مشائخ .. واعلام .. ذكريات

الشيخ محمد بن احمد علي الخسافي الفيفي

عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابو جمال

واسع البال، هادئ الطبع، ذكي لماح، يتعلم بسرعة، ويحسن تجديد معلوماته، تربى من صغره المبكر على التعلم والاخلاص فيه، فابدع في مجال تخصصه، واستهوته تقنيات العصر الحديث في الكمبيوتر والحاسب الآلي، فاتجه إلى تطوير قدراته فيها، إلى أن اتقنه واصبح مرجعا فيه، متحدث لبق، يحسن الانصات، ويحسن العرض، محاور متميز، وخطيب مقتدر، له اسلوب رائع في خطبه المنبرية، التي يحسن اختيار مواضيعها، ثم يبدع في عرضها، بأسلوب مركز ومختصر واف، لا يمل منه المتلقي، ويخرج منه بفائدة كبيرة، وكان لحسن اختيار موضوعاتها، واعداده لها دور كبير في هذا التميز، يقول عن هذه النقطة : (أجتهد وسعي في تلمس حاجة الجماعة، ليتعلموا أمرا من أمور دينهم، أو لأحذرهم من مخالفة شرعية، أو إذا كان هناك حدث أو مناسبة تستدعي الحديث عنها، أو غير ذلك من الموضوعات، وبعد أن أقتنع بالموضع تماما، وأرتاح له، أستعين بالله وأبدأ في جمع شتاته، معتمدا الاختصار، وعدم التكرار، فالناس يملون الإطالة، ولا ينتفعون منها، إن الخطيب لا يمكن أن يبدع في موضوع لم يقتنع به، أو يرى أهميته، أما متى رأى الحاجة ماسة لموضوع معين، وارتاحت له نفسه، وانشرح له صدره، فإنه يتحدث فيه من قلبه، وما صدر عن القلب وجد طريقه إلى قلوب الناس وعقولهم( إذا هذا هو سر قوة خطبه وجمالها، وفي انجذاب الناس إلى الاستماع إليها، توصل إليها بطول ممارسة وخبرة، واقتداء بقدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، في حديثه وخطبه وكل اقواله، فعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ طولَ صلاة الرجل، وقصر خطبته، مَئِنَّةٌ مِن فقهه»، رواه مسلم.

  فهو لا شك فقيه متمكن، متخصص في فنه، صقل كل ذلك بالاطلاع، وعمله الطويل في التعليم، وخبرته في الخطابة واعتلاء المنابر، التي تصل إلى اكثر من ربع قرن، وفقه الله واعانه ونفع به وبعلمه، وزاده علما وفضلا، ووفقه إلى كل ما يحبه سبحانه ويرضاه.

 أنه الشيخ محمد بن أحمد بن علي بن سالم آل حالية الخسافي الفيفي حفظه الله ووفقه.

والده الشيخ احمد بن علي سالم رحمه الله، كان رجل على قدر كبير من العلم والمعرفة والتقى، بذل نفسه للعلم والتعليم، طلب العلم من صغره، وهاجر مفرغا نفسه لطلبه في مدارس الشيخ القرعاوي في بيش، وقام ببذله وتعليمه لسنوات عديدة، افتتح أول مدرسة خاصة به (معلامة) في بداية شبابه في جامع الوشر، ثم فيما بعد عند عودته من بيش، كلف بالعمل معلما ومديرا في مدرسة الشيخ عبد الله القرعاوي رحمه الله في الخشعة، وكانت من اكبر وانجح مدارس الشيخ القرعاوي في فيفاء حينها، انسان حازم، قوي الشخصية، على خلق متين وقوة دين، اهتم بتربية ابنائه، وحرص على تعليمهم، حتى اصبحوا نجوما ساطعة في سماء العلم والمعرفة، رحمه الله وغفر له ورزقه برهم وصلتهم.

واما امه فهي الفاضلة فاطمة بنت محمد الحكمي حفظها الله، امرأة متعلمة، من اوائل طالبات اول مدرسة للبنات بالخشعة، التابعة لفضيلة الشيخ عبدالله القرعاوي رحمه الله، ثم قامت بالتعليم فيها فيما بعد، وقد ساعدها علمها، وممارستها التعليم في حياتها، وفي حسن تربيتها لأبنائها، ومتابعتها لهم في تعليمهم صغارا، وهي امرأة حازمة وقوية، وربة بيت فاضلة، ومربية ناجحة ومتمكنة، حفظها الله ووفقها، وبارك في عمرها، وفي ذريتها، ورزقها برهم وصلتهم.

  ولد لهذين الفاضلين في بيتهما معشم في اطراف بقعة السندر، في عصر يوم الجمعة الموافق  22/3/1387هـ، كما وجده مدونا بخط والده رحمه الله، ونشأ في هذه الأسرة المتعلمة الواعية، وقد سبقه فيها اخوة كرام، كانوا له قدوة، سار على طريقتهم، وتنكب سبل الرشاد على منهجهم، وكان لوالديه المتعلمين الأثر الكبير، والدور العظيم في تربيتهم وتعليمهم وحسن اعدادهم، ويقول عن هذا الجانب (نشأت في أسرة متعلمة، كان الوالد والوالدة متعلمين، فالوالد رحمه الله ممن درس وتخرج من مدارس الشيخ القرعاوي رحمه الله، ثم اشتغل بالتعليم فترة من حياته، وكانت الوالدة أيضا ممن درس في تلك المدارس، وختمت القرآن، وتعلمت بعض مبادئ التجويد والفقه والتوحيد، وكان لذلك أثر كبير في حياتي، كانا حريصين على تعليم أولادهما، كانت الوالدة حفظها الله خير معين لنا في صغرنا، لا تكل ولا تمل من تحفيظنا ومراجعة الدروس لنا، رغم عناء الحياة ومشاق النساء في ذلك الزمن، وكان الوالد رحمه الله يتعاهدنا بتعليمه ونصحه وتوجيهه، وتشجيعه لنا لنواصل التعلم، وكان له رحمه الله درسا في أغلب الليالي، بعد صلاة المغرب، يقرأ لنا فيه من أحد الكتب، ويشرح لنا ما لا نفهمه من عباراته، وكانت له مكتبة صغيرة، فتعلمنا منه رحمه الله الكثير، وكان لذلك أثر كبير ميزنا على أقراننا بعد التحاقنا بمدارس التعليم العام)، فهذه هي البيئة القوية التي فتح عينيه عليها، ودرج فيها وصقلت فكره وحياته، واحسنت توجيهه إلى مدارج العلم والترقي.

تعليمه:

ألحقه والده وهو صغير جدا مع اخوانه، في حلقة القرآن في جامع النفيعة، التي كان يعلم فيها الشيخ سلمان بن يحيى الداثري، فتعلم فيها واتقن حفظ كثير من قصار السور، ومما يذكره في اثناء هذه الحلقة، أن فضيلة الشيخ علي بن قاسم الفيفي، قاضي المحكمة الشرعية بفيفاء، رحمه الله، كان يصلي بهم الظهر في هذا الجامع، ثم يختصهم بعد الصلاة ببعض الدروس، عن الوضوء والصلاة وآداب المسجد، وغيرها من الدروس التطبيقية المهمة، تعلم واستفاد كثيرا من اول مدرسة التحق بها خارج البيت، وإلا فقد كان له والداه في البيت اكبر مدرسة، منذ طفولته المبكرة، لكونهما متعلمين، مارسا التعليم لفترات طويلة، لذلك كان لهما في حياة اولادهما دور كبير في التعليم والتربية (كما اشرنا لذلك سابقا)، وكانت هذه الحلقة في جامع النفيعة أول المدارس له خارج البيت، ولم تستمر طويلا، حيث كانت لفترة مؤقته في العطلة الصيفية.

ولما بلغ السابعة من عمره، مع بداية العام الدراسي 1394هـ، الحقه والده بمدرسة النفيعة الابتدائية بفيفاء، وكان مهيأ لطلب العلم، فقد اتقن القراءة والكتابة، وحفظ عددا لا باس به من سور القرآن الكريم، لذلك اقبل على دراسته بكل رغبة، وجد واجتهاد، مع متابعة لصيقة من والديه في البيت، فترقى في فصول المدرسة، ينجح عاما بعد عام، إلى أن اتم النجاح من الصف الرابع الابتدائي، في العام الدراسي 1397 ـ 1398هـ، وفي ذلك العام افتتح المعهد العلمي بفيفاء، فاتجه إلى الالتحاق به، حيث تم قبوله في المرحلة التمهيدية منه، في الصف الأول التمهيدي، الذي يعادل الصف الخامس الابتدائي، فكانت المرحلة التمهيدية في المعاهد العلمية، عبارة عن سنتين أولى وثانية، تعادلان الصف الخامس والسادس في المرحلة الابتدائية، وبعد تخرجه من هذه المرحلة، تم قبوله مباشرة في المرحلة المتوسطة في المعهد، وتدرج في فصوله بإقبال ورغبة، وجد واجتهاد ومثابرة، ينجح في نهاية كل عام لينتقل إلى الصف التالي، ومضت به السنين يتدرج صعودا فيه، فاكمل المرحلة المتوسطة، ثم اتبعها بالمرحلة الثانوية، التي تخرج منها في نهاية العام الدراسي 1406هـ، بتقدير عام ممتاز.

الدراسة الجامعية:

  بعد تخرجه من المعهد، سعى مباشرة للالتحاق بالجامعة، ولكن لم يكن لديه هدف محدد، وصورة واضحة لما يناسبه كما ينبغي، فلا يوجد حينها اهتمام كاف بالإرشاد الأكاديمي، فكان الطالب يتخرج ولا يملك معلومات كافية عن الجامعات والتخصصات، ومعظم الطلاب ينظرون لمن سبقوهم من إخوانهم ومعارفهم، فيتبعهم الواحد مقتديا بهم، دون مراعاة لاختلاف القدرات والميول الذاتية، وقد يصيب هدفه فينجح، أو يصاب بالفشل والاحباط والخيبة.

 اتجه هو إلى مدينة الرياض، رغبته العامة مواصلة دراسته الجامعية، دون تحديد جامعة أو تخصص معين، وكانت أول محاولاته الالتحاق بإحدى الكليات العسكرية، ولكنه لم يتحقق له ذلك كما يريد، فاتجه في بحث عشوائي عن التخصصات المتوفرة في جامعة الإمام، لعله يجد تخصصا متميزا، فلفت نظره منها ما يسمى بقسم علم النفس، حيث استهواه هذا القسم لغرابة اسمه، رغم جهله التام بمحتواه، وما هو مستقبله العلمي فيه، ونوعية العلوم والمواد التي تدرس فيه، ولكنه سعى على عجل إلى تثقيف نفسه عن هذا العلم، فسارع إلى البحث عن بعض الكتب التعريفية ليطلع عليها، فاعجب بما اطلع عليه منها، لكونه علم جديد عليه، ولذلك جعله خياره الاول في استمارة الالتحاق، ولكنه لم يجد اسمه ضمن المقبولين فيه، بعد اكتمال إجراءات المقابلات الشخصية، ووجد اسمه مقبولا ضمن طلاب قسم الجغرافيا في كلية العلوم الاجتماعية، ولم يرضه ذلك، وزاد اصراره على قسم علم النفس، وحاول جاهدا أن يقبل في هذا القسم دون جدوى، فطلب النقل إلى فرع الجامعة في أبها، لعل وعسى يستطيع هناك تحقيق رغبته، وفي ابها قوبل بالاعتذار عن القبول في هذا القسم، وخيروه بين البقاء في تخصصه الجغرافيا، أو الالتحاق بالتخصص في اللغة الإنجليزية، فآثر البقاء في قسم الجغرافيا، على امل أن يستطيع التحويل في نهاية الفصل الاول، أو في نهاية العام الدراسي، وفرغ نفسه للدراسة في الجغرافيا، وانتهى الفصل الاول وهو متفوق فيها بتقدير ممتاز.

  كان في هذا الفصل قد استقر سكنه مع بعض زملائه الفضلاء، من امثال الشيخ عبدالله بن حسن العمري، والشيخ حسين بن يحي العمري، وكانا يدرسان حينها في كلية الشريعة وأصول الدين، وتأثر بهما وآثر رفقتهما ومزاملتهما، لذلك قرر التحويل معهما إلى كلية الشريعة وأصول الدين، وترك ما سواها من الاقسام، وقد شجعه وساعده على استكمال هذا التحويل، الشيخ احمد بن سليمان آل طارش، وكان حينها مدير مكتب عميد كلية الشريعة وأصول الدين، فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله المصلح حفظه الله.

   وبالفعل تم تحويله إلى قسم الشريعة، في كلية الشريعة وأصول الدين، وفي هذا القسم ارتاحت نفسه، لأنه  وجد فيه ضالته التي كان ينشد، وابتدأت حياته الجامعية الحقيقية(كما يقول)، فقد عثر على القسم الذي يتوافق مع ميوله الحقيقية، ويلبي طموحاته ورغباته، فاقبل على دراسته بحب وشغف، وفي هذه الفترة استقر في السكن مع اخيه الشيخ عبد الرحمن، المعيد في جامعة الامام حينها، الذي استضافه هو واهله في بيتهم طيلة دراسته الجامعية، وكان أخوه له خير معين وعضيد في دراسته، لذلك لم يجد أي عناء ولم يشعر بغربة، مما جعله متفرغا لدراسته ومرتاحا نفسيا، لا يشغله شاغل عنها، يجد ويجتهد ويترقى في فصولها عاما بعد عام، إلى أن تخرج منها حاصلا على شهادة البكالوريوس في الشريعة، مع نهاية العام الجامعي 1411هـ.

 ولم يقف عند هذا الحد من التعلم، بل استمر في تعليم وتطوير نفسه، والرفع من امكانياته، والسعي إلى  ما يصقل قدراته ومواهبه، سواء في التعليم أو في مجالات الادارة والاشراف التربوي، وفي المجالات العلمية والفكرية والابداعية، وفي التقنيات الحديثة، بما يواكب مستجدات هذا العصر المتجدد، الذي بلغت فيه التقنيات الحديثة درجة عالية من التطور، واصبحت هي السائدة والمسيطرة في كل نواحي الحياة، وطغت على كل المجالات العامة والخاصة، العلمية والعملية، وفي كامل حياة الناس، بكل تفاصيلها ومفرداتها وزواياها، ولذلك استهواه هذا العلم فابدع فيه وتميز، واصبح فيه مرجعا يعتمد عليه، بل وأوكلت إليه لتميزه كثيرا من الاعمال والانشطة في داخل المعهد العلمي، ومن هذه الدورات والبرامج التي التحق بها واستفاد منها، ما يلي:

1.    دورة مشرفي تقنيات التعليم في المعاهد، مقرها جامعة الإمام في الرياض، ومدتها 3 أيام، في عام 1423هـ.

2.   دورة تقنيات التعليم والتدريب، مقرها معهد الإدارة العامة بالرياض، ومدتها (3 أسابيع(، في عام 1424هـ.

3.   دورة في تقنيات التعليم، نظمتها جامعة الإمام، ومدتها يومين، في عام 1428هـ.

4.   دورة إدارة محتوى المواقع الالكترونية للمعاهد العلمية، مدتها يومين.

5.   دورة الأمن الفكري جامعة الإمام .

6.   دورة مهارات التفكير العلمي وتطبيقاتها التربوية في المواقف التعليمية، جامعة الإمام.

7.   دورة عادات العقل وتطبيقاتها التربوية، جامعة الإمام.

العمل الوظيفي:

    بعد تخرجه من الجامعة لم يلبث طويلا، إلى أن تم تعيينه معلما في نفس العام، في المعاهد العلمية في جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، وتم توجيهه للعمل في معهد فيفاء العلمي، معهده الذي درس فيه وتخرج منه، وانخرط في عمله الجديد يكتشف كل يوم جانبا مهما من جوانب شخصيته، ويطور في اساليبه وفي عمله، ويمارسه بكل سعادة واقبال، فقد أدى عمله في مجال التدريس على خير وجه، ونفذ كل ما اسند إليه من مهام متعددة، فله عدد من الادوار في انشطة المعهد وفي اعماله ومهامه الحيوية، فقد قام لعدة سنوات بالعمل بكل نجاح مشرفا على الأنشطة الطلابية، ومشرفا على تقنيات التعليم، ومرشدا طلابيا، واسند إليه كثيرا من المهام الالكترونية، لتميزه وأبداعه في هذا المجال، حيث كانت له اهتمامات متزايدة بالحاسب الآلي، وله شغف كبير بالتقنيات الالكترونية عموما، وبالأخص في تقنيات التعليم، حيث حصل على عدد من الدورات في التقنيات، منها في جامعة الامام ومنها في معهد الإدارة العامة بالرياض وغيرهما، وكلف من قبل الجامعة بالعمل مسؤولا عن موقع الجامعة للانتساب المطور، ومديرا للامتحانات بالمعهد، ومسؤولا عن نظام معاهد للامتحانات، ومديرا لنظام منصة (معهدي) للتعليم الإلكتروني عن بعد، وما زال يجني النجاح تلو النجاح في كل اعماله، وها هو قد مضت به اكثر من واحد وثلاثين عاما، مرتبطا بهذا الكيان العظيم ، يعمل بكل اخلاص وتفان، ومازال امامه إذا ما امتد به العمر والصحة بضع سنوات بمشيئة الله، يعمل ويجتهد ويبذل، فقد دَرَّس خلالها دفعات متعددة من الطلاب، الذين أصبحوا اليوم أعلاما في فنون كثيرة، ويتقلدون مناصب عديدة، ولله الحمد والمنة، ونال خلال هذه الفترة عدد من شهادات الشكر والتقدير، من جامعة الامام التي يتبعها المعهد، وغيرها من المؤسسات في المنطقة وخارجها، وفقه الله وزاده فضلا وعلما.

اعماله الاجتماعية والدعوية:

  يقول : (من صغري المبكر، كنت اصحب والدي عند ذهابه لأداء صلاة الجمعة، في جامع النفيعة بفيفاء، وكان الشيخ علي بن قاسم الفيفي قاضي فيفاء حينها (رحمه الله) إماما وخطيبا لهذا الجامع، وكانت خطبة الجمعة في ذلك الزمن هي أهم وسيلة لتعلم أمور الدين، وسماع الموعظة الحسنة، فكنت أنظر لفضيلته رحمه الله كقدوة لي، تأثرت بمواعظه وأسلوبه، حيث زرع ذلك في نفسي حب الوعظ والإرشاد والخطابة، وقدر الله بعد مدة أن أقف حيث كان يقف فضيلته، فأصبحت خطيبا لجامع النفيعة بفيفاء) ولذلك حكاية وخطوات سبقتها، فكانت أول تجاربه في هذا الطريق الطويل، انطلقت بحمد الله من نفس هذا الجامع (جامع النفيعة)، فعندما كان طالب في المرحلة الثانوية، اوكل إليه امام هذا الجامع ان ينوب عنه في الصلاة بالناس في احدى الجمع، ولعله قد آناس منه القدرة والرغبة في القيام بذلك، فأتاح امامه هذه الفرصة، وشجعه على اقتحام هذا المجال، وبالفعل نجح في تنفيذها، واكتسب الجرأة والشجاعة على تكرارها، ويقول عن هذه التجربة: (يسرها الله لي حينها على ركاكتها، وعلى الحالة التي عانيتها قبلَ وأثناءَ الخطبة، ولكن كان لتشجيع والدي رحمه الله أثرٌ كبيرٌ في الاستمرار، وفي إعادة المحاولة إلى أن صار الأمر سهلا وميسورا، بكثرة الممارسة والتكرار والتعود).

  واما بعد تخرجه من الجامعة في عام 1411هـ، وقد اصبح معلم في المعهد العلمي في فيفاء، فكان يسند اليه الخطابة في جامع نيد اللمة (جامع ابن باز) محتسبا، فيخطب بهم في ايام الجمع وفي العيدين، ويصلي بهم في صلاة القيام والتراويح، ويقيم فيه درسا أسبوعيا، واستمر على ذلك إلى أن تم هدم الجامع لإعادة بنائه وتوسعته، إلى ما صار عليه اليوم.

  وتنقل هو بعد ذلك بين عدد من الجوامع كمتعاون، حيث خطب في جامع نيد الدارة، وفي جامع النفيعة، وفي جامع نيد الضالع، إلى أن شغر جامع النفيعة، بانتقال امامه وخطيبه إلى خارج فيفاء، فتم ترشيحه وتعيينه بدلا عنه، وذلك في بداية عام 1417هـ، وعمل فيه من هذا التاريخ اماما وخطيبا بصورة رسمية، ولا زال إلى اليوم يقوم بهذا العمل، وفقه الله وبارك فيه ونفع به.

  يعتبر جامع النفيعة من اقدم واكبر الجوامع في فيفاء، لموقعه المتميز بجوار سوق فيفاء الاسبوعي، وكان محيطه هو مرتكز البلدة، يوجد فيها كما اشرنا السوق، وكان فيها مركز امارة البلدة، وفيها كامل الدوائر الحكومية، المحكمة والمالية والمستوصف واول مدرسة ابتدائية، وما تلاها من المراحل الدراسية المتوسطة والثانوية، وافتتح فيها المعهد العلمي، وهيئة الامر بالمعروف، ومندوبية تعليم البنات، وعدد من مدارس تعليم البنات، ومكتب الاشراف التربوي النسائي وغيرها، فالنفيعة هي عاصمة فيفاء ومركزها الاساسي، وذلك لتميز موقعها في قلب البلد، فأخذ الجامع اهميته من كل ذلك.

   وتميز هو في عمله في هذا الجامع، بقيامه به كما ينبغي، رغم بعد سكنه عنه، وعرف بالمحافظة التامة على اداء كل الفروض، فلا يكاد يتأخر عن فرض منها إلا ما ندر لظرف قاهر، وتميز بخطبه الجميلة والكاملة، من غير تطويل ممل ولا قصر مخل، فكان يبذل جهدا كبيرا في اعدادها، وفي حسن القائها، الذي يستهوي الناس ويستجلبهم، فكثير يحرصون على صلاة الجمعة معه، لجودة خطبه ومناسبتها، وعدم الاملال فيه بكثرة التطويل، فيخرج منها المتلقي بفائدة كبيرة، ولا شك قد توصل إلى هذا الاسلوب بعد خبرات طويلة، وتجارب متعددة، ويبدأ ذلك من حسن اعداده لها، بعد اختيار موضوعها المناسب، فيتعب نفسه في البحث عن الموضوع الذي يهم الناس، والذي يحتاجون للحديث فيه، ويلخص هذه النقطة فيقول : (أختارُ الموضوعات بعناية، بحيث أجتهد واسعى في تلمس حاجة الجماعة، لكي يتعلموا أمرا من أمور دينهم، أو لأحذرهم من مخالفة شرعية، أو إذا ما كان هناك حدث أو مناسبة تستدعي الحديث عنها، أو غير ذلك من الموضوعات، وبعد أن أقتنع بالموضع تماما، وأرتاح له كل الارتياح، أستعين بالله لأبدأ في جمع شتاته، معتمدا الاختصار وعدم التكرار، فالناس يملون الإطالة، ولا ينتفعون منها)، وأشير هنا إلى نقطة أراها في غاية الأهمية، وهي أن الخطيب والمتحدث والكاتب، لا يمكن أن يبدع في موضوع لم يقتنع به، أو يرى أهميته، أما متى رأى الحاجة ماسة لموضوع معين، وارتاحت له نفسه، وانشرح له صدره، فإنه يتحدث فيه من قلبه، وما صدر عن القلب وجد طريقه إلى قلوب الناس وعقولهم، وفقه الله واعانه ونفع به.  

    ويقول عن هذا الجانب المهم، إن من الأعمال التي أعتز بها، وأفرح بعاقبتها بإذن الله تعالى، بعد عملي في التعليم، هو العملُ في الدعوة والخطابة، ويكفي أن الله تعالى قال : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)، فلا أحدَ أحسنُ قولا، ولا أفضلُ عملا، ولا أكرم سعيًا، ممن دعا إلى الله واقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم، واهتدى بهداه، فصار وريثا من ورثة الأنبياء، واعتلاء المنبر لا شك له رهبة عظيمة، فمهما وقف المعلم أمام طلابه، أو أمام زملائه، أو تحدث في اللقاءات العامة، إلا أن منبر الجامع يبقى شيئا آخر، فالمنبر يبث فيمن يعتليه الرهبة، وفي الجالسين أمامه المهابة.

    وقد شارك في العديد من الأنشطة الدعوية، داخل فيفاء وخارجها، حيث كان يخرج في صحبة عدد من المشايخ، إلى مخيمات دعوية تستمر أياما، بتكليف وإشراف من أمارة منطقة جازان، وقد نفع الله بتلك المخيمات ولاقت قبولا وإقبالا من الناس ، كما كان عضوا في المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بفيفاء، عند تأسيسه، وقد نفع الله به وبالقائمين عليه نفعا عظيما.

الحالة الاجتماعية:

زوجته هي الفاضلة مريم بنت حسن جابر الابياتي حفظها الله، وهي ربة بيت ناجحة، ومربية متميزة، وقد رزقا بستة اولاد، ثلاثة ابناء (اسامة وعبداللطيف وأمين) وثلاث بنات (أمينة وميمونة واماني) حفظهم الله وبارك فيهم ونفع بهم.

  وحفظه الله، وبارك فيه وفي ذريته، وفي علمه وعمله، ووفقه إلى كل خير وفلاح، وكثر في مجتمعاتنا من امثاله ، وزاده الله فضلا وعلما وتوفيقا.

                   والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

                              

                                            الرياض في 6/9/1442هـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى