مشائخ .. واعلام .. ذكريات

الاستاذ موسى بن احمد آل طارش الفيفي

عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابو جمال

صادق مع نفسه، وصاحب هذه الميزة، يحقق كثيرا من النجاحات الحقيقية، ويعيش مرتاحا متصالحا مع ذاته، فكثير من الناس يجامل الاخرين على حساب نفسه، ويتغاضى عن معظم رغباته وطموحاته لأجلهم، فيعقبه ذلك في الغالب حسرة وندامة، على امور قد فرط فيها أو فاتته، واحلام تجاوزها ولم يستطع تحقيقها.

  عند تخرجه من المرحلة التمهيدية في المعهد العلمي، وهي تعادل الصف السادس الابتدائي، وتعتبر طريقا سالكا لمواصلة الدراسة في المعهد العلمي، وجد نفسه ميالة إلى دراسة الرياضيات والتخصص في المواد العلمية، التي لم تكن حينها متوفرة في مقررات المعهد العلمي، لذا لم يتردد في اقناع والديه بالموافقة له على الالتحاق بالمتوسطة العامة، وتحقق له ذلك وتفوق في دراسته، ولكنها اتت ظروف قاهرة فيما بعد اعادته إلى المعهد العلمي، سيأتي تفاصيلها لاحقا، ثم بعد تخرجه من ثانوية المعهد العلمي، التحق مباشرة في كلية الشريعة، وعندما اكتشف عدم ميله إلى هذا التخصص، لم يتردد في الانتقال بعد سنة دراسية إلى كلية اللغة العربية، التي ابدع فيها وارتاحت لها نفسه، واخر الامثال على هذه الميزة، أنه بعد انخراطه في التجارة وممارسته الاعمال الحرة، احس بوجود تعارض فيها وعمله الوظيفي، فلم يتردد عن طلب التقاعد المبكر، ليتفرغ تماما لما يؤمن به، واتخذ التجارة مسارا مناسبا له، ومجالا صحيحا في حياته، ونجح فيها وارتاحت نفسه واطمأنت، وهذه الصفة (الصدق مع النفس)، صفة بارزة عليه في كل ادوار حياته، وعنوانا ثابتا لا يتخلى عنه، هكذا عرفته وخبرته، وقليل من يستطيع فعل ذلك.

أنه الاستاذ موسى بن احمد قاسم سلمان آل طارش الخسافي الفيفي حفظه الله ووفقه.

والده الشيخ احمد بن قاسم آل طارش حفظه الله، انسان تميز بالطيبة وحسن المعشر مع كل الناس، كان شديد البر بوالديه، سعى إلى ارضائهما بكل وسيلة، وفي تلمس احتياجاتهما بعد كبر سنيهما، وكان عونا لهما في كل امور حياتهما، وناب هو وشقيقه الاكبر مفرح (رحمه الله) عنهما في الاهتمام بمزارعهما.

نال قدرا لا باس به من العلم، وهو من اسرة تهتم بالتعليم، وتميز بحسن خطه وجماله، لكثرة ممارسته للكتابة كموظف حكومي في هذا المجال، ولم يفتر في تنمية قدراته العلمية والثقافية بالقراءة الحرة، بل وامتلك مكتبة خاصة في بيته، عامرة بأمهات الكتب العلمية والادبية، (اهدى معظمها إلى مكتب التعليم بفيفاء)، انسان اجتماعي من الدرجة الاولى، منفتح يحب الخير لكل الناس، وقد اختط له اسلوبا رائعا وراق في تربية ابنائه، يقوم على مبدأ اللين والتعامل اللطيف، والحوار والاقناع بالحجة وضرب الامثال، لا يفرض قناعاته على احد منهم، بل يعاملهم بأريحية وعقل، في اختياراتهم الدراسية والحياتية، امضى اكثر من اربعين سنة موظفا في المحاكم الشرعية، حيث تقاعد منها بعد بلوغ الستين، وهو على وظيفة رئيس كتاب ضبط، في المحكمة الجزئية بمكة المكرمة، حفظه الله ووفقه.

    واما امه فهي الفاضلة سعيدة بنت قاسم احمد الظلمي رحمها الله، كانت ربة بيت من الطراز الأول، تبذل جل اهتمامها في رعاية بيتها وتربية ابنائها، امرأة فاضلة متدينة، سعت بعد أن كبر ابنائها إلى استغلال وقتها في حفظ القرآن الكريم، الذي حرمت منه في الصغر لعدم توفر مدارسه، فحفظت ما يقارب ثلثي القرآن الكريم، وداومت على مراجعتها وتحسين قراءتها، وهي انسانة محبة للخيرة باذلة للمعروف، عانت في سنواتها الاخيرة من مرض اقعدها، وحبسها في الفراش، إلى أن توفيت في شهر محرم من عام 1442هـ، رحمها الله وغفر لها، وجعل ما اصابها تمحيصا لذنوبها، ومثقلا لموازينها.

  ولد لهذين الفاضلين في بيتهما خيران، في شرق الجبل الاعلى من فيفاء، في يوم الاربعاء 11/8/1389هـ، وصادفت ولادته اعواما مرت بها فيفاء عانت من شح الامطار وقلة المياه، مما جعل والده يعمل جاهدا على حفر بئر خاص به في اطراف مزرعته، وكانت الامكانيات حينها قليلة محدودة، والعمل يتم بواسطة العمل بالآت بدائية بسيطة، وقد استمر الحفر لأشهر طويلة، وكان من محاسن الصدف وصولهم إلى منبع الماء الغزير ليلة ولادته، فكانت فرحتهم مضاعفة بهذا المولود وبتدفق الماء، الذي كانوا في امس الحاجة اليه، فكانت ولادته مباركة عليهم، وهو الثاني لهما بعد اخيه الشقيق حسن حفظهما الله.

 قضى طفولته في هذا المحيط الهادئ الجميل، مع والديه واخيه الاكبر ومع اخوانهما من ابيهم، ومع عمة ابيه المقعدة (مريم) رحمها الله، التي كانت مصدر انس وفرح وثقافة، يجالسونها في اغلب الاوقات، وتعتني بهم عند انشغال امهم بأعمال البيت الكثيرة، فلا يملان مما تبتكره لهما من الالعاب والتسالي، ولا يشبعان من حكاياتها وقصصها الجميلة، التي نمّت فيهما حب الخير والمغامرة والخيال.

    عندما بلغ سن الرابعة من عمره، كانت له فيها اول مغامرة خارج محيطهم، حيث اصطحبه والده واخوانه، وبعض ابناء عمومتهم إلى مدينة ابها، لإجراء عملية الختان لهم، فكانت بالنسبة لهم رحلة لا تنسى، شاهدوا فيها لأول مرة كثيرا من الاشياء الجديدة عليهم، اولها ركوبهم السيارة لأول مرة، ثم اختلاف انماط الحياة في كثير مما شاهدوه، مما جعلهم في معظم الوقت يعيشون في ذهول وانبهار، مع ما تخلل رحلتهم من مشقة السفر والمشي الطويل، حيث مشوا على اقدامهم من بيتهم إلى النفيعة، ومن ثمّ إلى سوق عيبان في سفح جبل فيفاء غربا، ومنه ركبوا السيارة في أول تجربة يخوضونها، حيث كانت تسير بهم في طرق وعرة وصعبة، واستمر بهم لساعات طويلة ومتعبة، فكانت رحلة لا تنسى في ذهابهم وعودتهم، حيث لزمهم كثير من الساعات إلى أن وصلوا إلى مدينة ابها، التي شاهدوا فيها كل شيء مبهر وجميل، وبعد ختانهم عادوا إلى فيفاء وكأنهم في حلم افاقوا منه.

التعليم:

  ادخله والده المدرسة وهو دون السادسة، ليكون مرافقا لأخيه الاكبر منه، فسجلهما سويا في مدرسة النفيعة الابتدائية، وكانت بعيدة جدا عنهما، مما يلزمهما السير لأكثر من ساعة ليصلا اليها، تتخلل طريقهما عقبة كؤود، من بيتهما إلى أن يصلا إلى ما بين المقاعد، في اعلى ذراع منفة، ومن بعدها تتدرج الطريق في خط شبه مستقيم، لكنه طويل لا يكاد ينتهي، يمرون خلالها بأكثر من اربع بقع كبيرة، بقعة آل دانعة وبقعة السندر والحلحلة وبطحان، ليصلا إلى المدرسة الواقعة بجوار سوق النفيعة، لذلك يلزمهما التحرك من البيت مع بزوغ خيوط الفجر، حتى يصلا إلى المدرسة في الوقت المناسب.

 ولكن لم يمضي بضعة اشهر حتى انتقلت الاسرة إلى بيتها الجديد في بقعة السندر، ليختصر لهما اكثر من ثلثي المسافة، مما خفف عنهما وطأة بعد الطريق المنهك، واقبل على دراسته بكل همة وارتياح، ينال النجاح والتفوق عاما بعد عام، إلى أن نجح فيها من الصف الرابع الابتدائي، لينتقل لإكمال دراسته في المعهد العلمي، حيث قبل في الصف الاول التمهيدي، الذي يعادل الصف الخامس الابتدائي، وكانت مرحلة التمهيدي مرحلة تسبق المرحلة المتوسطة في المعاهد العلمية، وقد واصل نجاحه واكمل دراسة في سنتيه الاولى والثانية، وهما يعادلان الصف الخامس والسادس الابتدائي.

  بعد نجاحه من التمهيدي، أبدا لوالده رغبته في الاتجاه للدراسة خارج المعهد العلمي، لميوله إلى المواد العلمية والرياضيات، اكثر من مواد المعهد العلمي الشرعية، فلم يعارضه ما دامت تلك رغبته، بل شجعه ليلتحق بالمتوسطة الاولى بفيفاء، واقبل فيها على دراسته ونجح من الصف الأول بتفوق، حتى أنه حصل على الدرجة الكاملة في مادة الرياضيات، مع انها لم تكن ضمن ما درسه في المرحلة التمهيدية، ولكنه لم يقدّر له مواصلة دراسته هنا، فمع نجاحه في نهاية هذا العام الدراسي، كانت قد صدرت الموافقة على انتداب والده للعمل خارج المملكة، في دولة الامارات العربية المتحدة، في المحكمة الشرعية بأمارة أم القيوين، فسافر اليها مصطحبا افراد اسرته معه، فكانت نقلة كبيرة لهم جميعا.

  وفي دولة الامارات لم يستطع الالتحاق بالمدارس المتوسطة فيها، لتفوقها على قدراته التأسيسية السابقة، وبالذات في مادة اللغة الانجليزية، لأنهم هنا يولون هذه اللغة اهتماما عاليا، ويبدأ تدريسها من المرحلة الابتدائية، ولخوفه من الفشل المتوقع، مما قد يفضي بالتأثير السلبي على مواصلة تعليمه، قرر الالتحاق بالمعهد العلمي، التابع لجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، القائم حينها في أمارة رأس الخيمة، ولأن دراسته فيه هي امتداد لما سبق له في المرحلة التمهيدية، وتم قبوله فيه مما اضطره للابتعاد عن اهله، ليستقر وحيدا قرب المعهد، في امارة رأس الخيمة التي تبعد عن اهله في امارة أم القيوين بحوالي خمسين كم.

  كان يتوفر في المعهد سكن خاص بالطلاب، يمكث فيه طوال ايام الدراسة الاسبوعية، ولا يعود إلى أهله إلا في نهاية الاسبوع، وسرعان ما تأقلم مع هذا الوضع، ومع هذه الحياة المختلفة، وألف الابتعاد عن اهله وانسجم مع دراسته، ومع الوقت تعايش مع جو الدراسة إلى أن أحبه، وارتاحت نفسه في السكن وفي محيطه الايجابي، لتوفر كثير من المزايا التي تعين الطالب على التحصيل، من متطلبات الراحة والترفيه والالعاب الرياضية، فانشغل بدراسته وانخراطه في كثير من الانشطة والهوايات الجميلة، فكان يمضي بها اليوم والاسبوع دون ملل، رغم انه اصبح المسؤول الوحيد عن نفسه في كل اموره، رغم صغر سنه، وفيما بعد اصبح مسؤولا عن اخيه الاصغر، الذي انظم اليه طالبا في المعهد في السنوات التالية، فكان يقوم على متابعته والاهتمام بدراسته وكل اموره، لذلك اكتسب بسببها الثقة الحقيقية بنفسه، والخبرة والاحساس بالمسؤولية، وسرعان ما انقضت به السنين، ومضت مدة انتداب والده المحددة بأربع سنوات، فكان لزاما عليهم العودة إلى المملكة، وهنا اختار والده الاستقرار في مكة المكرمة، ليكون قريبا من اخيه فضيلة الشيخ علي بن قاسم رحمه الله، عندما كان حينها قاضي تمييز فيها.

  باشر والده العمل في مكة المكرمة، وانتقل هو إلى المعهد العلمي فيها، واكمل دراسته في الصف الثالث الثانوي، وما اسرع ما مضى به ذلك العام وهو في راحة تامة، لأنه عاد للاستقرار بين والديه واخوانه، التي طالما افتقدها طوال سنواته الاربع الماضية، وتوّجها بحصوله في آخر العام على الشهادة الثانوية، ليتطلع بعدها بشغف إلى مواصلة دراسته الجامعية.

   كانت الفرص امامه متاحة، ومفتوحة في كل الاتجاهات، الا ان قلة الخبرة والشتات الفكري، وانعدام وضوح الرؤية كما ينبغي، جعله في حيرة في اختيار الاتجاه المناسب، فتردد هل يتجه إلى الكليات العسكرية، أو إلى احد الجامعات، لذلك نظر في محيط توجه اسرته، واستمع لما  يرده من اقتراحات من هنا وهناك، فاتجه للتسجيل دون تفكير في كلية الشريعة بجامعة الامام بالرياض، ومضى به الفصل الاول وجزء من الفصل الثاني، لكنه وجد ان ميوله لا تتوافق مع هذا التخصص، لذا سعى في الحال جاهدا دون تردد إلى التحويل إلى كلية اللغة العربية، مضحيا ببعض الوقت، حتى يصحح مساره بما يتوافق مع ميوله، وفيها أقبل على دراسته قابلا لكامل التحدي، مصرا على تجاوز كل ما يعترضه من الصعاب، وتغلب بالفعل على كل المعوقات، وتجاوز كل العقبات، ومضت به الايام من حسن إلى أحسن، وما اسرع مرورها وانقضائها، بحلوها ومرها، إلى أن حقق النجاح الذي ينشده، في نهاية العام الجامعي 1415هـ، ليحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية، بمعدل ارضاه عن نفسه.

  وفيما بعد وقد انغمس في حياته العملية معلما، سعى إلى تطوير ذاته وقدراته في بعض المجالات الضرورية، التي تعينه على اداء ما اوكل إليه من اعمال وظيفية، فالتحق اثناء عمله الوظيفي الذي استمر أكثر من ثلاث وعشرين سنة، بعدد لا باس به من الدورات والبرامج التدريبة والتنشيطية، وشارك في كثير من الندوات والمحاضرات، مما يتعلق بمهامه الوظيفية والتربوية، ومن ابرز تلك الدورات والبرامج ما يلي:

1.   دورة في الادارة المدرسية، لفصل دراسي كامل، في كلية التربية بجامعة أم القرى، حصل فيها على الدبلوم بتقدير امتياز، وكان الأول فيها على دفعته.

2.   حصل على دبلوم حاسب آلي تطبيقي، لمدة فصل دراسي كامل، بتقدير ممتاز.

3.   دورة تنشيطية في التخطيط الاستراتيجي، لمدة اسبوع.

4.   دورة تعريفية في مجال التقويم الشامل، لمدة اسبوع.

5.   دورات تنشيطية متفرقة في طرق التدريس الحديثة، والتعليم الالكتروني، وفنون الإدارة الحديثة.

العمل الوظيفي:

صدر قرار تعيينه بعد تخرجه مباشرة، معلما في المنطقة الشرقية، مع بداية العام الدراسي 1415/1416هـ، وتم توجيهه إلى متوسطة الامين في مدينة الدمام، وباشر في هذه المدرسة، واجتاز بحمد الله البدايات الصعبة في هذه المهنة العظيمة، حيث وفقه الله بأن هيء له فيها مجموعة من الزملاء الافاضل، اعانوه واخذوا بيده إلى سبل التطوير والترقي، واستفاد منهم كثيرا في تأسيس منهجيه له قوية وسليمة، حتى وجد نفسه فعلا في هذا المجال الحيوي المهم، وسرعان ما تأقلم مع العمل في هذه الاجواء الايجابية، فلا يكاد يفارق المدرسة في غالب اوقاته، ملازما لها ويسعى بكل رغبة إلى تنفيذ كثير من المناشط الرياضية والمسرحية للطلاب، ولم يشعر إلا والعام ينقضي من بين يديه سريعا، وما زال في اوج نشاطه وكامل راحته النفسية، ولكن رغبة منه في أن يكون مع والديه واسرته في مكة المكرمة، فقد سعى إلى تحقيق ذلك.

صدر في عام 1416هـ قرار نقلة للعمل في منطقة مكة المكرمة التعليمية، وتم توجيهه فيها إلى ثانوية بحرة، خارج مدينة مكة على طريق جدة، حيث كان يلزمه قطع مسافة طويلة تتجاوز الستين كم ذهابا ومثلها ايابا، وهذا كان اكثر ما يعانيه فيها، اضافة إلى اعداد الطلاب الكبير فيها، ولكنه في المقابل خفف عنه ما تتميز به ادارة هذه المدرسة، المتمثل في حسن تعامل مديرها، الاستاذ الشيخ زويد السلمي (رحمه الله)، ثم تعاون وتكاتف بقية الزملاء المعلمين، ومنهم كنموذج الاستاذ الشيخ ماهر المعيقلي حفظه الله، امام الحرم المكي الشريف فيما بعد، وقد امضى فيها عاما دراسيا كاملا، ثم انتقل منها في العام التالي إلى ثانوية الملك عبدالعزيز بداخل مدينة مكة، وتعتبر اول ثانوية تأسست في المملكة، كانت تسمى قديما مدرسة البعثات، حيث يهيئ فيها الطلاب للابتعاث للدراسة في الخارج، بل هي تعد جامعة بحد ذاتها، يزيد طلابها عن الف طالب، وتميزت في إدارتها القوية المتمكنة، بقيادة الاستاذ القدير والاداري الناجح حينها سليمان القطان، ومضت به السنين فيها جميلة سريعة، عاش في رحابها ست سنوات ماتعة، واحساسا متزايدا بالتميز، وشعورا فيها بانه كالأستاذ الجامعي وليس معلما، وفي هذه المدرسة أتيحت لي فرص كثيرة، منها ترشيحه للإشراف التربوي وهو في سنته الاولى، ولكنه لم يحرص عليها رغبة في استمرارها معلما، ورشح ايضا للابتعاث إلى الخارج، ولكن ظروفه الخاصة حينها لم تكن مواتية، وبعد حين كلف فيها بالعمل الاداري، وبعدها صدر قرار تأسيس ثانوية طيبة، خلال الفصل الدراسي الثاني من عام1421هـ بفصل واحد، وجعلت ملحقة بمتوسطة هوازن، فكلف بالعمل وكيلا للمتوسطة والثانوية، وإن كان المسمى وكيلا، إلا أنه كان هو المسؤول الحقيقي عن ادارتها، وبقي فيها لأربع سنوات، تخرجت خلالها الدفعة الاولى من الثانوية، وكلف خلال هذه الفترة بالعضوية في التقويم الشامل للمدارس، واستمر عضوا فيه لمدة ثلاث سنوات، اكسبته كثيرا من المهارات الادارية، وتعرف منها على معظم المشاكل الادارية، وعلى طرق التعامل الصحيحة معها، وبالذات وقد عمل مع فريق مميز من قيادات المدارس بمكة، من ضمنهم مديره السابق في ثانوية الملك عبدالعزيز الاستاذ سليمان القطان.

   انتقل بعدها في عام 1424هـ قائدا لمدرسة الإمام الذهبي المتوسطة، التي تعتبر أول مدرسة مسائية على مستوى المملكة، امضى فيها مدة اربع سنوات، يقيّمها بأنها من اصعب السنوات الادارية التي مرت به، ولكنه استفاد من هذه التجربة القوية، بصقلها لخبراته المتعددة، وكانت الصعوبة تكمن في شح الكوادر الادارية، اضافة الى أن هذه المدرسة اعتبرت سابقا منفى للمعلمين، فمن كان عنده خلل، او مشاكل وعدم انضباط في الدوام الصباحي، كانوا يحولونه الى هذه المدرسة تخلصا منه، لذلك عان فيها كثيرا على مدى الأربع سنوات، هي مدة عمله فيها، وقد حاول استصلاح من قدر، واوصي بنقل من يستحق النقل منهم.

  كان في هذه الاثناء يمارس شيئا من النشاط التجاري الخفيف، في خارج اوقات عمله الرسمي، كمعظم ابناء مكة في المواسم الكبيرة، الحج ورمضان المبارك، لذلك سعى إلى الانتقال إلى مدرسة اقل كثافة في طلابها، واخف في المسؤوليات والمشاكل، وبعد استشارات ومقارنات، وقع اختياره على مدرسة عمار بن ياسر الابتدائية، لاعتقاده أن المرحلة الابتدائية اسهل من غيرها، ولكنه عندما خاض التجربة فيها عام 1430هـ، تبين له خطأ النظرية، وإن عظم المسؤولية فيها اكبر من المراحل الاعلى، لكون منسوبي هذه المدارس اقل تأهيلا من غيرهم، والطلاب فيها يحتاجون إلى زيادة عناية بهم، وهم في دور التأسيس، وكان لا بد له من ان يعمل فيها بما يفيد الطلاب، ولهذا وضع منهجا مغايرا لما كان يسير عليه سابقا، واستفاد كثيرا من خبراته التراكمية، وبالذات اثناء عمله في التقويم الشامل، الذي اعطاه تصورا كاملا عن مدارس مكة ومنسوبيها، واعطاه خصوصية لدى الادارات في التعليم بمكة، مما ساعده على تنفيذ ما خطط له، حيث عمل على تصفية المدرسة، وانتقاء المعلمين المميزين، وخاصة في الصفوف الاولى، وبالفعل لم تمر سنتان الا وقد ظهرت نتائج ما قام به، حتى اصبح التنسيق كاملا بين مشرفي الصفوف الأولية والمدارس الابتدائية، في اختيار الانسب للتدريس في هذه المرحلة، وهذا ما تم تعميمه بعد ذلك على جميع المدارس الابتدائية، وساعده كثيرا ما مرت به مكة بسبب حركة (الهدد)، وهو الهدم الذي جرى لقيام مشاريع التوسعة في الحرم ومحيطه، حيث اصبح هناك فائض كبير من المعلمين، وخاصة في المرحلة الابتدائية، واتاح الفرصة لقيادات المدارس في الانتقاء والاختيار من هولاء المعلمين، واستفاد هو لكون مدرسته من ضمن هذه المدارس، وتم نقله عام 1434هـ إلى مدرسة سعد بن الربيع الابتدائية، ولكن لم يمضي عام حتى دخلت هذه المدرسة ضمن المدارس التي طالها الهدد، فانتقل إلى مدرسة زيد بن ثابت الابتدائية، وكانت اخر محطاته في العمل الوظيفي، طبق فيها كامل خلاصة تجاربه وخبراته الادارية، واستطاع بفضل الله أن يجعلها مدرسة نموذجية بكل المقاييس، وساعده كثيرا في تحقق ذلك حركة دمج المدارس، حيث استطاع استقطب كثيرا من خيرة الزملاء المعلمين، وخاصة من المدارس التي كانت تحت ادارته من قبل، والتي شملها مشروع التوسعة الجديدة، واكتسب بفضل الله وتوفيقه سمعة طيبة، وثقة كبيرة من المسؤولين على مستوى التعليم بمكة، مما جعلهم يستعينون بخبراته في النهوض بالمدارس المتدنية، حيث تم تكليفه خلال الفصل الدراسي الاول من عام 1437هـ، بقيادة مدرسة العباس بن عبدالمطلب لوجود خلل اداري فيها، وانتهت مهمته فيها بنجاح، وكلف في الفصل الثاني بقيادة مدرسة عثمان بن طلحة المتوسطة لذات السبب، رغم أن مدرسته السابقة زيد بن ثابت كانت شاغرة اداريا، فعاد اليها بعد انتهاء مهمته في هاتين المدرستين، وبقي فيها إلي تقاعده المبكر، الذي سعى إليه في نهاية عام 1439هـ، وكان قد امضى في مجال التربية والتعليم اكثر من ثلاث وعشرين سنة.

عمله في التجارة وترقيه في مجالاتها:  

يقول عن هذه التجربة: الحياة في مكة ليست كغيرها من المدن، اضافة إلى فضلها وقدسيتها، فهي ارض مباركة، تتنوع فيها مصادر الرزق، فمنذ أن استقر عمله وسكنه فيها، رأى زملائه والمحيطين به يفرغون أنفسهم في المواسم (رمضان والحج)، للاستفادة المادية بالعمل في مؤسسات الطوافة، التي تعني بخدمة الحجاج والمعتمرين، وتعرّف من خلالها على ميزات ما يجنونه من فوائد مادية مجزية، وانضم إليهم بعد أن عرضوا عليه ذلك، وابتدأ العمل معهم كتجربة في بعض الاعمال الميدانية، ومع أنها كانت تجربة شاقة ومتعبة كثيرا، ولكنها في نفس الوقت اكسبته الثقة والخبرة النافعة، مع المردود المادي الطيب.

   وبعد انغماسه في هذا المجال، وتعرفه على كثير من اسراره وزواياه، لا حظ ان المجالات المكتبية والادارية هي الافضل والانسب له، لذلك عمل على افتتاح مكتب عقاري، وجعله على احد الشوارع العامة، وركز في عمله فيه على تأجير العمائر للحجاج، وتخصص فيه واهمل بقية المناشط الاخرى، وبنى له خلال تلك السنوات كثيرا من الخبرات والعلاقات العامة والمعارف، ونصحه بعض رجال الاعمال من معارفه، عندما رأى حجم علاقاته الواسعة، بأن يتخذ له مكتبا في احدى العمائر التجارية، لترتفع بذلك مكانة المكتب بأهمية الموقع، وبالفعل اخذ برأيه واستأجر شقة من ثلاث غرف بمنافعها، في مركز مكة الدولي للأعمال، مصرا على خوض هذه التجربة، رغم احساسه في البداية بارتفاع قيمة الايجار، وقد جعل منها مكتبا خاصا، ومكتبا اداريا، ومجلسا للضيافة، فاكتشف من السنة الاولى الميزات التي جناها بهذه النقلة، حيث قام خلال موسم الحج، بتأجير هذه الشقة بعد أن اخلائها من الاثاث، بأجرة تعادل ثلثي اجرتها في كامل السنة، ولذلك اصبحت تكلفة اجرتها اقل بكثير من مكتبه السابق، وتفتحت هنا عينيه على كثير من الفرص المتعددة المتاحة، فدخل في عدة تجارب جديدة، فشل في بعضها ولكنه نجح في اخرى، بعد أن سبر السوق وعرف اساليبه وطرقه، فاختط له طريقا سالكا ومضمونا فيه، وطور قدراته وخبراته في اكثر من مجال، وتوسع فيه وسارت به الامور من حسن إلى احسن، ومع اتساع نشاطاته وخوفه من أن تأثر سلبا على اداء عمله الوظيفي، أو قد يعرقله عمله الوظيفي عن ممارسة أعماله الحرة كما ينبغي، لذلك اتخذ قراره الجريء بالاستقالة المبكرة من العمل، والتفرغ التام لأعماله التجارية الناجحة، وكانت خطوة موفقة ومباركة.

  وهو ينصح من خلال تجربته الشخصية، كل الطموحين بقوله: أن العمل الحر، وبالذات في مكة المكرمة، كنز يجهله كثير من الشباب، إن اخلصت له واجتهدت فيه، وبالذات في الأعمال الفندقية التي تخصص فيها، ونجح فيها نجاحا لا باس به ارضى طموحاته، وتجربته ابتدأها متدرجا في تشغيل غرف محدودة في (برج الجوار) في جياد، ثم توسع على مدى السنوات التالية، إلى أن استطاع التوسع في كامل البرج، ثم في بعض الابراج الاخرى، وهذا مجال واسع ومبارك يستوعب الجميع، وفيه خدمة كبيرة لضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين، لا يحتاج إلا إلى الجهد والصبر وصدق التعامل، وفقه الله وبارك فيه، ورزقه الرزق الطيب الحلال.

  وله انشطة وهوايات اخرى متعددة منها :

اولا – الفروسية التي استهوته كثيرا ، واحب الخيل وفتن بجمالها، ولذلك قام بالاشتراك في نادي الفروسية بمكة، ومارس من خلاله هوايته فيها بكل شغف، لأكثر من عامين، ارضى طموحاته واشبع فيها حاجته، واكتسب كثيرا من المهارات في ركوب الخيل، وكثير مما يتعلق به.

ثانيا – الصحافة: بما أن تخصصه لغة عربية، وقد درس فيها بعض جوانب الاعلام، واستهواه منها الصحافة، وكم تمنى أن تتاح له فرصة العمل فيها، لذلك ما إن تهيأت له الفرصة المناسبة إلا وسعى إلى استغلالها، وكانت بداياته التعاون في التصحيح اللغوي في بعض الصحف، ومنها جريدة عكاظ والمدينة والندوة، ولما تعين الاستاذ عبدالرحمن العرابي، رئيسا لتحرير جريدة الندوة، رشحه له الاستاذ علي بالقرون الزهراني،  ليعمل معه مسؤولا في التصحيح اللغوي، وفي الاشراف على القسم الثقافي، وكانت تجربة ناجحة استفاد منها كثيرا، وحقق فيها كثيرا من احلامه وامنياته، ومن خلالها بنى كثيرا من العلاقات الاجتماعية والمعرفية.

ثالثا – الشعر: استهواه الشعر وانجذب اليه، وكان يميل إليه ويتلذذ بسماعه وقراءته، وكان من احب مواد  دراسته وتخصصه في الجامعة، وبالذات مع وجود اساتذته في الجامعة من ارباب الشعر والادب، أمثال الدكتور الشاعر عبدالرحمن العشماوي، في مادة الادب والشعر، والدكتور عبدالله العريني في النقد والبلاغة، فكان يستمتع من خلالهما بما يسمعه من شعر، وكم حاول النظم فيه والخوض في غماره، وكتب فيه بنوعيه الفصيح والعامي، وإن كانت كتابات محدودة وفي مناسبات خاصة، لا ترتقي إلى ما يؤمل ويتمنى، ولكنها تجارب من باب التحدي مع النفس، ومعرفة حجم امكانياته وقدراته، دون أن يتخذها منهجا وطريقا يستمر عليه، واغلبها كتابات عبارة عن مناوشات وردود مع بعض الشعراء، ولا تتجاوز في غالبها ابيات محدودة، وليست قصائد مطولة، يحتفظ بالكثير منه، ويرجع إليه بشيء من المتعة.

رابعا: – السفر: عشق السفر والتعرف على ثقافات المجتمعات الاخرى، وينقسم لديه السفر إلى قسمين، جانب عملي وجانب ترفيهي، فالعملي كان بحكم طبيعة عمله في التجارة، وارتباطه بالفندقة في مكة المكرمة، في خدمة ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين، فكثير من الدول الاسلامية تقيم معارض سنوية بعد الحج، ومعظمها في شهر محرم، فيحرص اهل المهنة في المشاركة في هذه المعارض، للتسويق لأنفسهم وفنادقهم وخدماتهم،  ثم للتعرف على الشركات العاملة في هذا الجانب، وقد حضر عدة معارض في تركيا والجزائر وإندونيسيا وايطاليا، باعتبار أن هذه الدول هي المستهدفة لديه في التسويق، وبنى له من خلالها رصيدا كبيرا من العلاقات في هذه الدول، وخاصة جمهورية الجزائر في الحج، حتى اصبح فندقهم مخصص للبعثات الدبلوماسية المرافقة لحجاج الجزائر، وفي العمرة كانت للمعتمرين الإندونيسيين، وتربطه علاقات متميزة مع معظم الشركات فيها، وأما في جانب الرحلات السياحية فمعظمها يكون في العطل المدرسية، يصحب فيها اهله وابنائه، حيث زار معظم دول الخليج العربي، واليمن ومصر والجزائر والمغرب والاردن وسوريا ولبنان، ودول شرق وغرب اسيا، إندونيسيا وماليزيا وجزر المالديف وجزيرة ميرشوس وهونج كونج، ودول أوربا وامريكا، وتركيا وايطاليا والمانيا والنمسا وسويسرا والنرويج وكندا.

الحالة الاجتماعية:

متزوج من الفاضلة الاستاذة سلوى بنت علي قاسم آل طارش، ابنة عمه، التي تزوجها وهي في المرحلة الثانوية، وحصلت على البكالوريوس في التربية والاقتصاد المنزلي، تخصص سكن وادارة منزل، وحصلت على بعض الدورات في الحاسب الآلي، وفي إدارة المشروعات الصغيرة من المنزل، وهي ربة بيت فرغت نفسه لزوجها ولأولادها، ولهما اربعة اولاد، ابنان وابنتان وهم على النحو التالي:

1.   لجين  من مواليد عام 1417هـ، بكرهما واكبر الابناء، طموحة متميزة في دراستها، حصلت على البكالوريوس، تخصص اقتصاد منزلي، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، واكملت دراستها في الماجستير تخصص تعليم اكتروني، وهي على وشك الانتهاء من السنة التحضيرية.

2.   معاذ من مواليد 1420هـ، متميز ايضا في دراسته وطموح جدا، ويعتبره ذراعه الايمن في اعماله، تجده معه وقريب منه في كل اعماله، وينجز كثيرا منها نيابة عنه، التحق بالجامعة في تخصص الكيمياء، وهو على ابواب التخرج.

3.    البتول من مواليد 1423هـ، هادئة الطبع الا انها تتميز بالذكاء وحب الدراسة، وطموحها ليس له حدود، تدرس الان في نهاية المرحلة الثانوية، ومتميزة من صغرها، وتطمح ان تكون طبيبة متخصصة.

4.   وابل من مواليد 1433هـ، اخر العنقود يشبه اباه كثيرا في صغره، يدرس الصف الثالث الابتدائي بمدارس فقيه النموذجية، مسار اجنبي ومتفوق وفقه الله.

بارك الله فيهم وحفظهم ووفقهم، وبارك فيها من اسرة ناجحة قوية، ونتمنى له دوام النجاح والتوفيق، وان يبارك له في علمه وعمله وفي ذريته وماله.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

                              

                                                          الرياض في 7/7/1442هـ

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. سيرة مشرفة لرجل طموح وفقه الله وبارك في عمره وعمله ونشكر أبو جمال على الابداع المعروف به .

  2. كما عهدناه الشيخ – عبدالله بن علي قاسم آل طارش كاتب متميز في اسلوبه وسرده يجذب القارئ معه الى آخر ما يكتب بارك الله فيه وفي عمله المتميز في هذا المجال وغيره مما عرف عنه من أعمال متعددة في كثير من المجالات وبإبداع لا نظير له وفقه الله فلا يمل حديثه في مجالسه وفي كتاباته حفظه الله وزاده من فضله…

    أما صاحب هذه السيرة فهو نموذج وصورة للطموح والإبداع يقتدى به من الشباب، وإسرة آل طارش هي اسرة علم وتفوق يتمتعون بالعقل والحكمة وسمو الأخلاق أهل تواضع وحب للدين وولاة الأمر والوطن وللمجتمع القريب والبعيد فبارك الله فيهم وفي كل أبناء فيفاء وأبناء الوطن كافة وفي كل مواطن صالح يسعى لخدمة دينه وملكه ووطنه..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: