مقالات

الهايكنج

عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابو جمال

الهايكنج مصطلح انجليزي، ليس لها ترجمة في اللغة العربية ، ولكن من معانيه المشي أو السير لمسافات طويلة، لا تقل عن سبع كيلوات في المناطق البرية، من أجل المتعة والترفيه والممارسة الرياضية، فهو مسمى يندرج تحته كل الانشطة التي تقام في الهواء الطلق، ورياضة البيئة التي لا تحتاج الى تجهيزات كثيرة، أو تحضيرات معقدة، ولا حتى لياقة بدنية عالية، فهو في مجمله (السير على الاقدام بطريقة تتناسب مع الهدف من السير ومستوى اللياقة)، واهم الاستعدادات المطلوبة له، لا تتجاوز الاهتمام باللباس المناسب، واهم شيء فيها الاحذية الرياضية الخفيفة المتينة، ولا بد أن تكون مناسبة تماما لمقاس القدم، ومعها الجوارب الجيدة التي تبقي القدمين جافة قدر الامكان، وتجعلها تتنفس بسهولة، ثم حقيبة ظهر خفيفة الوزن، لتحمل فيها اشيائك المهمة، من المحفظة وبعض الوجبات الخفيفة ومياه الشرب، وبعض من الاسعافات الاولية، ويحسن التزود بعصاة خفيفة وقوية، تتحمل الاعتماد عليها في الصعود والهبوط والمشي، فهي اداة ضرورية للسير البري، تساعدك في المسير والحماية احيانا، قال تعالى (قال هي عصاي اتوكأ عليها واهش بها على غنمي ولي فيها مئارب اخرى) طه18، وبعضهم يستخدم اكثر من عصاة، فيحمل في كل يد واحدة.

ان اكثر ما هو مطبق لدينا من هذه الرياضة في المناطق الجنوبية، السير في الجبال والصعود إلى القمم، لتميز معظم المنطقة بهذه التضاريس الجبلية، وما بها من الجمال الطبيعي، وما تحتويه من المناظر الخلابة، والجو الجميل الممتع، وما في معظم هذه الاماكن من الآثار، وبقايا الطرق الجبلية القديمة، بل ومعظم هذه الجبال عامرة بسكانها، فتجد القرى والبيوت متناثرة هنا وهناك، والمزارع والمراعي ومناحل العسل، فتجتمع للسائر فيها الرياضة والمتعة والاكتشاف، والتعرف على حياة اهلها، وما كانوا عليه في الماضي من المعاناة قبل شق طرق السيارات الحديثة.

إن المشي الجبلي رياضة ممتعة، ولكنها تتطلب لياقة بدنية جيدة، فهي رياضة ثقافية وعلمية واجتماعية، رحلة ممتعة مليئة بالتأمل والاكتشاف، تستوحي منها غرابة الاماكن وجمالها، وظروف الطرق وصعوبتها، وتحدي الصعود والهبوط والمغامرة، مما يجعلها رياضة فريدة متميزة، تبقى ذكرياتها في النفس زمنا طويلا، ومن فلسفتها المبثوثة بين ممارسيها، انها تجعل الانسان محبا للطبيعة، وصديقا للبيئة، فمن اسس ممارستها عدم رمي النفايات اثناء السير، أو الاضرار بالبيئة من حولك، والشعار الذي ترفعه لذلك ( لا تترك أثرا).

ولا بد من الإشارة إلى أن رياضة السير الجبلي، لها اشتراطات وتنبيهات مهمة، تؤخذ في عين الاعتبار، ومنها اشتراط الالتزام الدائم بالأمان، فلا تمارس الا في مجموعة من المشاركين، فلا يصح أن يزاولها الشخص بمفرده، وتحتاج إلى توفر خريطة واضحة، أو دليل خريت عارف بالطريق، والدقة في اتباع تعليمات السلامة بكل حذافيرها، ومن اهمها البقاء مع المجموعة فلا تنفرد عنها، لأن في بعض المسارات مناطق نائية خطرة المسالك، ويجب أيضا توفر كميات كافية من الماء والطعام حسب الحاجة، مع ضرورة التخطيط الجيد للوصول للمكان المناسب قبل حلول الظلام أو نفاد الماء.

والهايكنج في الدول المتقدمة رياضة متطورة جداً، وهناك مسارات قديمة وأخرى مستحدثة للسياح، تزخر بروادها منهم، ولها خرائطها وأدلاؤها، بل وتتوفر فيها استراحات وفنادق خاصة بهولاء الممارسين، حيث يصلون إلى هذه الفنادق مشياً على الأقدام، ليستريحوا فيها ليلاً، قبل أن يواصلوا سيرهم. ففي بلجيكا

يسمى أحد هذه الفنادق فندق حقيبة الظهر ( Back Pack Hotel)، ويوجد في بريطانيا وكندا مسارات متواصلة لممارسي هذه الرياضة، تقطع الدولة من شرقها إلى غربها. وفي الولايات المتحدة طريق جبلي يمتد من جبال سبرينجر في ولاية جورجيا إلى جبال كاتا هدين في ولاية مينيسمي سلسلة آبالا(Appalachain) ، ويبلغ طوله حوالي 3500 كلم، وتنظم رحلات للسير فيه جزئياً أو كلياً، لمن أراد أن يقطعه في مدة تتراوح بين خمسة وسبعة أشهر.

كم تشوقت طوال السنوات الماضية إلى المشاركة في مثل هذه الرياضة، وبالذات ولدي كثير من الاخوة الاعزاء اعضاء معتمدون في هذه الرياضة، ويعملون في لجان فحص المسارات وتثبيت العلامات عليها، ومشرفون وادلاء، ويتحدثون دوما عن المتعة في هذه المشاركات، وكم دعوني ورغبوني في الانضمام اليهم في بعضها، ولكن لا تتوافق مواعيدها مع ما يناسب وقتي، فيكون التأجيل إلى وقت لاحق، وتمضي الايام والتسويف يتبعه آخر، مع اني قد شاركت بعضهم في استكشاف شيء من هذه المسارات في فيفاء، لأن انشطتهم مستمرة لا تنقطع، فطول العام يقومون بأنشطة متعددة، ويكتشفون مواقع جديدة مناسبة، ويحددون مسارات ملائمة، لتكون جاهزة متى ما رغبوا في اقامة نشاط رسمي عليها، بعد أن يتم لهم تحديد طرقها، ووضع العلامات عليها، وقياس المسافات، والالمام بمدى سهولتها أو صعوبتها، وكل ما يضمن سلامة مرتاديها عند المسير فيها، ولكن لم احظى بالمشاركة الفعلية في مسيرة رسمية معتمدة، الى أن كتب الله لي أن التقي ببعض هولاء الاخوة اثناء زيارتي لفيفاء، وكانت فرصة مواتية لمرافقتهم في مسيرة تم دعوتهم إليها، ستقام في محافظة المخواة بمنطقة الباحة.

لم اتردد بل لبيت في الحال، فقد اتت في وقتها المناسب، ووافقت هوى النفس ورغبتها، حيث سارعت إلى تأجيل رحلة طيران كانت تتعارض مع هذا الوقت، واستكملت التجهز بما يلزم من الملابس الرياضية والاحذية المناسبة وخلافة، وهم اكملوا لي بعض النواقص من العصي والقبعات والنصائح، ولذلك صحبتهم من جيزان في رحلة ممتعة مع هذه الرفقة الجميلة، كان التحرك من جيزان صباح يوم الجمعة الموافق 20/6/1441هـ، حيث اتجهنا شمالا عن طريق الدرب، ثم الشعبين برجال المع، ومحايل عسير وبارق، والمجاردة وسبت شمران ونمرة، إلى أن حططنا رحالنا في مدينة المخواة، حيث وصلناها قبل العصر.

وكانت بداية التجمع لجميع المشاركين في المخواة، من بعد صلاة العصر في ذلك اليوم، واعدوا لهذا الاجتماع ملعبا رياضيا في احد ضواحي المدينة، حضر حفل الافتتاح فيه سعادة محافظ المخواة، حيث اقيم من بعد صلاة المغرب، والقيت فيه عدد من الكلمات الترحيبية، وتم شرح وايضاح بعض التعليمات المطلوبة، واقيمت فيه عدد من الالوان الشعبية والمشاركات المتعددة، وبعد تناول طعام العشاء الجماعي في نفس الموقع، انصرف الكل للراحة استعدادا لليوم التالي، فمنهم من اتجه إلى استراحة بجوار الملعب اعدت نزلا للمشاركين، وجهزت بمهاجع مناسبة لهم، واما مجموعتنا فقد اختاروا لهم سكنا مريحا، استأجروه في احد الوحدات السكنية في داخل المدينة، ليأخذوا كامل حريتهم واستقلالهم.

قمنا قبل صلاة الفجر، وتم التجهز باللباس المناسب، وانطلقنا إلى حيث التجمع العام للانطلاق، الذي حدد موعده بعد صلاة الفجر مباشرة، حيث صلينا الفجر في نفس المكان، وبعدها تناولنا طعام الافطار الخفيف، المعد في نفس المكان، وتزودنا بما نريد من الماء والعصير والفواكه، ثم اعطى قائد المسيرة الايعاز بالتحرك قبل طلوع الشمس، وتحرك الركب فيما يقارب اربعمائة مشارك، في تمام الساعة

السادسة والنصف، متجهين إلى الجبل المنشود في الغرب (شدا الاسفل)، وكانت البداية تمر بأحد الاودية في مسافة تقارب الاربع كيلوات، وبعدها نصل مباشرة إلى سفح هذا الجبل، حيث يبدأ الصعود، وكان السير في طريق قديم مدرج من الحجارة، عمره كما اخبرونا ما يقارب ستين سنة، قام اهالي الجبل حينها بالتعاون في بنائه ورصفه، ليسهل صعود الجمال فوقه، وكانت المسافة من هذه النقطة إلى اعلى القمة تبلغ تسعة كم، حسب ما هو موضح في اللوحات المثبتة حديثا على جنبات الطريق.

بالطبع اليوم اصبح هذا الطريق مهجورا، ولم يعد احد يستخدمه إلا نادرا، وذلك بعد أن شقت طرق السيارات الحديثة، التي تصل إلى قمة الجبل من جهات اخرى، واستغنى الناس بها عن أي مواصلات بدائية، وهذا الطريق طريق طويل وشاق، ولكنه مازال محافظا على بنيانه القوي الجميل.

اختير لهذا النشاط الرياضي مسمى (الطريق إلى القمر)، وورد في شهادة المشاركة المعتمدة التي استلمناها في اعلى القمة، العبارة التالية : (يسر محافظة المخواة تهنئتك بإنجاز الصعود عبر طريق القمر إلى قمة شدا الاسفل، وقطع مسافة 13كم، وإرتفاع يصل إلى اكثر من 1500متر عن سطح البحر، وذلك في فعالية مبادرة الطريق إلى القمر، التي تم تنفيذها ضمن فعاليات مهرجان الباحة الربيعي لعام 1441هـ، وذلك يوم السبت 21/6/1441هـ الموافق 15/2/2020م).

ونعود الى تفصيلات هذه الرحلة، فبعد الانطلاق في تلك الكوكبة الجميلة، والسير الجماعي الذي فيه كثير من المتعة، حيث تغمرك الراحة والسعادة، ولا تشعر خلاله بأي تعب، وانت تمتزج مع كل السائرين من حولك، وكلهم يسيرون صوب هدف واحد ، فيهم الكبير والصغير والشاب والكهل، القوي والضعيف الجاد والاقل منه، فتسبق وتتجاوز بعضهم، ويسبقك ويتجاوزك كثير منهم، يلخص لك هذه الحياة الدنيا، فكل في كبد ومشقة وتنافس، سواء اعلنوا ذلك أم لم يعلنوه، لقد اجتزنا الوادي الرملي السهل، ثم مررنا من تحت القوس الموضوع في بداية المسار الحقيقي، ويقع مباشرة في سفح الجبل، كرمز للبداية الفعلية للمسير، وهناك بعض المنظمين يقفون على مدخله ليحصوا ويعدوا المشاركين، واذكر أن رقمي كان (66)، انطلقنا نردد بعض الاناشيد التي تعين على السير، وحتى أن مجموعتنا لم تبقي انشودة من اناشيد المزارعين والورود الا واتت بها، يشاركنا في ترديدها بعض السائرين في محيطنا، وهناك من يحمل السماعات الصوتية يبث منها بعض الاناشيد الوطنية، أو الاغاني والاهازيج الشعبية، ومنهم من كان مشغولا بالتصوير وفي توثيق اللحظات الجميلة، والكل يعيش مع نفسه ومع من حوله في متعة لا توصف.

اجتزنا اول عقبة كانت امامنا، ومعظمنا على امل ان ما بعدها سيكون اسهل وايسر، ولكن بعد ما يقارب الكيلو والنصف تربعنا فوق هذه الهضبة، فوجدناها تشرف على اودية عميقة في الاسفل، تمتد الى الغرب والجنوب لتنفذ الى تهامة، وراينا امامنا جبل شدا الحقيقي شامخا يغطى الافق ، فما كنا فيه انما هو تمهيد للصعود، كان عبارة عن سوار محيط بسفح الجبل، لذلك هبطنا قليلا ثم سرنا في عرض الجبل، ولم ننزل الى الوادي، إلى أن وصلنا إلى مجموعة صخور ينبع الماء من اسفلها، ويتجمع في شبه بركة يطلقون عليها السد تجوزا، ثم يواصل تدفقه إلى اسفل الوادي من فوق الصخور، وكان هذا المكان هو النقطة الاولى للراحة، اخذنا فيها نفسنا لدقائق، لأنه قد انطلق من هنا من كانوا قد سبقونا في السير بعد أن اخذوا راحتهم، وكنا نحن تقريبا في المركز الاوسط، سبقنا اناس ومن خلفنا اخرون، فنحن في وسط المسيرة، استأنفنا سيرنا على نفس النهج والنشاط، وبعد عشرات الامتار ابتدأ الصعود في صدر الجبل الحقيقي، وكانت عقاب تتلوها عقاب، لا تكاد تنتهي من احداها الا وتلتها أخرى، ولا يوجد بينها مكان مستوى لتلتقط فيه انفاسك، الا اقل

من القليل، فهو صعود متواصل، ما إن تنتهي من عقبة إلا وتجد أخرى امامك مماثلة أو اشد منها، فكان هذا هو التحدي الفعلي، ويزيدك الاحباط عندما تنظر إلى الاعلى فتجد الاخرين قد سبقوك بكثير، ولكن ما إن تنظر إلى اسفل منك إلا ويعاودك الامل، فهناك آخرون لم يصلوا بعد إلى ما وصلت اليه، فتستعيد شيئا من ثقتك بنفسك، وأنك ما زلت على خير، وهو ترجمة حقيقية لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ) متفقٌ عَلَيْهِ، فالأمور الحسية تتطابق مع المعنوية.

وكم يسعدك عندما تجد رقما قد علق في احد الصخور، مسجل فيه المتبقي من المسافة، وفي مثل هذا المسير تتضح لك معادن الناس من حولك، فهذا رجل كريم عطوف يواسيك أو يسليك ويبتسم في وجهك، أو يدعو لك ، وبعضهم يمنحك شيئا مما يحمله في حقيبته من الماء أو الفاكهة ، وبعضهم قد وقف ليصنع لنفسه شيئا من القهوة على موقد صغير يحمله، فينفحك فنجان منها ينعش وجدانك ويجدد نشاطك، والناس اشكال ومعادن في كل الحياة، تراها هنا ماثلة امامك في هذا المسير بكل وضوح.

والطريقة المثلى في السير الجبلي هو الاستمتاع بالمسير، وعدم الاستعجال والدخول في سباقات، فيحسن السير بروية وهدوء مع الاستمرار، دون توقف إلا لفترات بسيطة لالتقاط الانفاس للحظات لا تتجاوز الدقائق المعدودة، لأن كثرة التوقف ترخي العضلات، فتحس بالتعب بعدها بسرعة، واما السير المتواصل الهادئ فلا تكاد تتعب، وتجد معه أنك قطعت مسافات كبيرة.

واصلنا المسير والقمة تقترب رويدا رويدا، والارقام تتصاغر امامنا، والعد التنازلي لا ينقطع إلى أن اكتملت كل الارقام التسعة المثبتة في اسفل العقبة، فهذا الرقم واحد قد اجتزناه وهو يتناقص، ولولا ما وجدته من تعب بسبب ضيق الاحذية، التي اوجعتني كثيرا في اطراف اصابع قدمي اليسرى، وارهقتني كثيرا، لأني لم احسن اختيار الواسع منها لقلة الخبرة، مما تسبب لي فيما بعد بظهور سواد تحت ظفري الابهام والخنصر، ما زالا علامة فارقة ،وناقوس ذكرى لهذا الحدث، بقيت لأكثر من شهرين.

برزت امامنا القمة، والناس قد اجتمعوا فيها يرقبون القادمين من الاسفل، يستقبلون ويرحبون بالواصلين في احتفاليه جميلة، تشعرك بالنجاح والراحة، اجتمع مشايخ واعيان هذا الجبل في هذا الموقع المتربع فوق صخرة كبيرة ، تحت مظلات وسرادق قد اعدت، فما أن يصل المشارك الا وتسمع عبارات الترحيب، ثم يأخذونك إلى مكان قد مدت فيه الصفر، يحتوي على الاكلات الشعبية من الخبز والعسل والسمن والإدام، والقهوة والشاي والماء البارد، وفي احد الاركان منها معرض مبسط للبن، يوجد فيه شتلات بن صغيرة، ومعها ثمر هذا البن يتدرج على مراحل نضجه، فجبل شدا يشتهر بزراعة هذه الشجرة.

كانت المدة التي استغرقتها شخصيا في الصعود اربع ساعات بالتمام والكمال، والسريع من المشاركين استغرق ثلاث ساعات، والمتأخرون تجاوز بعضهم الخمس ساعات، وقد بقينا في هذا المكان إلى بعد صلاة الظهر، حيث اقيم حفل تحت رعاية سعادة وكيل امارة منطقة الباحة، وسعادة محافظ المخواة، اللذان حضرا لأجل ذلك، وبعدها هبطنا من الجهة المقابلة إلى حيث العمران في القرية، لمسافة اقل من الكيلو متر، التي اعدت فيها سفر الغداء لجميع الضيوف، وبعدها انطلقت مجموعتنا القادمة من فيفاء في احدى سيارتنا، التي قابلنا بها أحد الشباب، ليختصر علينا طول الانتظار، الذي يستغرقه التفويج، فكانوا ينقلون

المشاركين في سيارات صغيرة، لأن الحافلات لا تستطيع الصعود إلى هذا المكان، واما نحن فلم تمضي الا نصف ساعة أو اقل إلا ونحن في شقتنا المستأجرة في المخواة.

بعد الاستراحة قليلا، انطلقنا عائدين إلى منطقة جازان، والفرحة تعمنا بهذا الانجاز، وبالذات ما احسست به انا شخصيا، وانا اشارك لأول مرة في مثل هذه المسيرة الممتعة، ومع هذه الرفقة الجميلة الرائعة، مما شوقني إلى الحرص على تكرارها متى ما اتيحت لي الفرصة مرة اخرى، وذلك ما حدث بحمد الله بعد اسبوعين من هذا التاريخ، فبعد أن ابلغوني الاخوة في يوم الجمعة 4/7/1441هـ ، أن لديهم مشاركة في مسيرة جبلية في اليوم التالي، السبت الموافق 5/7/1441هـ، في مركز قنا التابع لمحافظة محايل عسير منطقة عسير، وكنت حينها موجودا في مدينة جيزان لتلبية دعوة خاصة، فزاد بي الشوق للمشاركة معهم، لذلك لحقت بهم في نفس ليلة الجمعة، بعد تناول طعام العشاء في جيزان، ولم يطلع الفجر إلا وانا اصطف معهم في مركز قنا، مشاركا بشوق في هذه المسيرة بكل سعادة.

كان الانطلاق من تحت شجرة التالق الضخمة في قرية الحويّة بقنا، حيث انطلقنا بعد تكامل الاعداد التي قاربت الثلاثمائة مشارك، بعد أن وزعت عليهم اللجنة المنظمة ثمار شجر الدوم، في بادرة تدعوهم للمشاركة في اعادة استزراع هذا الشجر المعمرة أثناء هذه المسيرة، وانطلق الجميع خلف الادلاء فرحين مستبشرين، وكانت الطريق المختارة سهلة ميسورة، لا يوجد بها أي صعوبة تذكر، فمعظمها مناطق هضاب منخفضة، واودية جميلة، فالصعود فيها لا يتجاوز نصف المسافة ، التي تقدر بحوالي ثمانية كيلومترات، حيث درنا في محيط مركز قنا ، وتخلل سيرنا المرور بأطراف بعض هذه القرى السكنية، فكانت جولة رائعة ومميزة، استغرقت ما يقارب الساعتين فقط، كانت نقطة النهاية فوق تبة واسعة ، جهزت للاستقبال، واعدت فيها القهوة والشاي وبعض الاكلات الشعبية، وفيها الحافلات التي اقلتنا إلى المركز الحضاري داخل البلدة، حيث تناولنا فيه طعام الغداء بعد الظهر مباشرة، وودعونا بمثل ما استقبلونا به من الحفاوة والتكريم.

كانتا تجربتين جميلتين، توقفت بعدهما كما نعرف كل الانشطة الجماعية، بسبب هذه الجائحة التي عمت العالم، نسال الله أن يرفعها ويزيحها عنا، ليعود الناس إلى حياتهم الطبيعية، وإلى سابق عهدهم ومناشطهم الجماعية، في مثل هذه الرياضة الجميلة وغيرها، التي تحفز من يشارك فيها لمرة واحدة إلى الحرص على تكرارها مرات عديدة، متى ما اتيحت له الفرصة، ففيها يجد الانسان فوائد جمة، اعظمها التعرف على رجال فضلاء، يمثلون معظم مناطق المملكة المختلفة، فهذه رياضة لها العديد من محبيها وعشاقها، ولهم تواصل مستمر فيما بينهم، ولها منظمون ومشرفون رسميون يقومون عليها، ويتنادون إلى كل محفل جديد ليمارسوا فيه عشقهم لهذه الرياضة الجميلة, وفيها التعرف على مواقع وبيئات مختلفة، مع ما يصاحب ذلك من المردود الفكري والجسدي، نسال الله التوفيق لكل خير ولما يحبه ويرضاه.

احببت عرض تجربتي امامكم، من باب الثقافة والدعوة إلى المشاركة في مثل هذه المناشط المفيدة، وقد تأخر نشرها لأني كتبتها قبل اكثر من سنة ثم نسيتها، ارجو أن ينفع بها وأن يكون فيها الخير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

القعدة 1442هـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى