مقالات

إلاّ الصوم

د.عبد الله بن أحمد آل علاف الغامدي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله ربِّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، القائل في محكم التنزيل :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) سورةالبقرة.

والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم أجمعين ، القائل :
مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه. متَّفق عليه.

وبعد :
فالصِّيامُ مِن أَحَبِّ العباداتِ إلى اللهِ، وأَجَلِّ القُرُباتِ الَّتي يتقرَّبُ بها العبدُ لِرَبِّهِ عزَّ وجلَّ؛ ولذلك فإنَّ أجرَهُ كبيرٌ، وفَضلَهُ عظيمٌ.
ففي الحديث النبوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعمِئَة ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وَأَنَا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. رواه مسلم

ففي هذا الحَديثِ يقولُ أبو هُرَيْرَةَ رضِي اللهُ عنه: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: “كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ”، أي: كُلُّ شيءٍ يعمَلُهُ الإنسانُ المسلِمُ مِن وُجوهِ الخيرِ والبِرِّ والطَّاعةِ، “يُضاعَفُ”، أي: تكون الحسنةُ فيهِ بعشَرةِ أمثالِها إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعْفٍ، ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلَّا الصَّومَ؛ فإنَّه لي”، أي: إنَّ الصَّومَ مُستثنًى مِن هذه الأعمالِ الَّتي تتضاعَفُ فيها الحَسَناتُ، بل ثوابُ الصَّومِ لا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إلَّا اللهُ تعالى؛ ذلك لِأَنَّ الصَّومَ سِرٌّ بَيْنَ العبدِ ورَبِّهِ، “وأنا أَجزي به”، أي: إنَّ ثوابَه لا يَعلمُه العبدُ؛ فاللهُ هو الَّذي يَتولَّى ذلك الأجرَ والثَّوابَ، وهذا يدُلُّ على عِظَمِ هذا الثَّوابِ وذلك الأجرِ؛ ذلك أنَّ العبدَ الصائمَ “يَدَعُ”، أي: يترُكُ، “شَهوتَه وطعامَه”، أي: ما تَشتهيه نَفْسُه مِنْ مَلذَّاتِ الطَّعامِ والشَّرابِ والجِماعِ، وذلك يكونُ “مِنْ أَجْلي”، أي: يترُكُ كُلَّ ذلك طاعةً لي، وطَمَعًا في نَيْلِ محبَّتي ورِضاي، “لِلصَّائِمِ فَرْحَتانِ”، أي: إنَّ الصَّائِمَ يفرَحُ مرَّتينِ، “فَرْحَةٌ عِند فِطْرِهِ”، وهذه هي الفرحةُ الأولى للصَّائمِ، عِند انتهاءِ صومِهِ وإفطارِهِ، وإتمامِهِ العِبادةَ راجيًا مِنَ اللهِ الثَّوابَ والفضلَ، “وَفَرْحَةٌ عِند لِقاءِ رَبِّهِ”، أي: والفرحةُ الثَّانيةُ تكونُ عِند مَوْتِهِ، حيث يَنالُ الأجرَ والثَّوابَ، “وَلَخُلوفُ فِيهِ”، والخُلوفُ هو ما يُخَلَّفُ بَعْدَ الطَّعامِ في فَمِ الصَّائِمِ مِنْ رائِحَةٍ كَريهَةٍ بِخِلافِ الْمُعْتادِ، وهذه الرَّائحةُ “أَطْيَبُ”، أي: أفضلُ عندَ اللهِ، “مِن رِيحِ المِسكِ”، أي: مِن رائحةِ المسكِ، وقدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِ الخُلوفِ أطيبَ عِند اللهِ من رِيحِ المِسكِ، على أنَّ المعنى أنَّه أطيبُ عِند اللهِ من رِيحِ المِسكِ عِندكم، أو أنَّ اللهَ تعالى يَجزيه في الآخرةِ حتَّى تكونَ رائحتُهُ أطيبَ من رِيحِ المِسكِ، أو أنَّ صاحِبَ الخُلوفِ يَنالُ مِنَ الثَّوابِ ما هو أفضلُ من رِيحِ المسكِ، أو أنَّ الخُلوفَ أكثرُ ثوابًا مِنَ المِسكِ حيث نُدِبَ إليه في الجُمَعِ والأعيادِ، أو أنَّ الملائكةَ يَسْتَطيبونَ رِيحَ الخُلوفِ أكثرَ ممَّا يَستطيبون رِيحَ المِسكِ.
وفي الحَديثِ: بيانُ أَجْرِ وفضلِ الصَّومِ.( انظر موقع الدرر السنية).

وقد وجّه هذا السؤال لشيخنا صالح الفوزان نفع الله بعلمه:
في الحديث القدسي: « كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به » أريد شرحًا لهذا الحديث ، لماذا خص الصوم بهذا التخصيص ؟ فأجاب وفقه الله بقوله :
الحمد لله : هذا حديث عظيم وثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : « كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به » [رواه الإمام البخاري في صحيحه ج2 ص226 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه] فهذا الحديث فيه فضيلة الصيام ومزيته من بين سائر الأعمال وأن الله اختصه لنفسه من بين أعمال العبد ، وقد أجاب أهل العلم عن قوله : « الصوم لي وأنا أجزي به » [رواه الإمام البخاري في صحيحه ج2 ص226 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه] بعدة أجوبة منهم من قال: أن معنى قوله تعالى: « الصوم لي وأنا أجزي به » [رواه الإمام البخاري في صحيحه ج2 ص226 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه] إن أعمال ابن آدم قد يجري فيها القصاص بينه وبين المظلومين، فالمظلومون يقتصون منه يوم القيامة بأخذ شيء من أعماله وحسناته كما في الحديث أن الرجل يأتي يوم القيامة بأعمال صالحة أمثال الجبال ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا أو أكل مال هذا ، فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته ، حتى إذا فنيت حسناته ولم يبق شيء ، فإنه يؤخذ من سيئات المظلومين وتطرح عليه ويطرح في النار [انظر صحيح الإمام مسلم ج4 ص1997 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] إلا الصيام فإنه لا يؤخذ للغرماء يوم القيامة وإنما يدخره الله عز وجل للعامل يجزيه به ويدل على هذا قوله : « كل عمل ابن آدم له كفارة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به » أي أن أعمال بني آدم يجري فيها القصاص ويأخذها الغرماء يوم القيامة إذا كان ظلمهم إلا الصيام ، فإن الله يحفظه ولا يتسلط عليه الغرماء ويكون لصاحبه عند الله عز وجل ، وقيل أن معنى قوله تعالى : « الصوم لي وأنا أجزي به » أن الصوم عمل باطني لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى فهو نية قلبية بخلاف سائر الأعمال فإنها تظهر ويراها الناس ، أما الصيام فإنه عمل سري بين العبد وبين ربه عز وجل ولهذا يقول : « الصوم لي وأنا أجزي به ، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي » وكونه ترك شهوته وطعامه من أجل الله هذا عمل باطني ونية خفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ، بخلاف الصدقة مثلًا والصلاة والحج والأعمال الظاهرة ، هذه يراها الناس أما الصيام فلا يراه أحد ؛ لأنه ليس معنى الصيام ترك الطعام والشراب فقط أو ترك المفطرات لكن مع ذلك لا بد أن يكون خالصًا لله عز وجل ، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ويكون قوله: إنه ترك… إلى آخره تفسيرًا لقوله: « الصوم لي وأنا أجزي به » . ومن العلماء من يقول أن معنى قوله تعالى: « الصوم لي وأنا أجزي به » أن الصوم لا يدخله شرك بخلاف سائر الأعمال فإن المشركين يقدمونها لمعبوداتهم كالذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة ، وكذلك الدعاء والخوف والرجاء فإن يتقرب بالصوم إلى الله عز وجل.

انتهى جواب شيخنا .

فلنغتنم جميعاً هذه العبادة ولنخلص فيها لله ربِّ العالمين ، رجاء أن نوفق للجزاء منه سبحانه وتعالى .

وكتب
عبدالله بن أحمد ال علاّف الغامدي
مكة المكرمة
عصر الجمعة ٢٧/ ٨ / ١٤٤٢ ه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى