مقالات

ماذا بقي لنا من مساحة البساط؟؟

يحي يزيد سلمان الفيفي

قبل أقل من 30 عاماً كنا نحن ( المعلمين) المصدر الوحيد للمعلومة بالنسبة للطلاب ,نقرأ الكتاب ونشرحه حسب ما فهمنا وبقي في ذاكرتنا من سنوات الدراسة العامة والجامعية ,أو ما قرأنا من شروح إن كان بعضنا في مدن بها مكتبات ,وكان الطلاب يصغون لنا ويستمعون إلينا ويقتدون بنا . وكان لنا تأثير إيجابي في محيطنا السكني والطلابي والمجتمعي ,فكم من مبادئ إيجابية غرسناها وسلوكيات خاطئة عدلناها وقومناها ومشاكل قمنا بحلها والفصل فيها , فكنا وسط البساط والمتربعين عليه.

ثم جاءت المرحلة الثانية وهي انتشار المكتبات حيث شملت جميع مناطق المملكة العربية السعودية فكانت معيناً قوياً على جودة المعلومة وصحتها في وقتها ,وخصوصاً في تخصصات التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية وبعض التخصصات النظرية , وبقيت التخصصات العلمية جامدة المعلومة صعبة الفهم والمجد والمجتهد من يحفظها عن ظهر قلب ثم يسمعها للطلاب , والطالب الذي لا يفهمها لأول مرة يعيدها عليه المعلم بنفس صيغتها الأولى مرة ثانية !!!!!.

ثم جاءت الصحف الورقية والمجلات الثقافية المتخصصة وغير المتخصصة فكانت تمثل مصدراً معرفياً لبعض الموضوعات المقررة في المناهج الدراسية بالإضافة إلى التلفاز حيث كان وقتها يبث برامج تعليمية ومسابقات ثقافية, وكذلك انتشرت بعض الكتب التي تبسط وتشرح المواد العلمية ( رياضيات- كيمياء- فيزياء –أحياء – إنجليزي). وهنا سحب البساط من تحت المعلم قليلاً حيث أصبح هناك مصدر آخر ينوب عنه.

ثم جاءت المرحلة الثالثة : وهي مرحلة الإنترنت والقنوات الفضائية ( التعليمية والهادفة منها ) والجوالات بأنواعها المختلفة والمقاطع اليوتيوبية والقنوات التعليمية ,فسحب البساط تماماً من تحت المعلم كمصدر وحيد للمعرفة فجميع الدروس المقررة جاهزة على الإنترنت ومحملة على الجوالات مشروحة بأعلى جودة لآلاف المعلمين والمعلمات وبأدق تقنية تعليمية مساعدة , فالمعلم الآن يشرح درسه في الفصل أو عن بعد والطلاب إما معرضين عنه أو يسبقونه بالإجابة من أجهزتهم الذكية.

إذاً الدروس المقررة مشروحة بأصوات مختلفة واستراتيجيات متعددة ووسائل متباينة عبر الإنترنت سواء مقاطع صوتية أو مرئية أو كلاهما معاً ,فماذا بقي لنا؟؟؟!! , والإعداد الكتابي من التمهيد إلى التقويم متوفر على الإنترنت بطرق متعددة وأساليب مختلفة . فماذا بقي لنا ؟؟؟؟

والوسائل التي كنا نعدها يدوياً أو نشتريها من المكتبات يوجد أفضل منها الآن على الإنترنت مجهزة بأحدث التقنيات وأدق التفاصيل وبعضها بالأقمار الصناعية مدعمة بالإحصائيات والدراسات وفق أنماط تعلم الطلاب . فماذا بقي لنا؟؟؟.

وأسئلة الاختبارات على اختلاف أنواعها متوفرة عبر الشبكة العنكبوتية لجميع المقررات شاملة أدق التفاصيل وبأسلوب تحصيلي بديع , فما إن تصل ورقة الاختبار إلى يد الطالب إلا وكشف الموقع الذي سحبت منه تلك الأسئلة !!!! فماذا بقي لنا؟؟؟؟

والواجبات المنزلية وأسئلة النشاط محلولة على جميع المنصات والمواقع والتطبيقات التعليمية . فماذا بقي لنا ؟؟؟؟!!!

وبهذا يكون البساط قد اكتمل سحبه من تحتنا وأصبحنا المصدر الأخير للمعرفة بالنسبة للطلاب -إذا كنا نمثل مصدراً بالنسبة لهم أصلاً-

فماذا بقي لنا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

بقي لنا الإبداع والابتكار واستثمار هذه النعمة التقنية والتكنولوجية في صالح العملية التعليمية وتيسير التعليم للطلاب وأن ننتقل من مرحلة علمني إلى الاتجاه الحديث الذي ينادي بالمقولة ” لا تعلمني ولكن علمني كيف أتعلم “, وكما يقول المثل الصيني القديم “لا تطعمني كل يوم سمكة ولكن علمني كيف اصطادها “, إذاً نحن انتقلنا إلى مرحلة تتطلب منا تطوير أنفسنا حتى نكون على قدر الحدث , فنحن في مرحلة تيسير المعرفة للطلاب عن طريق إرشادهم إلى المراجع والمصادر والمواقع التي تيسر عليهم فهم دروسهم بأكثر من طريقة ,والشرح لهم والأخذ بأيديهم إلى السبل والطرق الآمنة علمياً وفكرياً للاستفادة من تطورات العصر , ولن نستطيع التيسير ومواكبة الزمن إلا بتطوير أنفسنا وتحسين مستوانا بالاطلاع وحضور الدورات التدريبية والمشاركة في منتديات ومواقع التقنية حتى يكون لنا موقع على بساط المعرفة والمهارة معاً.

إذاً بقي لنا الكثير وهذا يتطلب منا الكثير ونحن على قدر المسئولية بإذن الله.

( وبكل تأكيد هذا لا يعني التقليل من قيمة المعلم , وليست دعوة للاستغناء عنه أو تهميش دوره فهو أس التعليم وأساسه وبجهوده يحصل العلم وتنال الشهادات وتتخرج على يديه جميع فئات المجتمع فلا غنى عنه وإنما المقصود التذكير بأن تلك مرحلة قد انتهت وحان وقت الانتقال إلى المرحلة التي يتطلبها تطور التعليم في بلادنا, فله منا كل تقدير وإجلال. )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى