مقالات

هلا تركتموه

أتى ماعز إلى رسول الله فقال إني زنيت، فأعرض عنه النبي، فعاد حتى قالها أربع مرّات فأمر به أن يُرجم فلما وجد مس الحجارة هرب فلقيه ابن أنيس فنزع بوظيف بعير فرماه فقتله ثم أتى النبي فذكر له ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: ” هلا تركتموه لعلّه يتوب، فيتوب الله عليه “. وهذا قول لنبي الرحمة في جريمة هي من أعظم الجرائم وأشدهـا خطراً على المجتمع وقد أجمع الفقهاء على أن السنّة القولية هي أقوى من السنّة الفعلية وأنه إذا تعارض النص القولي مع فعل النبي فإنه يُؤخذ بالنص القولي، وما يدور هذه الأيام في المجتمع من مطاردة رجال الحسبة لبعض الأشخاص من مدينة إلى أخرى كما حدث في جدة من ضبط فتاتين وشاب في خلوة غير شرعية عند أحد الأسواق انتهت بهروب أحدى الفتاتين في مكة وإعادة القبض عليها مرة أخرى داخل مستشفى النور، رغم أن مكان الواقعة لا يدل على أنهما كانا في خلوة. وكما حدث في الطائف من إصابة مواطن خلال مطاردة الهيئة مشتبهاً باصطحاب فتاة، في مشهد لا نراه إلاّ في الأفلام، نتج عنه إصابات للأفراد والمعدات بعد أن أقفلت سيارات الهيئة الطريق وكما حدث في جيزان من اعتراض مواطن وزوجته على دائري صامطة. إضافة إلى مطاردة الهيئة لفتاة صبيا ودهسها واحتراق شاب وفتاة أثر مطاردة الهيئة لهما كما ذُكر في الصحف وأن السائق تفحمت جثته ولم يبق منه سوى العظام في ما وصلت الفتاة بنصف جسد محروق ورأس مفصول. ما يقوم به بعض رجال الحسبة من مطاردة لعباد الله. والتعرّض لهم بدعوى الخلوة والتي لا تتحقّق في الأسواق والشوارع وعلى مرأى ومسمع من الناس قد وضّحها الشرع وبيّنها حتى لا يكون لأحد حجّة في تعريض أرواح الآخرين ودمائهم وأعراضهم وأملاكهم للهلاك، وهل الخلوة أشد وقعاً وأكثر جسامة من جريمة الزنا والتي قال نبي الرحمة لقاتل ماعز عندما هرب هلا تركتموه. ولو أن هؤلاء يتبعون الهدي النبوي ويكفّون عن مطاردة الناس في الشوارع فلربما يكون هذا حافزاً للعاصي أن يتوب ويعود إلى الله ويقول في نفسه لقد ستر الله علي هذه المرة ولن أعود لمثلها أبداً.
يقول نبي الرحمة لا تعيّروا المجرم حتى لا يكون بعيداً عن الناس ولا تعينوا عليه الشيطان “، وقد اتفق الفقهاء على جواز العفو قبل الترافع لأن العفو يستر الجريمة والعقاب يعلنها وإعلان العقاب إعلان لها وإعلان الجريمة يكون فيه تحريض عليها لأن التسامح مع الجاني قد يؤدّي إلى توبته وتأليف نفسه مع المجتمع وقد لا يعود إليها أبداً ويرتدع ويصلح من أمر نفسه بينما الفضيحة تزيد من عتوه ونفوره وتدفعه إلى التبجح والعناد والتعوّد على الإجرام والانتقام، لقد صرّح رئيس الهيئة ان المطاردة ممنوعة بشتى طرقها من جميع رجال الهيئة في السعودية ولا نقر لأي عضو من أعضاء الهيئة بمطاردة أي مجرم مهما كان جرمه ويُكتفى بأخذ معلومات عنه ويُترك ويُؤتى به بالطرق النظامية. وهذا التصريح يتنافى جملة وتفصيلاً مع ما يحدث من بعض رجال الحسبة مع سبق الأصرار والترصد رغم تعليمات رئيس الهيئة لهم، وكأنه وقر في أنفسهم أن لا عقوبة عليهم مهما عظمت أخطاؤهم. بل إنهم غير ملتزمين بتعليماته. مضيفاً أن مبدأ الستر في غالبية القضايا قائم، وقد تم فضح فتاة القصيم وفتاة الرياض وأكاديمي مكة وغيرهم، فأين الستر في جرائم هي محل شبهات وليست مكان تأكيد واعتراف؟ ولعل في قوله صلى الله عليه وسلم لمن حرّض ماعز على الاعتراف بالزنا لو سترته لكان خير لك، في جريمة تهتز لها السموات والأرض لدليل على أن الستر مطلوب. لقد تجاوزت الحسبة مفهومها الإسلامي وانحرفت عن معاني الستر وتقديم النصح بالرفق واللين ولأول مرة في تاريخ الإسلام المشرق يكون للحسبة قتلى وجرحى ومطاردات وقضايا بلغت 438 ألف قضية في عام واحد ما بين مسجون ومجلود ومقتول.

في اختتام فعاليات خير أمة يقول الأمير سلمان الأمر بالمعروف لإصلاح النفس والمجتمع بالرفق والترغيب.
[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى