مقالات

حكاية

محمد الرياني

ليلٌ أسودُ حالكُ السوادِ غارتْ في سمائِه النجوم ، وصمتٌ يطبقُ على المكانِ باستثناءِ صوتِ مواءِ قطةٍ صغيرةٍ جائعة؛ يبدو أنَّ أمَّها فارقتْها أو ذهبتْ في ظلمةِ الليلِ تبحثُ عن لقمةٍ في الأزقةِ الموحشة ، اخترقتِ الصمتَ بصوتٍ مدوٍّ  ، مَدَّتْ لسانَها مثلَ برقٍ لامعٍ تشظّى من هولِ السقوطِ المدمر، أعقبتْ ضوءَها بصوتٍ مرعب، بدأت تشْتمُ بعباراتٍ غيرِ مفهومة، تركها وجلسَ على سريرٍ خشبيٍّ ينتظرُ ختامَ صواعقِها، قال لها وقد تماسكَ: إنَّ أرضَه تتحملُ كلَّ البروقِ وتبتلعُها، وتزرعُ بعدَ المطر، وصوتُ الرعدِ سيضيعُ في الفضاء، انهارتْ ثمَّ َجلستْ على السريرِ تسترضيه بعدَ موجةِ الغضب، قالت إن الشمسَ غربتْ على شياطين الإنسِ حولي، لم أشعر في النهارِ بمَن يمنحُني الرغبةَ في العيشِ ، هدَّأ من روعها وأخذَ يمسكُ أصابعَها الواحدةَ تلوَ الأخرى، بدأَ بالإصبعِ الصغرى حتى صاحتْ من الألمِ من شدِّةِ القبضِ عليها ، قال لها هذه أنت ، لأنكِ تتألمينَ ولاتتحملين، انتقلَ إلى الإصبعِ المجاورةِ وكانت أطول، قال لها : هذا أنا، نهضتْ وقد سحبتْ إصبعَها، يالكَ من ظالم! تضعُ نفسَكَ أطولَ مني ، أجابها: هذه هيَ الحقيقةُ، انزلي ولاتقلقي، حثته على أن يستمرَّ في العدِّ حتى تنتهي العشر ، بقيتْ ثلاثُ أصابع ولاتزال منهزمة ، اقترحَ عليها الاقتراعَ  حتى لاتقول له ظلمها ، اختارتْ فجاءَ نصيبُها على الصغرى من الثلاثِ الباقية ، مازحها! اعترفي الآنَ بالهزيمة، عزمتْ على تركِه فسألها إلى أين في هذه الظلمةِ المُوحشة؟  لايزالُ بعضُ شياطينِ النهارِ سامرين في الليل، وضعتْ يدها على صدرِها من الخوف، قال لها: أصابعُكِ ليستْ بمقاسٍ واحد ، هناكٌ حمامٌ أبيضُ يدعو للسلامِ ينامُ في صناديقِ الخشبِ باطمئنان ، وهناكَ بشرٌ كأشكالِ الحمامِ تحرسُه، عادتْ إليه ليكملَ لها العدَّ حتى تكتشفَ الفرق ، أغمضتْ عينيْها ولايزالُ خيالُ لسانِها يبرقُ في الظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى