مقالات

الأديب علي بن حسين الفيفي رحمه الله و (أصداءُ الذكريات)

 

 

 

يصعبُ الحديثُ والكلام لما يكون عن قامة علمية كبيرة، وشخصية كهذه ذاتِ المكانة العالية، لها مكانتها القوية في عالم الشعر والأدب، ويزداد الأمرُ صعوبةً، لما يكون الحديث من شخصٍ لم يقابله أو يعاصره أو يجاريه.
لكن الرغبة في معرفة تراثه الشعريِّ والأدبي، يتيحُ لنا على استحياءٍ أن نتسلقَ جداره، وأن نتطفل ببابه لمعرفة الكثير عنه، ونتخطَى رقابَ القوم للوصول إلى كرسيه الذي يتربع عليه بأدبه وشعرهِ، لعلنا نفوز مع الرَّكب في تدوين شيءٍ من رُضَابه، فقراءة دواوين شعره وذكرياته، خلدتْ لنا حباً ومعرفة وكتابه.
كنتُ أسمع منذ أن عرفتُ الحياة، بهذا الأديب ودوره في نشأة وتطوير بعض الأندية الأدبية، ولا أعرفه، وزاد معلوماتي عنه ما كتبه عنه الشيخ عبد الله بن علي قاسم الفيفي (أبوجمال) في مقالة شاملة لحياة الأديب في فيفاء وكيف عاش الأمرّين (الفقر واليتم) وعصرته الحياة، حتى أخرجت منه شاعراً وأديباً، ثم انتقل إلى الطائف للعمل العسكري، وتكوين حياته الأسرية والعلمية والأدبية، فقد كانت له مكانته العلمية والشعرية والعسكرية، وهيأ الله لي بعد طول بحثٍ أن حصلتُ على دواوينه ومؤلفاته كاملة، عن طريق ابنه الأستاذ الفاضل (خالد) حفظه الله ووفقه.
وبقي لي ديوانه الأول لم أجد منه ولو نسخة مصورة، وأعياني التعب في البحث عنه، ولا حتى مع الذين أعرفهم من المقربين منه.
وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، فقد كنتُ في زيارة للأستاذ محمد بن أحمد مُعبر (موسوعة عسير العلمية والتاريخية) بمنزله بخميس مشيط يوم الأربعاء الموافق 23 / 7 / 1441هـ، وكنا نتذاكر بعض الشعراء والأدباء، وذكر الشاعر والأديب علي بن حسين الفيفي، وأخبرني بوجود ديوان قديم له في مكتبته، من الفرحة وقفتْ، واستغربْ، قلت ما اسم الديوان؟، قال ديوان قديم اشتريته وأنا طالب بالجامعة بأبها!، فقلت هاته!! فإذا هو ضالتي التي أبحث عنها منذ زمنْ، إنه ديوان (أصداءُ الذكريات)، أعطاني وقال خذه مدة سنة وأكثر، حتى تنتهي منه، أخذته بكل شغفٍ وشوق، ورجعتُ البيت وقرأته، ومما زاد لهفي له، سبق وأنْ قرأتُ قصيدة للشيخ علي بن قاسم الفيفي في ديوانه الطيف العابر، في طبعته الأولى عام 1403هـ، يثني على هذا الديوان، ولم أجده إلاّ الآن، ولله الحمد والمنة، وشكراً جزيلاً لصديقي الأستاذ محمد بن أحمد معبّر.
فقد -رحمه الله- أول من أصدر ديوان شعري من أبناء فيفاء، وكان ذلك في ذي الحجة عام 1384هـ بعنوان (أصداء الذكريات) عدد قصائده (26) قصيدة، ويقع في 50صفحة، من أجمل الدواوين الشعرية التي قرأتها، حيث إنها تفجرت قريحته الشعرية أيام شبابه وبقوة، قال الشيخ علي بن قاسم الفيفي رحمة الله عليهما؛ في 20/ 3 /1385هـ، عن ديوانه السابق قصيدة في 35 بيت، قال فيها:
رجع أصداء الذكريات
هزّ وجداني وفكري
ويراعي خطها شعـــ
صاغ هذه التمتمات
ثم أجرى أنملاتي
ــراً كما أملت شفاتي

قدم لهذا الديوان شاعر الجيش الزعيم علي زين العابدين، مما قال فيها:
(الشاعر الذي أُقدمه للقراء شاعرٌ عصامي، اتكل على فطرته العربية، الأصيلة، ولم يتتلمذ على أستاذه ولم يتخرج من مدارس عالية، ولكنه كان من صنع نفسه وحدها).
وأطال في المقدمة مادحاً هذه الشخصية الشابة الرائدة في مجال عمله، مثنياً على شاعريته وفصاحته، وأنها البيئة التي تعلم فيها وتخرج منها، مسقط رأسه فيفاء، وأثنى على سليقته العربية الفصيحة، حيث إنه يعمد إلى الإشادة بمسقط رأسه فيفاء، ويتغنى بها في قصائده، ولكن الغزل يغلب عليها.
وكان كثيراً رحمه الله ما يتغنى بمسقط راسه ومعشوقته فيفاء، ويحن لأيام الصبا، وذكريات الطفولة البريئة، وترد كثيراً في قصائده، من ضمنها قصيدة (وقفة وداع) قال فيها:
ضجت اللوعة في
ثم فاضت أدمعي من
فأجلت الطرف والقلب
قلت يا (فيفا) وداعا
لا تظني أنني أسلـــ
فبقلبي أنت يا (فيفا)
قلبي إذ آن الرحيل
فوق خدي تسيل
إلى (فيفا) يميل
فغيابي قد يطول
ــــوك لو قال عذول
جبالٌ وسهول

وقصيدته الأخرى (في ذرى فيفا) قال فيها:
سقيا لأيام الطفولة في ذرى
فهناكَ أيام الشباب تصرمت
وتركت (فيفا) وهي مهد طفولتي
(فيفا) بين منازلٍ وشعاب
بين الرفاق وصفوة الأحباب
وبها أحبائي وكل صحابي

وصَدَّرَ الديوان بهذه الصورة، التي تعود لأيام شبابه وبداياته في السلك العسكري، وأهدى ديوانه إلى (الذين يحملون بين جوانحهم ذكريات عاطفية.. إلى مهد ذكرياتي ومدرج صباي بجبل فيفا).

 

له رحمه الله مجموعة دواوين شعرية مرتبة حسب الإصدار (أصداء الذكريات – أجراس – رحلة العمر – أزهار – زائر الأمس – الهمس الخافت)، وله كتاب آخر مطبوع (ذكريات عن العواصف والعواطف) وكتاب آخر تحت الطبع (التطابق اللفظي)، رحل -رحمه الله- وترك لنا كماًّ هائلاً من التراث والشعر، وقد يسّر الله لي وكتبتُ كتاباً، فوجدتني على شاطئ بحر لا ساحل له، صعبٌ مراسه، كثير اللؤلؤ والمجوهرات، أينما أبحرتَ تجدُ كنزاً، وقريباً سيرى النور بإذن الله تعالى، بعنوان: (الأديب الشاعر علي بن حسين الشريف الفيفي) وهو الآن تحت المراجعة، وكان هميِّ الوحيد أن يكون أول قارئٍ له المعنيِّ بالكتاب، ولكن قدُر الله حال دون ذلك، وله الأمر من قبلُ ومن بعد.
نسأل الله جلّ وعلا أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله، فقد مات عن عمر يقارب 100عاماً، وأسأل الله تعالى أن يرحمه برحمته ويسكنه منازل الأبرار، ويعوض خيراً أهله وذويه ومحبيه من أهل فيفاء خاصة، ومن رواد الشعر والأدب عامة، ويجبر مصاب الجميع في الفقيد رحمه الله، فله ما أخذ وله ما أعطي وكل شيءٍ عنده بأجل مسمى.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

27 / 1 / 1443هـ

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رحمه الله وغفر له وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان وإنا على فراق صديقي الصدوق الشيخ الأديب الأريب علي بن حسين الشريف الفيفي لمحزونون.
    شكرا من الأعماق أخي وصديقي أستاذ عيسى الفيفي على هذه المقالة الجميلة وننتظر ذلك الكتاب القيم بكل شغف يسر الله لك ووفقك.
    محبك أبو سامر الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: