم، معلمة ناجحة ومربية فاضلة، لما يقارب اربع وعشرين سنة، حتى طلبت التقاعد المبكر لتتفرغ لبيتها واولادها.
وقد رزقا بخمسة من الولد، هم ابن واربع بنات، توفيت احدى البنات صغيرة، رحمها الله وجعلها فرطا لوالديها وشفيعة لهما، والاحياء هم على النحو التالي:
1ـ منيرة جامعية.
2ـ تسنيم جامعية.
3ـ منير متخرج من الثانوية.
4ـ اماسي في المرحلة الابتدائية.
بارك الله فيهم، ووفقهم إلى كل خير، ونجح مقاصدهم، وبارك فيها من اسرة طيبة خيرة، وكثر الله فينا من امثال هذه الشخصية النقية العاملة الناجحة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرياض في 15/2 /1442هـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى