مشائخ .. واعلام .. ذكريات

الدكتور حسن بن جابر سليمان المدري

عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي

تتكالب احيانا الظروف على الانسان، وتتوالى الاحباطات عليه، لعدة اسباب وعوامل، قد لا يكون له يد في معظمها، إلى أن تنهار معنوياته، وتتثبط عزيمته، وتحطم قدراته وثقته بنفسه، ويصل لدرجة كبيرة من الياس، وتنغرس في نفسه كثيرا من المعتقدات السلبية، إلى أن يصدقها، ومن تكرارها يؤمن بها، وتؤثر في افكاره، وثوابت شخصيته، وتدخله نفقا عميقا من الاوهام لا يستطيع الخروج منه، وترتفع حوله حواجز وهمية لا يستطيع النفاذ منها، فتخبو همته وينطفئ امل الحياة في عينيه، ثم يستسلم لواقعه المرير الذي آل اليه.

إن نفس الانسان مرهفة حساسة، تتأثر بالعوامل التي يعيش فيها، سواء كانت عوامل ايجابية أو سلبية، فالإيجابية تدفعه إلى الأمام، والسلبية تقعده وترجع به إلى الخلف، فالحالة النفسية السلبية تحتل جزءا كبيرا من تفكير الانسان، وتشغل عقله بأمور خارجة عن واقعه، مما يؤدي به إلى الوقوع في براثن الفشل، والطالب الصغير قد تشغله عن بناء مستقبله، وتصرفه بالتدريج عن كتابه المدرسي، وتصبح علاقته به سيئة وغير واضحة، إلى أن يترك الدراسة نهائيا ويهملها تماما، وتحصل فجوة بينه وبين مدرسته ومدرسيه، وتجده دوما في هروب من واقعه المعاش، إلى واقع لا ينتهي من الاحلام والاوهام، حتى لا يشعر إلا وهو خارج السرب، قد فارق اقرانه ، وسبقه الركب وتجاوزوه.

صاحبنا مر بهذه الحالة اثناء دراسته المرحلة المتوسطة، لعوامل متعددة توالت عليه في تلك الفترة، ومن أولها ابتعاده المضطر عن والديه، وكانت أول مرة وما زال صغيرا في سنه، وذلك لعدم وجود مرحلة متوسطة في محيط سكنهم، ولا توجد متوسطة إلا في مدرسة بعيدة عنهم، ولا تتوفر بها وسيلة نقل، فاستقر به المقام عند اسرة صديق لوالده، فاجتاح نفسه الشعور بالغربة، رغم حسن تعاملهم معه، ثم كان التحاقه بالمدرسة في ذلك العام متأخرا، وقد فاته شيء من بداياتها المهمة، ومعظمها مواد جديدة عليه، ثم زاد من معاناته تعرضه للسقوط وانكسار يده، استوجب تجبيرها وتنويمه في المستشفى، ولم يعد للمدرسة إلا بعد اسابيع، وجد زملائه قد سبقوه كثيرا، وزادت الهوة بين مستوياتهم، وحاول عبثا أن يتدارك هذا القصور، فلم يستطع إلى ذلك سبيلا، مما تسبب في تراكم مشاعر الاحباط والفشل في نفسه، ولفشله في تجاوز واقعه، وعدم قدرته على الانسجام مع وضعه الجديد، وفي تراجع مستواه وتحصيله العلمي، اصابه نوع من التبلد والخواء الحسي، حتى لم يعد يستطع فهم شرح معلميه، أو استيعاب الدروس أو المذاكرة في البيت، وشعر في قرارة نفسه بالإحباط، واستشعر أنه دون الاخرين في الفهم والذكاء، ومضى به العام على هذا الحال، يعيش صراعا نفسيا عظيما، لا يستطيع علاجه أو تلافيه، ولا يجد حوله من يثق به ويبث إليه شكواه، ولاعتزازه بنفسه لم يرد أن يشعر اهله بما يعانيه، حتى لا ينتقصوه أو يفقدوا الثقة فيه، مما اوصله إلى التعثر التام، حتى أنه لم يستطع النجاح إلا في الدور الثاني وبصعوبة، وانغرس في كيانه اول بذرة انه من الفاشلين، وتطور الوضع معه في السنوات التالية لضعف تأسيسه في السنة الاولى، ولذلك تراجع مستواه الدراسي عاما بعد عام، إلى أن آمن تماما أن امكانياته لا تؤهله لهذه الدراسة، حتى لم يعد يبالي بنجاح أو رسوب، وانصرف بالكلية عن الدراسة والاهتمام بها، واصبح يميل إلى الصوارف والملهيات، وكثر غيابه عن المدرسة، وزاد معيار اللعب لديه، وعدم الاكتراث والاهتمام بما هو فيه، حتى استحوذ عليه الفشل واليأس والاحباط، لذلك امضى في هذه المرحلة خمس سنوات عجاف، ومع ذلك لم يستطع تجاوز الصف الثالث فيها، إلى أن قرر نهائيا الاعتراف بفشله، وترك الدراسة نهائيا.

عاد لبيت اهله فاشلا محبطا، مقرا ومعلنا أنه ليس اهل للدراسة، وانها ليست طريقا سالكا له، ولما بدأ العام الدراسي التالي، وهو جالس في البيت وحيدا، شعر عندها بصعوبة حاله وهوان نفسه، فكيف به يستطيع العيش على هامش الحياة، كانت تحول دون تغربه وبحثه عن أي عمل، صغر سنه وأنه دون القدرة على استخراج بطاقة شخصية، فضاقت به السبل واظلمت عليه الدنيا، واهتدى اخيرا إلى السعي في الالتحاق بالمعهد المهني، لعله يتعلم مهنة مناسبة تنفعه، وبالفعل سعى معه والده حتى تم قبوله لعدم انطباق سن القبول عليه، وسارت به الامور على خير وجه، واكمل دراسته المهنية، ولكنه عاد من جديد إلى محبسه المنزلي، فما زال لم يكمل السن المطلوبة لاستخراج البطاقة الشخصية، وبعد عام كامل تم له ذلك ليغادر مباشرة إلى مدينة الرياض، لعله يجد عملا يناسبه، ولم يتيسر له ذلك بالسهولة التي كان يؤملها، ولكنه في هذه الاثناء قيض الله له صديقا قديما علم بوجوده في الرياض، وكان من زملائه ومعارفه في المرحلة الابتدائية، انجاه الله من العثرات وسار على درب النجاح، وها هو طالب في احدى الجامعات، اصر على الحوار معه ومناقشته بكل عقلانية، إلى أن اقنعه بالمنطق ان وضعه على خلاف ما يعتقد، وازاح عن عينيه ما قد غشيها من قتر تجاه نفسه، واعاد اليه اكتشاف نفسه الحقيقية من جديد، وإلى استعادة الثقة بها مرة اخرى، فاخذ بيده بتؤدة وخطوات ثابتة، حتى اعاده إلى جادة الصواب الصحيحة، ولم يتركه حتى التحق بإحدى المدارس الليلية، فاتضحت له بالفعل مدى قدراته الحقيقية، وانه خلاف ما قد اقتنع به من الفشل والتخلف العقلي والفكري، فاحرز نجاحات باهرة، وتفوقا كبيرا على الاخرين من حوله، فاستكمال المرحلة المتوسطة، ثم تشجع وواصل دراسته الثانوية، إلى أن اتجه بعدها دون تردد إلى الجامعة، وهكذا اكتشف نفسه من جديد، وعالج نفسيته بعد أن كادت تتحطم، وواصل نجاحاته الدراسية، وبلغ اعلى الدرجات العلمية، فاخذ الماجستير ثم الدكتوراه، وها هو الان شخص ناجح بكل ما تعنيه الكلمة، انسان راق الفكر بلغ القمة وتربعها، واصبح قدوة ومثالا في كل مناحي الحياة.

أنه الاستاذ الدكتور حسن بن جابر بن سليمان المدري الفيفي حفظه الله.

 

والده جابر بن سليمان المَدَري حفظه الله، الذي نشأ يتيم الاب من صغره، وعاش طفولته الأولى مع والدته واخوانه في حياة صعبة وشحيحة، حتى أن امه لم تستطع ادخاله المِعْلامَة (كُتَّاب تعليم القرآن) الدراسة الوحيدة المتوفرة حينها، وابقته لرعي الغنم والعناية بها، فكان لرغبته الشديدة للتعلم يسعى بأغنامه راعيا قرب هذه المدرسة، ليستمع للمعلّم وهو يحفظ الطلاب، فكان يستوعب كلما يسمعه ويحفظه، فإذا ما عاد أخوه الاكبر، الذي كان احد طلاب هذه المدرسة، راجع معه ما قد حفظه من سماعه، واستمر على هذه

الطريقة إلى أن استطاع بحمد الله ختم القرآن، ثم سعى جادا بوسائله الخاصة إلى تعلّم الكتابة فأتقنها، بل وصل إلى درجات عالية من الاتقان، فكان كثير من الناس يستعينون به على كتابة ما يحتاجون إليه من الوثائق والرسائل، وطور قدراته إلى أن اصبح يخطب بالناس في الجمع والأعياد، وكان شاعرا متميزا موهوبا، ويحب العلم والادب، وحافظا وراوية مبدع، ورغم ما عانه في هذه الطفولة من فقد الاخوين ثم فقد الوالدة رحمهم الله، حتى أن عاش من صغره وحيدا يتيما معدما، عاش على الكفاف وقلة ذات اليد، فلم يستطع الزواج إلا متأخرا لما بعد الاربعين، وكدح وتغرب وتعب إلى أن تحسنت أحواله، ونمت اسرته بعد أن رزقه الله بالعديد من الاولاد، الذين اولاهم عنايته وجل اهتمامه.

واما امه فهي الفاضلة روحة بنت طالع مريع الخالدي المالكي حفظها الله، ربة بيت مدبرة من ابناء الجيل الصابر المكافح، تعاونت مع زوجها على شق طريق حياتهما الصعبة والشاقة، واحسنا التعاون في تربية ابنائهما على الجدية والاعتماد على النفس، وفي الصبر والمثابرة وعدم اليأس.

ولد لهما في حوالي عام 1392هـ، في بيتهما في جهة الكوابسة، ونشاء في حياة خليطة بين البداوة والزراعة، فالأسرة تهتم بمزارعها في وقت المواسم الزراعية، ويتابعون العناية بمواشيهم وملاحقة الكلأ المناسب لها والمياه، فصقلته هذه التجارب وعودته على العمل والتفاني فيه.

تعليمه:

التحق في حوالي عام 1396هـ، في اول مدرسة ابتدائية تفتتح في حقو فيفاء، مدرسة الكوابسة التي انشئت عام 1395هـ، وكان عمره حينها صغيرا بمعيار القبول الرسمي، ولكن تم التجاوز عن هذا النقص بتولي والده متابعة تعليمه، واهتمامه المركز بتحصيله في البيت، واتخذ معه اسلوب المداراة والصرامة والصبر، إلى أن اتقن معه القراءة والكتابة والحساب، إتقانا متميزا، بقي معه التميز في هذه المواد على مدى دراسته، وقد ترقى في فصول هذه المدرسة متفوقا، على مدى سنواتها الست، إلى أن انتهى متخرجا يحمل الشهادة الابتدائية في عام 1401هـ، وهنا كانت قد توقفت احلامه في مواصلة دراسته، لعدم توفر مرحلة متوسطة قريبة في محيطهم، ولا يستطيع المواصلة في المدارس القائمة، حيث لا يوجد وسائل نقل تعينه على ذلك، ولذلك بدأ العام الدراسي الجديد وهو محبط، وآماله تتلاشى امام عينيه في هذا الجانب ، ولكن ما إن مضى شهر إلا والآمال تلوح في الافق من جديد، عندما عرض على والده احد اصدقائه من ابناء القبيلة، في ان يقيم معهم في بيتهم الواقع في اعلى جبل آل مدر، القريب نسبيا من متوسطة الخشعة، ويتزامل مع ولده الذي يدرس فيها، حيث كانا زميلين في المرحلة الابتدائية.

لم يفوت الاب الفرصة الذهبية، ولكن بعد تحفظات يفرضها الحياء، وحرصا على الا يكون ولده عالة على الاخرين، فرغم رغبته ورغبة ولده في مواصلة الدراسة، حيث لا يوجد فرصة منظورة حينها افضل من هذه، والعرض مغر ويحقق كل الآمال، ولكن رفيقه فهم تحرجه المنطقي، فزاد في الحاحه عليه ليقبل عرضه الجاد، متعهدا له بأن يعامل حسن كما يعامل ولده دون تمييز بينهما، حتى في المعاقبة إذا ما لزم الأمر، فعندها اطمأن الاب، وسارع في الحال إلى استكمال تسجيل ولده في المدرسة، حيث تم قبوله طالبا في مدرسة الخشعة المتوسطة، وبعدها انتقل للسكن عند هولاء الكرماء، وعاش معهم معززا مكرما كأحد ابنائهم، ولكنه ما إن باشر الدراسة مع زملائه في الفصل، إلا وشعر بالفجوة الكبيرة التي تفصله عن مستواهم الدراسي، فقد سبقوه كثيرا خلال شهر أو يزيد، وعلى الاخص في المواد الجديدة عليه، كالرياضيات والعلوم واللغة الانجليزية والتاريخ والجغرافيا وغيرها، فشعر آنذاك بالصدمة والاحباط، لأنه

لم يستطيع الانسجام معهم، أو الارتقاء بمستواه ليقارب زملائه كما ينبغي، مع تزايد احساسه بالغربة في هذه المكان، لبعده لأول مرة عن والديه واهله، وزاد الطين بلة سقوطه في احدى الليالي من درج البيت لتنكسر يده، مما استوجب نقله إلى مستشفى صبيا العام، وجبرت هناك يده ونوم لعدة ايام، فلم يعد للمدرسة إلا وقد مضي شهر آخر، وحينها تكالبت عليه العوامل اكثر من سابقها، وزادت المسافة بعداً بينه وبين بقية الزملاء، لتتعقد الامور اكثر واكثر، وتهتز ثقته في نفسه، وتتدنى آماله وعزيمته، شعورا منه بالخيبة يوما بعد يوم، فلم يستطع رتق الفارق واللحاق بزملائه، ومضى يحاول ويحاول دون جدوى حتى أن نتائجه كانت مخيبة، ودرجاته متدنية، فلم يستطع النجاح إلا في الدور الثاني وبصعوبة شديدة، ولنستمع اليه وهو يصف اوضاعه في هذه المرحلة، حيث يقول: ( لم يكن ما امر به في هذه المرحلة أمرا عاديا، غير أني حاولت التعايش مع حالتي! وقضيت في هذه المرحلة خمس سنوات، كان عنوانها العام التعثر الدراسي، والتدهور النفسي، والتشرد الاجتماعي، سكنت خلالها عند خمس عوائل مختلفة، وكانت كلها في غاية اللطف والودّ، ولكن وضعي كان أكبر من أن تصلحه معاملتهم الكريمة، كان الإحباط النفسي قد بلغ مني مبلغا عظيما، بحيث آمنت أن الغباء صفة لازمة لي، وأنه من المؤكد أني لم أُخلق للدراسة! ومنذ الثاني متوسط قررت الانفلات وقضاء أكبر قدر ممكن من المتعة، أو مما يُخيَّل لي أنها متعة، فكنت أتهرب من حضور كثير من الحصص الدراسية، إما بالذهاب إلى سوق النفيعة، أو نيد الضالع أو أي مكان، وبالسهر مع الشباب العاطلين ليلا، ولعب الكرة عصر كل يوم، ولم يعد التعلّم والارتقاء هما هدفي من البقاء بعيدا عن أهلي، بل السلامة من رعي الأغنام والعمل في الزراعة، فأهلي يجدون لي العذر لأني مغترب لطلب العلم، وكنت في كل عام أخفق فيه أردّ اللوم على المدرسين، الذين يتربصون بي ويجعلونني راسبا، مع أني ممتاز في الحقيقة!، وكان أهلي يصدقون ادعاءاتي ثقة في ابنهم الألمعي!، كنت مميزا في الأشياء العقلية، كالرياضيات والنحو والصرف، وكل ما يعتمد على العقل والتفكير، ومخفقا جدا في كل ما يحتاج إلى الحفظ والمراجعة وحل الواجبات، فأنا لا أفتح كتابا منذو خروجي من الصف، حتى عودتي إليه في الصباح التالي!، لذا لم يكن من الغريب أني أرسب في المواد الدينية والاجتماعية واللغة الإنجليزية، وأتجاوز بتفوق في المواد العقلية التي يحتفظ عقلي بعملياتها المنطقية!، وكان أستاذ الرياضيات يتحدى زملائي، الذين يضحكون ساخرين عندما أرفع اصبعي، لإجابة سؤاله عن خطوات مسألة درسناها بالأمس، إذ كنت أعيد خطواتها من حافظتي إملاءً عليه، وهو يكتبها على السبورة، فكان يسعد كثيرا حينما نصل إلى نهايتها، ويجبرهم للتصفيق لي، لكن كثيرا منهم يصفقون ساخرين أيضا!، وسبب سعادة المعلم هو أن الحدث يثبت أن شرحه واضح وميسَّر، لدرجة أن أحد أكثر الطلاب تعثرا يعيد المشروح غيبا!، لم أستطع اجتياز اختبار الوزارة في الثالث متوسط لعامين متتاليين، فقررت الانسحاب بنهاية عام 1406هـ بما تبقى لي من كرامة، مع أن النظام كان يتيح لي إعادتها للمرة الثالثة).

ويواصل شارحا بصدق، وتشخيص مطابق لواقعه، حيث يقول: (اعتقدت أنني تحررت من قيود الدراسة، لكن ما إن بدأ العام الدراسي حتى تبين لي أنني انتقلت إلى سجن مركزي!، لم يكن وضعا طبيعيا أن يذهب الناس إلى مدارسهم وأعمالهم وأبقى وحيدا في البيت دون شغل، لذا حاولت التحرك لفعل شيء، غير أن الفرص محدودة جدا، فلن يُقبل فتى في الخامسة عشرة في أي وظيفة، كما أن الدراسة لم تعد ضمن الخيارات، وفي نهاية الأمر اتجهت إلى مركز التدريب المهني بجازان، وكاد العمر أن يحول دون دخولي لولا توسل أبي للمدير، وحاجة المعهد الحديث لعدد أكبر من الطلاب، ,أخيرا انضممت إليه وقضيت فيه 16 شهرا).

كانت شهادة المعهد آخر طموحاته في مجال الدراسة، حيث اقتنع بذلك تماما وأنه غير اهل لهذا المجال، وقد تحقق له بها اقصى ما يستطيع، مؤمن بأنه فاشل دراسي بكل ما تعنيه الكلمة، واصبحت هذه قناعاته الثابتة، نتيجة لكل التراكمات والترسبات المتواصلة لفشله في المرحلة المتوسطة، حتى آمن بها تمام الايمان، وثبت في نفسه صدق هذا التشخيص، مع أنه كان في اموره الاخرى، في غير مجال الدراسة النظامية، متفوقا مبدعا وحافظا ذكيا، فقد عشق القراءة الحرة وتلذذ بها، وأحبها وتولع بها من صغره المبكر، مع ندرة وجود الكتاب وانعدام المكتبات، ولكنه دوما متلهفا لهذه القراءة، يقبل بكل شوق إلى قراءة كل ما يقع تحت يده من غير المقررات الدراسية، وكان من رواد مكتبة المدرسة المداومين، وكان المسؤول عن المكتبة يعير الطالب كتابا واحدا في الاسبوع، ابتداء من يوم الثلاثاء ليعيده يوم الاثنين التالي، فيقول (لا يمكنني وصف فرحتي بيوم الثلاثاء، وكنت ألتهم القصة في دقائق، ثم أعود أتلذذ بتكرارها طيلة الأسبوع، وقد هممت أن أطلب منه أن يعطيني أكثر من قصة، غير أني خشيت أن يغضب فيحرمني نهائيا، لذلك لم أجرؤ، وليتني فعلت)، ثم كان من مصادر ثقافته (الراديو) المذياع، ويتحدث عن هذا العشق قائلا : (كان المذياع لا يكاد يفارقني، نهلت منه مخزونا ثقافيا كبيرا، وكانت الإذاعات تعج بالبرامج الثقافية، إذاعة لندن وإذاعات عربية ودولية أخرى، عرفت عن طريقه دول العالم، وعواصمها ومواقعها وشعوبها، وأحداثها وتاريخها، وتعرفت على كثير من أخبارا التراث، عن الدولة الأموية والعباسية والأندلس ونحو ذلك، ومقتطفات من كتب الجاحظ وغيره) فاتسعت دائرة ثقافته ومعلوماته وادراكه.

ومن مصادر ثقافته ايضا ما كان يجده من أحد جيرانهم، الموظف في حرس الحدود، الذي كان يُحضر من عمله بعض المجلات والصحف، وكانت فتحا عظيما وحلما طالما استمتع به، لذلك كان ينتظر مجيئ جاره كل شهر بكل لهفة وشوق، وكان أجمل ما في هذه المجلات ما يجده من الكلمات المتقاطعة، التي استهوته وتمرس فيها، وكلما استطاع حل واحدة منها ارتفعت معنوياته وشعر بالزهو، ولعل ذلك شعور تعويضي عن ترسبات الفشل الدراسي، ثم حرص على اقتناء بعض الكتب، واول تجاربه في الاقتناء، عندما كان طالب في مركز التدريب المهني بجازان، وتصرف لهم فيه مكافأة شهرية، وفي احدى جولاته في المدينة، اكتشف لأول مرة مكتبة خاصة، ويحكي عن هذا الاكتشاف فيقول: (ذهبت إلى المكتبة، وكانت أول مرة في حياتي أدخل مكتبة، حيث رأيت كتبا كثيرة من كل نوع، وكان لدي مالٌ لشراء ما أريد، لكني احترت ماذا آخذ فلا خبرة لي بدلالات العناوين، غير أن عنوان (الأذكياء) لفت نظري، فأخذته وكان هو أول كتاب أقتنيه، أقبلتُ عليه بشغف، مع أني لم أستوعب كثيرا مما فيه، فهو يتحدث عن عصر واحداث لا خلفيتي لدي عنها، ومع ذلك فقد اسمتعت بكثير من حكاياته الطريفة والعجيبة، والأهم من ذلك أني شعرت بفخر بالغ لتميزي بما اطلعت عليه، وكنت بحاجة ماسة إلى ذلك الشعور لأكافح به الجانب المظلم الذي ترسب في خلدي).

بالطبع بعد تخرجه من المركز المهني، احتبس في البيت فلم يستطع المغادرة إلى أن حصل على بطاقته الشخصية، عندما بلغ من العمر ثماني عشرة سنة، فانطلق بعدها ليبحث له عن عمل وظيفي، التي كانت اقصى غاياته، لتشعره بالاستقلالية والاعتماد على النفس، ولكن اصطدم بحقيقة الواقع، فلم تتيسر له الامور كما كان يتوقع، حيث تعثر به الحال، ولم يجد طلبته بسهولة، فالوقت يمضي من بين يديه، وهو يتردد هنا وهناك دون نتيجة ايجابية، حتى أنه اضطر إلى أن يعمل في كثير من الانشطة المؤقتة، من البيع والشراء وخلافه، ليستعين بدخلها على تسيير اموره المعيشية البسيطة، وليجنبه الاتكاء الدائم على ما يرسله له والده، وفي هذه الاثناء سمع بوجوده في الرياض احد زملاء في المرحلة الابتدائية، ممن غادر

فيفاء صغيرا، وتيسرت اموره وسارت به على طبيعتها دون معكرات مثله، حتى اصبح اليوم طالبا في الجامعة.

التقى به زميله السابق هذا، فسعدا ببعضهما، معه أنه انتابه احساس بالحزن على نفسه، عندما قيمها بما هو عليه زميله الآن، وشعوره بالخجل عندما استنباه عن مسيرته الدراسية، مع أن زميله لم يحضر إليه إلا من باب الوفاء لصديقه، فقد كان مدركا تمام الادراك بوضعه ونفسيته، ولكنه جاء لهدف واحد نبيل، يتمثل في ترميم ذاته وإقناعه بمواصلة دراسته، وتكررت زياراته له وتعددت اللقاءات بينهما، حتى زالت كثير من الفجوات النفسية بينهما، وكان في البدأ كلما فتح معه الموضوع، تهرب من الاجابة وصرفه عنه بدبلوماسية، ولكنه ما زال به يعيد ويكرر دون ملل، إلى أن اعاده تدريجيا إلى جادة الطريق، فيقول عن هذه النقطة (ما زال بي حتى ضجرت، وأوهمته أني سأفكر في الأمر بجدية، وبالطبع لم يدر بخلَدي أن أفي له بهذا الوعد، ولكنه بعد أيام عاد ليسألني هل سجّلت، فقلت له: إني لا زلت أفكر! قال: سبحان الله فيمَ تفكر؟ إنه ليس قرار شن حرب، بل تطوير للذات ورقي في الحياة، قلت في نفسي: (هذا ليس طريقي، فتحدث عن نفسك أيها الطامح)! كان ذكيا، حيث استغل خاصية الشحن النفسي، وقال: كل الجماعة يشهدون بذكائك، لدرجة أنك حديثهم في المجالس، فهم يقولون: إنهم في مسابقاتهم الثقافية يتسابقون عليك، كلٌّ يريدك في فريقه، لأنه لا يكاد يمر سؤال دون أن تعرف إجابته، سواء أكان في الدين أم السياسة أم التاريخ أم المعلومات العامة، وهذا سبب بحثي عنك وحرصي على مواصلتك للدراسة، وقد كان محقّا إلى حد كبير في مسألة المسابقات، فقد كانت نشطة حينها، وكان تفوقي الكبير لا يعود إلى الذكاء كما اعتقدَ صاحبي، بل إلى كثرة المعلومات التي اكتسبتها من القراءة والاستماع، لقد استطاع أن يؤثر فيّ قليلا، لأن المدح له مفعول السحر، كما أني رغبت في تصديق دعواه لأجد لنفسي شيئا أفخر به! ولكني لا زلت مرعوبا من تكرار الفشل، الذي سينكأ جرحا أحاول تناسي آلامه منذ سنين) وهكذا ما زال به حتى اتفقا على أن يدرس في احد المدارس الليلة، وعلى أن يكون الأمر بينهما سرًّا، لبقايا رواسب الفشل في نفسه.

وبالفعل عاد للدراسة من جديد، واكتشف أنه كان يعرف كثيرا من المعلومات التي في الكتب، بسبب ثقافته التراكمية من القراءة، ثم لأنه قد عرف معظمها في دراسته السابقة، ولكن المهم هو ما وجده من احتفاء المعلمين به، لكونه أصغر الدارسين في الفصل، وأكثرهم حماسا من الاخرين، وذلك لأنه متفرغ بخلافهم وخالي الذهن، ومعظم زملائه قد أثقلتهم أعباء الأسرة والوظيفة، ولأنه مقبلا على هذا التعليم وليس مدفوعا إليه، لأجل تحسين الوضع الوظيفي كغالبهم، فأصبح المعلمون يتوجهون إليّه بالنظر في معظم حديثهم، ويتوقعون منه الإجابة على أي سؤال يعجز عنه البقية، مما جعله يخجل من نفسه أن يخيب املهم، فكان يستعد بتحضر دروسه قبل الحضور، وهكذا وجد أنه مع نهاية العام الدراسي، قد حصل على شهادة الكفاءة المتوسطة بتفوق، وكانت فرحته لا تضاهيها فرحة، وكان هذا الصديق الصدوق أول المهنئين.

بحصوله على هذه الشهادة تغيرت توجهاته، بعد أن اخفق في البحث عن وظيفة، فعاد إلى جازان مصمما على أن يلتحق بالمعهد الصحي الثانوي، وبالفعل تقدم بأوراقه للمعهد مع بداية محرم من عام1411هـ، ولم يمضي اسبوع على هذا التاريخ حتى غزا العراقُ دولة الكويت، فوصل إليه اتصال بأن الوحدة العسكرية التي سبق له التقدم عليها، تعرض عليه وظيفة إن كان راغبا، وفي الحقيقة كان شديد الحاجة إلى هذه الوظيفة، ليضمن له مصدر دخل مستقل، ودون تفكير سارع إلى سحب اوراقه من المعهد الصحي، واتجه مباشرة إلى الرياض طلبا للتعيين، مع أنه وجد ما عرض عليه اقل مما كان يؤمل، ودون ما سبق وعرض عليه قبل ذلك، ولكنه اقنع نفسه ورضي بالموجود، ليتم تعيينه لا في الرياض ولكن في مدينة

الخرج، وانهى فترة المستجد واكتمل تعيينه، واستقرت اموره بعد انتهاء حرب تحرير الكويت، لذلك عاود من جديد مشواره الدراسي برغبة منه، حيث قد زالت عنه كل عقده السابقة، واستعاد الثقة التامة بنفسه من جديد، فاستأنف مسيرته الدراسية في بداية العام الدراسي1412هـ، دارسا في المرحلة الثانوية الليلية، في مدارس القوات المسلحة بالخرج، وواصل بنجاح فيها كل عام، إلى أن تخرج يحمل الشهادة الثانوية في العام 1415هـ، فارتفعت طموحاته وعلت آماله، وبادر بكل حماس إلى التسجيل في جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية، راغبا في الانتساب، ولكنه لم يتم قبوله حينها لتوقف هذا النظام، ليعود محبطا لا يدري ما يفعل، فأشار عليه بعضهم بالاستقالة من العمل والانتظام في الجامعة، وعندما ذهب إلى الضابط المسؤول لأعلامه بعزمه، فعرض عليه حلا افضل من الاستقالة، واوعز إليه بأن ينسق مع رئيسه، ليجعل دوامه في المساء، لتكون له فرصة يتأكد اثنائها من قدرته على الدراسة، وبالفعل تم له ذلك الامر، وانتظم طالبا في الجامعة مع بداية الفصل الثاني، ومع ذلك لم يضطر لترك عمله، حيث تعاون معه زملائه إلى أن أتم دراسته الجامعية كاملة، على مدى الأربع السنوات التالية، التي بذل خلالها جهدا مضاعفا، وصبرا وعزيمة وقوة تحمل، فكان يبكر إلى الكلية بالرياض مع صلاة الفجر، ولا يعود منها إلا قبيل صلاة العصر، ليتغدى ثم ينطلق مباشرة إلى عمله، ليواصل العمل إلى الساعة العاشرة ليلا، وهكذا ثابر وجاهد على الجمع بين الحسنيين، العمل الوظيفي والدراسة الجامعية، حتى تخرج من الجامعة في منتصف عام 1419هـ، حاملا شهادة البكالوريوس، ليرتفع سقف الطموحات امام ناظريه، وتنفتح امامه الابواب مشرعة، وتزداد لديه الآمال والاحلام، لذلك بادر دون تردد إلى التسجيل في برنامج الماجستير، الذي وجده متاحا في جامعة الملك سعود، وبعد أن تم قبوله فيه، وبدأ في دراسته مع بداية عام 1420هـ، متبعا نفس النهج والطريقة السابقة في الدراسة الجامعية.

فمازال موظفا عسكريا، برتبة لا تتجاوز الجندي، فهو لم ينل أي تغيير أو ترقية طوال العشر سنوات الماضية، مع نجاحاته وتميزه الدراسي، وارتفاع محصلته العلمية، راض بوضعه لما تحقق له من ترق علمي، ولكن لم يمضي على التحاقه ببرنامج الماجستير عدة اشهر، حتى اعلنت كلية الآداب بالجامعة عن حاجتها إلى معيدين، وتم الاعلان عن التنافس عليها لمن تنطبق عليهم الشروط، فتقدم من ضمن المتقدمين، ومع أن المقاعد المتاحة أربعة فقط، إلا أنه لما ظهرت النتائج في 5/12/1420هـ، كان اسمه ضمن الفائزين بهذه الدرجة، ومع سعادته الكبيرة بما تحقق له، وبأنه سيتحول من جندي عادي إلى أستاذ (معيد)، في احدى أكبر الجامعات، إلا أنها كانت امامه مصاعب جمة، وعقبة كؤود، بسبب وظيفته العسكرية، فلا بد أن يستقيل منها ليدخل في الوظيفة المدنية الجديدة، وكانت الاستقالة من الوظائف العسكرية تخضع لتنظيم دقيق، فلا يتم قبولها إلا في تاريخين محددين في السنة، احدهما في شهر ذي القعدة، والاخر في شهر ربيع الأول، وبينه اليوم واقرب موعد ثلاثة أشهر، ولن يأتي إلا وقد فاته الترشيح، وطارت الطيور (كما يقال) بأرزاقها، وكيف لجندي عادي مثله أن يقنع أصحاب القرار في استثنائه من هذا النظام، ولا توجد لديّه أسباب قوية ليحصل على استثناء في ذلك، ولا يستطيع البوح بالسبب الحقيقي لطلب الاستقالة، خشية أن يتعقد الموقف أكثر حسب تصوره، ولكنه تشجع وتقدم بطلب الاستقالة لعل وعسى، وبالفعل رُفع طلبه من مرجعه إلى الإدارة في الرياض، وبعد ايام اعيد الطلب بأن ينتظر به الموعد المخصص، الذي يحين كما اسلفنا في شهر ربيع الأول عام 1421هـ، وعلى هذا ذهب بنفسه في يوم السبت 19/ 12/ 1420هـ إلى الرياض للمراجعة شخصيا، فيقول عن ذلك: (ذهبت و لا ادري ما أصنع ، ولكن لعل اختراقا معينا يحدث، وهناك وجّهت إلى المكتب الذي أحيلت إليه المعاملة، فوجدت فيه عسكريا مهيبا، برتبة رئيس رقباء، فسألني عن سبب طلبي، فتلكّأتُ في الإجابة، وقلت إنه لظروف خاصة، قال: إذن انتظر هذه المدة اليسيرة، قلت: لا أستطيع، يجب أن أغادر في هذه الأيام، قال

لا بأس، سأسعى لك في إجازة، لتغادر غدا وتقضي كل ما تريد، ولماذا تكره راتب ثلاثة أشهر ستأتيك دون عناء!، لم تُبقِ لي شهامة الرجل عذرا، وهنا اضطررت لإخباره بالسبب الحقيقي، بعد أن استوثقت منه أنه إن لم ينفعني فلا يضرني، ولم أجده متحمسا للسبب الذي ذكرته، مما أشعرني بالندم على إفشاء سري له، قال: اذهب الآن واتني ضحى الغد، وغادرتُ مكتئبا لا أدري ما الأمر الذي سيتحقق ضحى الغد ولم يتحقق ضحى اليوم!، عدت إليه من الغد، فوجدته غير صاحبي بالأمس، وجدته في غاية السعادة والحماس، وقال: أبشر بالخير، سأبذل ما بوسعي لتغادرنا هذا الأسبوع، وأعتقد أنني سأنجح، فقصتك جديرة بالإعجاب! طبيعي أن تغمرني السعادة، لكني تعجبت من هذا الموقف اليوم، من قصة الأمس، مع أن المتوقع أن يكون الإدهاش حال سماعها لا اليوم التالي! طلب مني الانتظار في مكتبه ريثما يذهب إلى مكتب آخر، ولأكن مستعدا فقد يناديني في أي لحظة، ثم ذهب إلى ضابط كبير وصاغ له الموضوع على هيئة قصة إبداعية لجندي حصل على البكالوريوس، وهو الآن في مرحلة الماجستير، استمتع القائد جدا، ثم قال له العسكري: هل تتخيل أنه سيصبح أستاذا في الجامعة الفلانية بعد أيام؟! هنا تبسم القائد والتفت إلى الحضور متعجبا!، وأخيرا قال له: وهل يخطر في بالك أن زملاءه هم من سيقف في طريقه من دون العالمين؟! قال القائد: كيف يا رجل؟! قال: القصة أننا نحن زملاؤه، وأنه لم يحصل على ترقية لما يقرب من عشر سنوات، والآن فُتحت له نافذة مشرقة الأنحاء، فأراد الاستقالة والقفز من تلك النافذة، فأمسكه النظام! ثم قال له: يمكنك بحكم منصبك أن تساعده ليخرج؛ إذ ليس عدلا ألا نوفر له ترقية، ولا نتيح له المغادرة! قال له الضابط: أتعرفه؟ قال عرفته بالأمس، قال: هل يمكنه الحضور هذا الأسبوع؟ قال: بل سأحضره الآن إن شئت، قال: ليتك تفعل، فجاءني عسكري يطلب مني إجابة الرئيس، فتبعته إلى مكتب الضابط، فأُصِبتُ بالرهبة، إذ ليس سهلا على جندي أن يخاطب لواءً بلا ارتباك! لكني ما لبثت أن اكتسبت ثقة كبيرة بعد أن رأيت حفاوة لافتة منه ومن زملائه الحاضرين في مكتبه، سألني عن كل شيء، وكنت متحفظا على بعض التفاصيل، ولكنه تبيّن لي أن الرئيس كشف كل أسراري، فلم يعد أمامي سوى الوضوح، شكرني بعبارات كثيرة أخجلتني، وقال ما مضمونه: سأعمل على تنفيذ طلبك، وسأخرق النظام، فلن ينقص الجيش بجنديّ يترقى إلى الجامعة! كان كلامه محفزا بدرجة مذهلة، شكرته بالطبع، غير أني حاولت التماسك وعدم إظهار سعادة مبالَغ فيها، رفع سماعة هاتفه، ونحن ننظر، وتحدث إلى مدير شؤون الأفراد وهو برتبة لواء أيضا، وقال: سأطلب منك طلبا أرجو أن يتحقق اليوم؛ لأن كل يوم يمر يعد خسارة على صاحب الطلب، ثم أعطاه نبذة يسيرة وقال سأفصّل لك القصة لاحقا، قال المدير- ونحن نسمع-: أرسله لي الآن، ذهبت إليه فرحب بحرارة، ثم سألني أسئلة يسيرة، ثم قال: ائتنا صباح الثلاثاء وستجد قرار استقالتك جاهزا، شكرته وانصرفت، حضرت الثلاثاء، فوجدت القرار جاهزا، كما وعَد المدير، ثم ذهبت فشكرت الرئيس والقائد وبالغت لهما، وهنا استجلسني الرئيس، وقال لي: لعلك استغربت طلبي منك لتأتيني ضحى الأحد، قلت: نعم، قال: هل عرفت سبب أسئلتي الكثيرة عن سنوات دراستك بالجامعة وأسماء أساتذتك وتاريخ تخرجك؟ قلت: لا، ولكني ظننت أنها جبر لخاطري لتهوين مسألة صرفي من إدارتكم بلا فائدة، قال: هل زاملت طالبا يُدعى فلان الفلاني، تذكرت قليلا، ثم قلت نعم، قال أتستطيع وصف شكله، قلت نعم، ووصفته له، قال: ذاك ابني، ولا أخفيك أني شككت في ادّعائك، فإنه يمر بنا الكثير من القصص التي تدعونا للتعاطف مع أصحابها، ثم يتبين لنا لاحقا أنها مجرد خُدَع، وقد لاحظت من المعلومات التي ذكرتَها، أنك درستَ في وقت دراسة ولدي، فأردتُ تأجيل الموضوع حتى أسأله عنك فربما كان يعرفك، وقد فعلت، فذكرك بخير، فعلمت أنك صادق، لذا سعيت لمساعدتك، تعجّبتُ من فطنته، وأجزلت له الشكر وودعته، ولا زالت علاقتي به وثيقة إلى اليوم).

أخذ قرار استقالته، وأخلي طرفه من وحدته العسكرية، وذهب مباشرة لإكمال إجراءاته في وزارة الخدمة المدنية، حيث صدر قرار انضمامه إلى جامعة الملك سعود في 28/12/1420هـ، بفاصل زمني بين الوظيفتين أربعة أيام، وهنا اتجه جادا في دراسته لإكمال الماجستير، التي كانت بعنوان (أدب الرحلة) في الأدب العربي، وحصل على الاجازة فيها من كلية الآداب جامعة الملك سعود في عام 1426هـ، وفي العام التالي 1427هـ تم ابتُعاثه إلى بريطانيا، لدراسة اللغة الإنجليزية، ولنيل شهادة الدكتوراه، واصبح الحلم اعلى بكثير مما كان يخطر على باله، وكانت سنوات الغربة صعبة وشاقة جدا، يقول عنها (اضطررت أن أنحت في الصخر لكي أحقق نجاحا يرضيني أولا، ثم يُرضي من ينتظر أخباري السارة) وكان أول التحديات امامه اللغة، لأنه لم يسبق له أن درس اللغة الإنجليزية مطلقا، لا في مرحلتي البكالوريوس ولا الماجستير، وآخر عهده بها كان في المرحلة الثانوية الليلية، وكما هو معروف ضعف الاهتمام بتدريسها في الليلية، ويقول تعليقا على ذلك : ( كما هو معلوم لم تكن دراسة اللغة في الثانوية بالمعنى الحقيقي، علاوة على أن الأساتذة في المرحلة (الليلية) لا يأخذونها على محمل الجد، وينظرون لها على أنها مجرد عبء لن يحتاجها الدارس في حياته مطلقا، لذا كان الجميع ينجحون في الإنجليزية مهما كان مستواهم)، أما الان في هذه البعثة فمطلوب منه دراستها دراسة أكاديمية عميقة، لكي يكتب بها أطروحة ضخمة، سيناقشه فيها أهل اللغة أنفسهم وفي بلادهم، ولن يجيزوها إلا إذا حققت الاشتراطات الأكاديمية المطلوبة لديهم، كان هذا شعورا مرعبا، فلهذا حرص على قضاء أطول مدة ممكنة ليتعمق في اتقان هذه اللغة، قبل التفكير في البحث والكتابة، لذا خصص لدراستها ما يقارب السنتين، كان يؤمن أن الهدف الأساسي للابتعاث هو معرفة اللغة وممارستها، والعيش في سياقها الثقافي، وليس كتابة البحث، لأن البحث يمكن كتابته بأي لغة وفي أي مكان، ولكن اللغة وسياقها الثقافي لن تكون موجودة بحقيقتها في غير موطنها.

تمرس جيدا في اللغة، وبنى كثيرا من الصداقات مع أهل البلد، ومارس من خلالها اللغة في نقاشات جميلة لا تنتهي، ثم اتجه إلى اعداد اطروحته، وقد تملك ادوات اللغة والم بأسرارها، فجمع المعلومات ودقق فيها، ثم حلل وناقش واستنتج حتى رضي تماما عن بحثه، في الدراسات الشرق أوسطية وآدابها، في موضوع (صورة الآخر في أدب الرحلة العربي في القرن السابع عشر الميلادي)، وحاز على إشادة لجنة المناقشة، في كلية اللغات والآداب الحديثة، جامعة ليدز في بريطانيا، بعد أن نوقشت هذه الرسالة في 5 ديسمبر 2013 الموافق غرة صفَر 1435هـ، ليحقق المهمة التي تغرب من اجلها، ويجني ثمرة جهد وكدح استمر لثمان سنوات، ويقول: (رغم مشاقّها، كانت أجمل مراحل عمري على الإطلاق) حيث عاد بعدها إلى جامعته مكللا بالنجاح.

ولم يتوقف عند هذا الحد من الترقي والتعلم والبحث، وحضور الدورات والبرامج والمؤتمرات، حيث حضر دورة الخرائط الذهنية التي قدمها الاستاذ الدكتور توني بوزان، في المعرض المصاحب لمؤتمر الإبداع السعودي في لندن عام 2012م، وحضر دورة تدريبية لمدة 35 ساعة في تقنيات التعليم في جامعة واترلو بكندا عام 2015م، ودورة تدريبية لمدة 25 ساعة في التواصل في اللغة والأدب في مراكش المغرب عام 2017م، وعدة دورات تدريبية في المملكة وخارجها حول التعليم والتطوير والجودة والادارة وتنمية الذات وغيرها.

اعماله الوظيفية:

غادر فيفاء كما ذكرنا 1409هـ، بعد حيازته على البطاقة الشخصية، حال بلوغه السن النظامية ثمانية عشر سنة، ولم يكن لديه من المؤهلات إلا الشهادة الابتدائية، وشهادة مهنية من مركز التدريب المهني، وفي مدينة الرياض تقدم لطلب العمل في الجيش، وتم استقبال اوراقه على رتبة عريف، وكان يتطلب منه أنجاز توقيع بعض المستندات من فيفاء، وما إن عاد بأوراقه من فيفاء، إلا ووجد الوظيفة قد منحت لغيره، ولم يجد من ينصفه حينها، مع أنها كانت قد سُجلت رسميا باسمه، وقالوا: سنتصل عليك عندما تتوفر وظيفة!، بحث هنا وهناك وفي كل فرصة تعن له، ولكن دون جدوى، وفي هذه الاثناء كان قد انهى دراسته المتوسطة، وحصل على شهادة الكفأة المتوسطة، وبلغ منه اليأس مداه في الحصول على وظيفة، فقرر الاتجاه لطريق اخر مضمون، حيث عاد إلى جيزان وقدم اوراقه للتسجيل في المعهد الصحي الثانوي بها، مع بداية شهر محرم عام1411هـ، الذي يمنح المتخرجين منه شهادة صحّيّة، بعد دراسة اربع سنوات، تتيح له بعدها عملا ودخلا جيدين، فلم يعد يهمه الوقت ما دامت النتيجة شبه مضمونة، فقد ايس من طول البحث عن عمل وظيفي.

في هذه الاثناء حدث غزو العراقُ للكويت، وحينها تم ابلاغه بالتلفون أن الوحدة العسكرية التي تقدم لها سابقا، تسأل عنه وتعرض عليه وظيفة، إن كان لا زال يبحث عن العمل، لذلك لم يكذب خبرا، بل سارع في الحال إلى سحب أوراقه من المعهد الصحي، فحاجته للعمل اشد ضرورة ما دامت متوفرة، وقد حاول موظف المعهد ثنيه عن الانسحاب، وأن درجاته جيدة تؤهله للاستمرار في البرنامج، ولكنه اصر على موقفه، وغادر في الحال إلى الرياض، ليحضر اليوم الثاني إدارة الخِدمات الطبية للقوات المسلحة، وكان يتوقع قبول طلبه فورا، بسبب الأحداث القائمة، ولكن الأمر أخذ أكثر من شهر، إلى أن صدر قرار تعيينه في تاريخ 16/3/1411هـ، جندي في مستشفى القوات المسلحة بالخرج، ورضي بوضعه وبقي على هذه الوظيفة لما يقارب عشر سنوات دون تغيير او ترقية، كانت كلها مدة خدمته الكاملة في هذا القطاع، ولكنه استفاد اثنائها من مواصلة دراسته الثانوية والجامعة، وكذلك سجل لنيل درجة الماجستير، وحينها اطلع على اعلان لطلب معيدين في جامعة الملك سعود بالرياض، وتقدم عليها ضمن المتسابقين، ودخل في المنافسة عليها، وتم قبوله على واحدة من هذه الوظائف، وحينها سعى إلى الحصول على الاستقالة من وظيفته العسكرية، واكمل اجراءات تعيينه على الوظيفة الجديدة، حيث باشر العمل على هذه الوظيفة، معيدا في كلية الآداب جامعة الملك سعود، في تاريخ 28/12/1420هـ.

وهنا كما يقول (بدأت في الجامعة حياة جديدة، مختلفة كليا عن حياتي السابقة، سواء على المستويات العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ففيها وجدت بيئتي الحقيقية، حيث المكتبات والأساتذة والطلاب، والندوات والمؤتمرات والبحث والمناقشة)، وتم ابتعاثه كما مر بنا إلى بريطانيا، لتعلم اللغة ونيل درجة الدكتوراه، وبعد عودته من هذه البعثة في عام 1435هـ، وهو يحمل شهادة الدكتوراه، تمت ترقيته على درجة استاذ مساعد، بقسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب جامعة الملك سعود، وقد تولى عددا من المهام، حيث اسند إليه عمل رئيس وحدة الجودة، بقسم اللغة العربية من تاريخ 1435هـ إلى 1437هـ ، ورئيس وحدة التطوير بكلية الآداب، بجامعة الملك سعود من تاريخ 1436هـ إلى 1438هـ ، ورئيس وحدة الدراسات العليا (الماجستير/الموازي)، قسم اللغة العربية من تاريخ 1436هـ إلى 1437هـ، ووكيل قسم اللغة العربية وآدابها، بجامعة الملك سعود منذ عام 1437هـ.

وشارك في العديد من الاعمال الاكاديمية والثقافية، وقدم عددا من البحوث والمحاضرات والدورات، ومن ذلك: مشاركته بورقة علمية بعنوان (صورة المسلمين في العقل الأوروبي في القرن 17م كما ظهرت في أدب الرحلة، مؤتمر معرض الكتاب العابر للثقافات، الذي نظمته جامعة ليدز، في

ظهرت في أدب الرحلة، مؤتمر معرض الكتاب العابر للثقافات، الذي نظمته جامعة ليدز، في 26ـ27

يوليو 2013م، ومشاركته بورقة عمل علمية، في مؤتمر الادباء السعوديين الخامس، المنعقد في الرياض في 28/2/1438هـ، بعنوان (صورة الآخر في رحلة عبدالله الجمعة)، وحضر المؤتمر السنوي الأول لأبحاث طلاب الدراسات العليا، بجامعة ليدز في 8 ديسمبر 2010م.

إضافة إلى أنه عضو مؤسس، في الرابطة الثقافية للطلاب المبتعثين في بريطانيا 2009م، وعضو في ادارة المدرسة العربية في ليدز بريطانيا 2010م، وعضو في اتحاد طلاب جامعة ليدز بريطانيا من 2008 إلى 2014م، واستاذ متعاون مع جامعة ليدز لتعليم دارسي العربية في الجامعة من 2009 إلى 2014م، واستاذ متعاون مع كلية الملك عبدالله للقيادة والأركان بوزارة الحرس الوطني، لتدريس بعض مهارات التواصل، التفكير النقدي والارشاد البحثي، منذ بداية عام 1440هـ إلى1441هـ ، ومدرب معتمد من اكاديمية الحوار الوطني بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني عام 2019م، ومدرب متعاون مع الدورات التدريبية في الحوار وتقنياته منذ عام 1436هـ، وقدم برنامج لمدة ثمانية اسابيع عن القراءة، (كيفية اكتسابها وتطويرها وجعلها ممتعة وفاعلة) عام 1436هـ، وقدم عددا من الدورات حول التطوير اللغوي، في بعض المؤسسات، منها مجلس الشورى، والنادي الادبي بالرياض، وجامعة الأميرة نورة، وكتب عدة مقالات في بعض وسائل الاعلام المحلية، ويقدم بعض الاطروحات الثقافية في الشبكات الالكترونية، واشهرها حلقات (دعدعة)، اضافة لبعض النشاطات في خدمة المجتمع، والاعمال الادارية، وعضوية بعض اللجان في جامعة الملك سعود، والمحاضرات والانشطة الاساسية، المكلف بها، بوصفه عضو هيئة تدريس في الجامعة.

الحالة الاجتماعية:

متزوج من الفاضلة نعنة بنت سلمان شريف المدري الفيفي، ربة بيت من الطراز الفريد، ولديّهما خمسة أولاد، ثلاثة ابناء وابنتان، على النحو التالي:

  1. ياسمين ولدت في 1414هـ، متخرجة من جامعة ليدز في بريطانيا عام 2016م، تعمل في شركة امازون السعودية.
  2. هشام ولد في 1415هـ، طالب في الجامعة.

  3. بلقيس ولدت في 1417هـ، متخرجة من كلية التربية، جامعة الملك سعود، وتعمل في شركة فرنسية في الرياض.

  4. الهيثم ولد في 1419هـ، طالب في الجامعة.

  5. المعتصم ولد في 1423هـ، طالب في الجامعة.

وقد درسوا جميعهم في المدارس البريطانية، اثناء بعثت والدهم هناك، لمدة ثمان سنوات، واستمرت ياسمين وهشام في بعض الكليات والجامعات هناك من بعد عودة الاسرة.

بارك الله فيهم ونفع بهم، وجعلهم قرة عين لوالديهم، ووفق صاحب سيرتنا العصامية الفذة، وزاده توفيقا وعلما وفضلا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

 

الرياض في 26/2/1442هـ

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. بارك الله فيك يا أبا – جمال لك من اسمك نصيب فأنت تتحفنا بجميل كتاباتك وأصحابها فشكراً لك من الأعماق..

    أما ضيفك صاحب السيرة السامية والأخلاق الراقية والإبتسامة الدائمة سعادة الدكتور – حسن ابو . هشام فهو مثال يقتدى به وفعلا واجهته عقبات لكنه لم يجعلها عقبة أمامه بل أجتهد وثابر متسلحاً بسلاح العزيمة والصبر الى أن تربع عرش التفوق والرقي حفظه الله وزاده من فضله ، يستاهل ما وصل له فهو رجل متواضع كريم محب للكل وهو صديق قديم ومن أعز الأصدقاء ولي بخصاله وسجاياه الكريمة معرفة لصيقة وهو رجل لا تغيره المستويات العلمية والعملية والمناصب بل تزيده تواضعاً وسماحة..

    يُعجب به جلساه من أول لقاء معه صاحب حديث ماتع وصاحب فكاهة وطرفة يأنسوا به الكل وبأفكاره النيرة يعجز أقرب الناس منه أن يأخذ جزء الجزء من ثروة صفاته السامية..

    أجزم بأن كل من قرأ هذه السيرة استمتع بها وأستأنس فقد تخللها الكثير من الدروس المهمة في الحياة العلمية والعملية والإجتماعية والمثابرة والعزيمة والصبر والجد والإجتهاد الى أن وصل الى ما وصل اليه..

    نكرر الشكر والتقدير لكاتب سير أعلامنا الشيخ والأديب أبو – جمال حفظه الله وأسعده رجل بألف رجل نجد جهوده في كل مجال يرفع من فيفاء وأهلها نعجز عن الثناء والشكر لما تقوم به ولك من محبيك خالص الدعاء في ظهر الغيب..

  2. ماشاء الله تبارك الله قصة أسطورية رفع الله قدرك يادكتور وقدرنا جميعا “في الدارين ..

  3. ما شاء الله تبارك الله رغم تواصلى الدائم والغير مباشر منذ زمن مع الدكتور ابو هشام الا ان تفاصيل سيرته ومسيرته قصة الهام يجب ان نتمعنها وننهل منها فيا له من مكافح فعلا ومتجاوز لكل العثرات (كنت اعرفه في بداياته ايام المنتديات لا يخيل لك ان من تتحدث معه لديه اي من مهام وليس من مشاغل الحياه فكيف كان يتجاوز كى ذلك دون ان يشعر به احد )
    الجميل انه يصنف نفسه ويقيمها باصعب المعوقات التى لا يتخيل اي انسان تجاوزها ثم يقفز معتليا هذه العقبات
    اخذ من طابع الادب سلوكه فكما كان عنتره يمتدح الاعداء ثم يصف انقضاضه عليهم كان ابا هشام في تشخيص العثرات ومن ثم تجاوزها
    تحياتى للاخ ابو هشام ولك ايضا يا ابا جمال على ما اتحفتمانا به

    اخوكم هادي قاسم -ابو باسل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: